روايات وقصص

بعد ولاتي 1

روماني مكرم

انا ولدت من اربع ايام واسبوع المولود بعد ثلاث ايام حماتى قالت اخت جوزك نازله من السعوديه علشان اسبوع ابنك وبكرا لازم تروحى تنضفى شقتها دى مقفوله بقالها سنتين كلها تراب ومينفعش تنزل تنضفها هى وانتى موجوده!!!!

 

أربع أيام بس عدوا على ولادتي، أربع أيام حاسة فيهم إن جسمي كله مهدود، عضمة عضمة بتئن، والبيبي جنب مني حتة لحمة حمرا، يادوب بيتنفس بالراحة ونبضه زي العصفور.

دخلت حماتي الأوضة، ما خبطتش، دخلتها المعتادة اللي بتخليني أتنفض من مكاني حتى وانا مش قادرة أتحرك. وقفت عند طقطوقة ، حطت إيدها في وسطها وبصتلي بصة كلها أوامر:

ـ أخت جوزك نازلة من السعودية بعد بكرة علشان أسبوع ابنك، وبكرة الصبح لازم تروحي تنضفي شقتها.. الشقة مقفولة بقالها سنتين وكلها تراب ومينفعش تنزل من السفر تلاقيها كده، ومينفعش هي تنضفها وأنتي موجودة وموجودة زي القضاء والقدر كده.

بصيت لها وأنا مش مصدقة، أيدي راحت للمكان الشق في بطني من أثر الولادة، والوجع شادد عليا:

ـ بتقولي إيه يا حماتي؟ أنا لسه والدة وتعبانة ومفتوحة، ومعايا بيبي لسه حتة لحمة حمرا.. وبعدين الواد هسيبه لمين وأنا أصلًا مش قادرة أقف على حيلي؟

ردت ببرود وهي بتبص للطفل بتشفّي:

ـ أنا هاجي معاكي، هقعد بيه في الصالة وأنتي ادخلي اشتغلي وروقي، مش هسيبك لوحدك يعني.

مسكت دموعي بالعافية، وحاولت ألاقي حل يرضيها ويحمي جسمي اللي بيصرخ من الوجع:

ـ طيب يا حماتي، أنا هجيبلك رقم واحدة نظيفة أوي شغالة تيجى تنضف، وأنتي تقعدي تشرفي عليها.. وسلفتي مش هيفرق معاها أجر الشغالة اليومين دول، كده كده ربنا كرمها وموسع عليها وزوجها ربنا فاتحها عليه هناك.

وشها اتغير، وعينيها اتملت غضب ورشرشت كلام زي :

ـ أنتي بتبصي في رزق بنتى وفلوسها؟! أنتي هتحسديها كمان؟ مش كفاية نازلة من السعودية مخصوص علشان خاطرك وخاطر ابنك؟ اللي حتى أهلك مقدروش ييجوا من الصعيد لغاية مصر علشان ولادتك؟ خايفين على قرشين المصاريف وجايين يوفروهم على قفانا؟

كلامها نزل عليا زي السكين، أهلي الغلابة اللي ما حيلتهمش اللقمة وكانوا بيبكوا في التليفون إنهم مش عارفين ييجوا بسبب تذكرة القطار. بلعت غصتي وقلتلها بقلب مكسور:

ـ يا حماتي الله أعلم بظروفهم.. وما تصغريش أهلي، وأنا لو قادرة والله هروح من غير كلام، بس بجد تعبانة والجرح بيشد عليا.

قربت مني وبصت في عيني وقالت بلهجة مفيهاش أمل للمناقشة:

ـ إحنا هنروح الصبح بدري، وعلى العشاء تكوني خلصتي.. هو يوم واحد بس مش هتتكسر رقبتك فيه يعني! الشغل ما بيموتش.

خرجت وسابت الباب مفتوح، والورق بتاع الشباك بيخبط مع الهوا. قضيت الليل بطوله بدموعي، الجرح بيوجعني من كتر العياط والضغط، والطفل يصرخ كل شوية عايز يرضع وأنا حاسة إن حيل أتهد.

الصبح بدري، والشمس يادوبك بتشق السماء، سمعت حركة بره الأوضة. باب الشقة اتفتح، وصوت خطوات تقيلة.. كان جوزي راجع من شغله الليل، ووالدته واقفة في الصالة بتستناه.

فتحت باب الأوضة بالراحة ووقفت أتسند على الحيطة. حماتي بصتلي وقالت بصوت عالي وهي بتبص لبنها:

ـ أهي الهانم صحيت أهي! نازلة دلع ومسكنة من البارح.. بتموت نفسها علشان ما تخدمش أختك اللي جاية من السفر! أهلك في الصعيد ما كلفوش خاطرهم ييجوا يباركوا علشان خايفين على الفلوس، وهي هنا مستكسرة تعمل خدمة لبيت أختك المفتوح!

جوزي بصلي بقلة حيلة، وعينيه دبلانة من التعب، بس ما نطقش بكلمة تدافع عني، بل بصلي باستسلام وقال:

ـ خلاص بقى يا شيماء.. قومي مع أمي واخلصوا، مش عايزين مشاكل أول النهار.

حماتي كملت بتعيرة ونبرة تشفي وهي بتميل عليا:

ـ ناس ما بتجيش غير بالعين الحمرا.. ناس معندهاش أصل، جاية من الفقر وبتبص في نعمة غيرها!

الكلمات قطعت آخر عرق صبر جوايا. بصيت لجوزي لقيت عينه في الأرض، وبصيت لحماتي لقيت النصر طالع من عينيها. ما ردتش ولا كلمة. لفيت ضهري ودخلت الأوضة.

الساعة كانت يادوبك خمسة ونصف الصبح، الصوت بره هدي لما دخلوا المطبخ يعملوا شاي. ببطء شديد، دموعي نازلة بس من غير صوت، قطعت ملاءة صغيرة لفيت بيها البيبي كويس، وربطته على صدري بحنية.. مسكت شنطة صغيرة فيها كيس لبن وشهادة ميلاده وشوية غيارات.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

مشيت على أطراف صوابعي، كل خطوة كانت بسكينة في بطني، بس الإهانة كانت أكبر من وجع الجرح. اتسحبت بالرضيع بالراحة، فتحت كالون الباب من غير ما يطلع صوت، وخرجت للسلم..وفجاء

خرجت من العمارة والشارع لسه بيستقبل أول خيوط الشمس، البرد كان بيلدع وشي بس ما حسيتش بيه، الوجع اللي جوه بطني واللي جوه قلبي كان مخدّر كل حواسي. لفيت الملاية على البيبي أكتر وأنا حاضناه بقدام جسمي عشان أحميه من هواء الصبح، ومسكت الشنطة بأيدي التانية بالعافية. كل خطوة كانت بتخليني أحس كأن جرح القيصرية بيتفتح من جديد، بس صورته وهو واصل لقمة الاستسلام أمام أمه، وصوتها وهي بتعيرني بفقر أهلي، كانوا زايقيني لقدام زي السوط.

مشيت لحد أول الشارع الرئيسي، الدموع مغشية عينيا ومش شايفة قدامي. وقفت توكتوك بالعافية، الراجل أول ما شاف منظري وأنا بسند على باب التوكتوك ودموعي نازلة كتم حسرته وقال لي: “خير يا أختي؟ على فين على الصبح كده؟”. قلت له بصوت مخنوق مش طالع: “وديني موقف الأتوبيسات أو محطة القطر.. أي حاجة رايحة الصعيد.. رايحة للبلد.”

الراجل ما سألش تاني، شغل التوكتوك ومشي بالراحة عشان حاسس باهتزازات الشارع اللي كانت بتخليني أصرخ مكتوم وأنا ضاغطة على بطني. وصلنا محطة القطر، قطعت تذكرة بالفلوس القليلة اللي كانت معايا في جيب الروب. قعدت على بنش خشب في المحطة، ضامة ابني لصدري، العيل كان بيئن بصوت واطي ونبضه خفيف، كان حاسس بالرعب اللي أنا فيه.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى