روايات وقصص

حكايه عمران وليلي الجزء الخامس

بقلم سيلا وليد

— أوعى يكون اللي فهمته صح!
ابتسم وهو يعيد عينيه للطريق:
— ما أنا شوفتك عنده منهارة… كان لازم أصالحك.
نظرت إليه بدهشة:
— تصالحني؟
أومأ:
— مقدرتش أشوفك زعلانة وأسكت.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— بجد؟ يعني… أنت كنت مراقبني؟
تنهد بابتسامة:
— متعرفيش يا ليلى عملتي في عمران إيه.
التفتت إليه بفضول:
— عملت إيه؟
— مش فاهم.
— مش أنت بتقول “متعرفيش عملتي في عمران إيه”؟ عايزة أعرف عملت فيك إيه.
ابتسم، ثم قال بنبرة لا تقبل النقاش:
— قولي اسمي يا ليلى.
— ليه؟
— مش هتنازل عن دي.
ضحكت بخجل، ونظرت أمامها:
— خلاص بقى.
مد يده إليها، فظلت تنظر إلى كفه الممدودة بتردد.
قال بهدوء:
— إيدي وجعتني على فكرة.
ضحكت، ثم وضعت كفها في كفه.
شبك أصابعه بأصابعها، وقاد السيارة بيد واحدة.
وبعد لحظات، قالت:
— ممكن ترجعني البيت؟ مينفعش أتأخر بجد.
— حاضر، تؤمري.
ثم أضاف وهو ينظر إليها:
— بس اعملي حسابك… بكرة بعد الكلية هنخرج سوا. اعتبري اليوم بتاعك.
— بكرة؟ بس أنا مش هروح الكلية بكرة.
التفت إليها:
— ليه؟ عندك سكشن واحدة، مش هتحضري ليه؟
نظرت إليه بدهشة:
— إيه اللي عرفك؟
ابتسم وهو يركز عينيه في الطريق:
— عرفت حاجات كتير عنك يا حبيبي.
تجمدت للحظة.
الكلمة وحدها أربكتها.
حبيبي.
تورد وجهها بالكامل، وأدارت رأسها ناحية النافذة، بينما ضغط هو على كفها برفق.
ثم قال بصوت خافت:
— أنا عايز إيدك في إيدي دايمًا.
رفعت رأسها إليه، وترددت قبل أن تسأله:
— اوعدني… إنك متسبنيش.
توقفت السيارة أمام المبنى الذي تقطن به.
أطفأ المحرك، ثم التفت إليها بجسده كاملًا.
— مش هقدر.
نظرت إليه:
— يعني إيه؟
ابتسم بعينين امتلأتا بشيء أعمق من الكلام:
— إنتِ متعرفيش ليلى بالنسبة لعمران إيه.
اقتربت منه بنظرة طفولية صادقة:
— عايزة أعرف… ليلى بالنسبة لعمران إيه؟
لمعت عيناه، وقال بهدوء:
— نبض قلب عمران يا لولة.
ارتفعت نبضاتها حتى شعرت أنها ستفضحها.
سحبت كفها من يده برفق:
— هنزل.
أومأ، ثم قال:
— هكلمك بالليل… ردي عليا.
— حاضر.
استدارت لتفتح الباب، لكنه أوقفها:
— ليلى.
التفتت إليه:
— نعم؟
— لازم نقعد مع بعض ونتكلم في الأيام الجاية.
تغيرت ملامحها قليلًا:
— تقصد إيه؟
نظر إليها بجدية هذه المرة:
— أنا جاد جدًا في اللي بينا. لازم أتكلم مع فريد… وننزل لباباكي.
— بابا…
خرجت الكلمة منها مرتبكة، كأنها بدأت تستوعب أن الأمر لم يعد مجرد مشاعر وكلمات بينهما.
استدار إليها بكامل جسده، وأمسك كفيها بين يديه.
— أنا الأسبوع ده معرفش عدى عليا إزاي. وكل يوم بعيد عنك كان بيأكدلي حاجة واحدة… إني مش عايزك تبقي بعيدة عني.
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة أكثر هدوءًا:
— وأنا مش صغير علشان أفضل أخرج معاكي في السر، ولا عايز علاقتنا تفضل معلقة بين الخوف والتردد. أنا عايز رابط رسمي يطمنك ويطمني.
نظرت إليه:
— بس أنا لسه قدامي سنين لحد ما أخلص.
ابتسم، وانحنى قليلًا حتى التقت عيناه بعينيها:
— تكمليها وإنتِ جنبي. وبعد امتحانات الترم… هتكوني مراتي.
اتسعت عيناها، وخرجت منها الكلمة دون تفكير:
— يالهوي يا عمران… مراتك؟
تجمد للحظة.
لم يكن بسبب كلمة “مراتك” وحدها…
بل لأنها نطقت اسمه مجردًا، بلا لقب، وبذلك الخجل الذي جعل قلبه يلين تمامًا.
ابتسم، وقال:
— أيوه يا قلب عمران… مراتي.
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
— ولولا إنك داخلة على امتحانات الأسبوع الجاي، كنت زماني دلوقتي عند باباكي.
اتسعت ابتسامتها، ثم سحبت كفيها من بين يديه وفتحت باب السيارة.
نزلت، وأغلقت الباب خلفها.
ظل يتابعها بعينيه حتى دلفت إلى المبنى واختفت عن أنظاره.
ظل ساكنًا للحظات، ثم أسند رأسه إلى مقعده، وأطلق زفرة طويلة.
ابتسم وحده.
— طفلة يا عمران…جابتك على جدور رقبتك
ثم هز رأسه وكأنه يلوم نفسه:
— عملت فيا ايه؟!  ايه اللي فيها خلاك زي المراهق كدا
رفع نظره إلى المبنى، ثم قاد السيارة وعاد الى وجهته.

بالأعلى، عند ليلى…
دلفت إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها، ثم ألقت هاتفها فوق المقعد، وظلت للحظات واقفة مكانها وكأنها لا تصدق ما حدث.
ثم فجأة، بدأت تدور حول نفسها بسعادة، وضحكتها تملأ المكان.
— طلع بيحبني… بيحبني!
وضعت كفيها على وجهها من شدة خجلها، ثم عادت تدور حول نفسها وهي تضحك، قبل أن يقطع رنين هاتفها فرحتها.
توقفت، واتجهت إليه سريعًا، وما إن رأت الاسم حتى ابتسمت:
— فريد.
أجابت:
— أيوه يا فريد.
جاءها صوته من الطرف الآخر:
— حبيبتي، معلش هتأخر شوية… اتغدي إنتِ، ومتستنيش.
جلست على المقعد، وعقدت حاجبيها:
— يعني مش هتيجي خمسة؟
— عارف إنك تعبانة ومضايقة… آسف يا لولة. أنا كمان مرهق وعايز أروح أرتاح، بس عندي شغل كتير.
ابتسمت بهدوء:
— خلاص، ولا يهمك حبيبي.
أنهت المكالمة، وظلت للحظات تحدق في الهاتف.
ثم بدأت تقضم أظافرها بتوتر.
طيب… ليه فريد هيتأخر؟
هو فعلًا عنده شغل؟
ولا…
توقفت أفكارها فجأة، وكأن شيئًا ما عبر ذهنها.
عمران.
رفعت الهاتف، وظلت تنظر إلى رقمه للحظات مترددة.
أتتصل به؟
وبعد تردد طويل، ضغطت على زر الاتصال.
لم تمر سوى لحظات حتى جاءها صوته سريعًا:
— ليلى؟ فيه حاجة؟
توقفت لحظة.
اللهفة في صوته وحدها جعلت قلبها يبتسم.
— هو… مفيش. بس كنت عايزة أسألك، ليه فريد هيسهر؟ مش حضرتك قلت علشان توصلني؟
جاءها صوته وهو يقود سيارته:
— أولًا، مش اسمي حضرتك.
ضحكت بخفة.
— حاضر.
— ثانيًا، لسه مبلغتش مدحت يأجلوا الشغل لبكرة.
ثم سكت لحظة، وأضاف بنبرة مازحة:
— وأنا اللي فكرت إني وحشتك وبتتصلي تطمني عليا.
— وحشتني إيه؟ هو إحنا مش كنا مع بعض؟
ضحك:
— اقفلي يا ليلى… بدل ما أغير رأيي وأرجعلك، وأعرفك يعني إيه تقوليلي “وحشتني”.
— خلاص، متزعلش.
صمت للحظات ثم جاء صوته أكثر هدوءًا:
— ليلى؟
— نعم؟
— لو احتجتي أي حاجة، مهما كانت، وفي أي وقت… اتصلي بيا فورًا
— الرقم اللي كلمتيني عليه ده رقمي الخاص… محدش معاه غيرك
رفرف قلبها بسعادة.
— يعني أفهم من كده إن الرقم ده مش مع حد خالص؟
ابتسم:
— لا يا حبيبتي… ده خاص بيكي. وأي حاجة تخصك، هتبقى بينا وبس.
ابتسمت دون أن يشعر بها:
— خلي بالك من نفسك.
ثم أضافت بخجل:
— وطمني عليك أول ما توصل.
ابتسم عند سماع كلماتها، وأطلق تنهيدة طويلة، قبل أن يناديها بصوت خافت:
— لولا…
استمعت إلى أنفاسه للحظات، ثم همست:
— نعم؟
صمت ثانية واحدة، وكأن الكلمة التي سيقولها أثقل من أن تمر عابرة.
ثم قال ببساطة:
— بحبك.
تجمدت في مكانها.. لم تجد كلمة واحدة ترد بها.
فقط أغلقت الهاتف بسرعة، ووضعت كفها فوق قلبها الذي لم يعد يعرف الهدوء.
وبعد لحظات، عاد الهاتف للرنين.
نظر إليه ب أجاب:
— ألو؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى