
مرت الأيام الأخيرة من شهر رمضان بسرعة خاطفة، وحلّت أجواء الاستعداد لعيد الفطر المبارك. كانت الشوارع تتزين بأضواء العيد، وأصوات كعك العيد وروائح الخبيز تفوح من البيوت. ورغم الظاهر الهدئ الذي ساد العلاقات بيننا وبين بيت إسماعيل بعد جلسة الصلح في منزل الجدة، إلا أنني كنت أشعر في أعماقي أن ما حدث لم يكن سوى “هدنة مؤقتة”. فالنفوس القوية التي اعتادت فرض سيطرتها لا تستسلم بسهولة، وكانت نجوى تبحث عن فرصة لإعادة رسم الخريطة لصالحها.
جاءت ليلة العيد، وتجمعت العائلة كالعادة في شقة الجدة لتجهيز صواني الكعك والبيتفور، وتوزيع العيديات على الأطفال. كان هذا التجمع السنوي بمثابة طقس مقدس لا يتخلف عنه أحد. دخلت أنا وخالد وأولادنا محملين بالبهجة والألعاب للأطفال، ووجدنا إسماعيل ونجوى قد سباقانا إلى هناك.
كانت نجوى ترتدي ثوبًا جديدًا فاخرًا، وتتعامل بابتسامة متكلفة تحاول من خلالها إظهار أن كل شيء على ما يرام، وأنها تجاوزت الأزمة تمامًا. لكن نظراتها الثاقبة نحو أبنائي، والطريقة التي كانت تسحب بها ابنتها كلما اقتربت من ياسين، كانت تشي بغير ذلك. كانت تتعامل بحذر شديد، حذر أشبه بالبناء الجدار العازل بين الأطفال.
جلسنا جميعًا حول الطاولة الكبيرة في الصالة. بدأت الجدة في توزيع المهام لتقطيع العجين ورص الكعك. حاولت أن أكون مبادرة ولطيفة، فمددت يدي بالصينية القريبة من نجوى وقلت لها بنبرة دافئة: “كل سنة وإنتي طيبة يا نجوى، ربنا يجعل أيامنا كلها أعياد وخير.”
ردت نجوى دون أن ترفع عينها عن الصينية التي أمامها، وبنبرة تحمل جفافًا مستترًا: ” وأنتِ طيبة يا هند.. ربنا يتقبل منا ومنكم، وما يعودش علينا أيام التوتر والتعب تاني.”
كانت كلماتها كقطرة سم في كوب عسل، لكنني قررت التغاضي عنها إكرامًا للجدة واليوم المبارك. إلا أن الأحداث أخذت منحنى آخر عندما بدأ الأطفال يلعبون في الممر المؤدي للغرف. كان ياسين يلعب مع ابنة عمه “جنى” بالبالونات، وفجأة ارتفعت ضحكاتهم وصياحهم الطفولي.
في تلك اللحظة، وقفت نجوى فجأة وتركت عجينة الكعك من يدها بعنف، وقالت بصوت مرتفع أربك الجميع: “جنى! تعالي هنا فورًا وقعدي جنبي! كم مرة قلت لك ما تلعبيش حركة زي دي؟ اللعب ده مش نظامنا!”
نظر الجميع إليها بذهول. كان الموقف عاديًا جدًا ولا يستدعي القسوة، لكنها أردفت وهي تنظر باتجاهي بنظرة تحدٍ غير مباشرة: “أنا بنتي متعودة على الهدوء والترتيب، المشاكسة والجري ده مش عندنا، ويا ريت كل واحد يسيطر على عياله عشان العيد يمر على خير وما نرجعش لنفس النغمة.”
هنا، انقبض قلب خالد، ووضع قطعة العجين التي بيده على الطاولة، وتطلع إلى أخيه إسماعيل بنظرة عتاب شديدة. كان المغزى واضحًا: نجوى لم تتغير، بل كانت تنتظر أدنى سبب لتقول للجميع “أنا ما زلت هنا، وأسلوبي هو الصحيح”.
قال خالد بنبرة هادئة ولكنها صلبة كالصخر: “يا مدام نجوى، الأطفال بيلعبوا في بيت جيلتهم وفي ليلة العيد. ياسين ما عملش حاجة غلط، ولا بيتي بيعلم عياله المشاكسة. يا ريت لو في كلمة عايزة تقوليها، تقوليها بصراحة وبدون تلميحات.”
انطلقت نجوى وكأنها كانت تنتظر هذه الشرارة: “أنا ما بلمحش يا خالد! أنا بتكلم عن راحتي وراحة بنتي. من يوم موقف العصير وأنا حاسة إن بياض وشي اتكسر قدام العيلة، وإنكم نازلين فيا تقليل وتوجيه. أنا ساكتة وعاملة خاطر لليلة العيد، بس مش معناه إن أبسط حقوقي في حماية بنتي من الشقاوة يتقال عليه تلميح!”
تدخلت الجدة بصوت غاضب وهزت عصاها الخشبية على الأرض: “سكتنالك يا نجوى وقلنا العقل يوزن، تطلعي لنا في ليلة العيد بجدال جديد؟ البيت ده بيتي، والأولاد أولاد ابني، واللعب في ليلة العيد حلال ومفرح. اللي مش عاجبه هدوء البيت وفرحة العيال، يقعد في بيته مكرم!”
اندهشت نجوى من قوة موقف الجدة، وتطلعت إلى زوجها إسماعيل تطلب منه الدعم أو التدخل. لكن إسماعيل كان قد وصل إلى مرحلة النفاد تام من هذه التصرفات التنافسية التي لا تنتهي. وقوفه هذه المرة لم يكن مجرد غضب لحظي، بل كان قرارًا بوضع حد نهائي لهذه السلوكيات.
وقف إسماعيل ونظر إلى نجوى بعينين ملؤهما الإصرار وقال: “نجوى.. لمي حاجتك وخدي جنى وانزلي على العربية.”
صُدمت نجوى وقالت بتلعثم: “إيه؟ تنزل فين؟ إحنا بنعمل كعك العيد مع أمك!”
رد إسماعيل بصوت صارم هز أرجاء الشقة: “الكعك يتعمل بالمحبة والصفاء، مش بالغل والتلكيك. إنتي مش جاية تفرحي، إنتي جاية تثبتي إنك مظلومة وإن كل الناس غلطانين في حقك. أنا صبرت عليكي كتير، لكن إنك تنكدي على أمي وأخويا وعياله في ليلة العيد عشان توهمي نفسك بالسيطرة، ده اللي مش هسمح بيه ثانية واحدة. اتفضلي على البيت، ولما العيد يخلص هيكون لنا كلام تاني خالص.”
حاولت أنا وخالد التدخل لتهدئة الموقف، وقلت لإسماعيل: “يا أبيه إسماعيل، عشان خاطر ربنا وعشان ليلة العيد، بلاش تكبر الموضوع.. إحنا مسامحين وكلنا إخوات.”
لكن إسماعيل رفع يده قاطعًا رجائي وقال بثبات: “لا يا هند، الأصول بتقول إن اللي ييجي بيت العيلة ييجي بقلب أبيض، مش بقلب شايل ويدور على الزلة. نجوى محتاجة تقعد مع نفسها وتعرف إن العيلة دي خط أحمر، وإن كرامة أخويا وولاده من كرامتي.”
دمعت عين نجوى، ولكن هذه المرة لم تكن دموع تمثيل أو ادعاء، بل كانت دموع صدمة حقيقية بعدما أدركت أن كثرة الضغط تسببت في انفجار المكان بأكمله، وأن زوجها لن يفرط في عيلته أو يداري على أخطائها بعد اليوم. أخذت حقيبتها وابنتها وخرجت من الشقة بخطوات متسارعة وصمت مكسور.
بعد خروجها، ساد الصمت في الصالة لثوانٍ، قبل أن تنفس الجدة الصعداء وتدعو لابنها بالهداية وصلاح الحال. واصلنا عمل الكعك، واكتملت فرحة الأطفال الذين عادت ضحكاتهم لتملأ المكان دون خوف أو مراقبة.
ولكن مع انطلاق تكبيرات عيد الفطر من المآذن، كان خالد يقف في شباك الصالة ينظر إلى الشارع بشرود. اقتربت منه ووضعت يدي على كتفه، فنظر إليّ وقال بصوت خافت: “يا هند، أنا خايف الموقف ده يهد بيت إسماعيل.. نجوى غلطانة، بس إسماعيل المرة دي قسي عليها أوي.”
رددت عليه بثقة وبصوت يملؤه الهدوء: “يا خالد، الجرح لما يتساب من غير تنظيف بيبوظ الجسم كله. إسماعيل ما قسيش، إسماعيل بيحمي بيته وعيلته قبل ما ينهاروا. نجوى كانت محتاجة تفهم إن قوة الشخصية مش بالتعالي والتحكم، لكن بالحنية والأصول. وربنا يقدم اللي فيه الخير في الأيام اللي جاية.”
انتهت ليلة العيد، وبدأت صلاة العيد، وتجمعنا مجددًا، ولكن غياب نجوى عن صلاة العيد وعن تجمع الصباح جعل الجميع يترقب ما ستسفر عنه الأيام القادمة، وهل ستكون هذه القطيعة بداية لإصلاح حقيقي في شخصيتها، أم أنها بداية لمعركة جديدة وأشد بين سلمان العائلة؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



