روايات وقصص

جوزي شالي الرحم

البنت دي مش هتسكت، وإحنا هنا رجالة ومنطقتنا مش عزبة عند عيلة الهواري!
الوقفة دي ادتني قوة عمري ما تخيلت إنها جوايا.
جلسة المحاكمة الكبرى كانت في محكمة جنايات القاهرة. القاعة كانت زحمة لآخرها.. صحفيين، قنوات، ناشطين، ومحامين، وستات كتير لابسين شيلان بنفسجي تضامناً معايا. دخلت القاعة وأنا لابسة فستان أبيض، وماسكة إيد يوسف جامد، ونيرمين ماشية ورايا، وشها أصفر بس عينيها فيها تحدي.
حازم كان قاعد قدام ببدلته الرمادي الشيك، مفيش فيه غلطة كالعادة. بس أول ما عينه جت في عين يوسف، قناع البرود والغرور اتهز من على وشه لثانية واحدة.. الثانية دي كانت كفاية تضمن لكل اللي في القاعة إنه عرف ابنه وفهم إن اللعبة انتهت.
القاضي طلب الهدوء.
الأستاذ طارق قدم كل الأدلة بالتفصيل التقرير الطبي المزور عن السرطان، وصولات الأمانة والتحويلات للدكتور أحمد سالمان، أمر عملية استئصال الرحم بدون موافقة المريضة، ورق أمي المزور، والتحويلات المالية لدار الرعاية اللي استخبى فيها يوسف. الصحفية فريدة قدمت نسخ معتمدة من الإيميلات والمراسلات. ونيرمين وقفت وشهدت لمدة ساعتين كاملين؛ اعترفت بكل حاجة، بلعبتها، بحملها الكاذب، بمشاركتها لحازم في الأول وبخوفها منه بعد كده.
أنا كنت طمعانة وعايزة أخد كل حاجة نيرمين قالت وهي بتعيط بس لما عرفت إنه سرق وخطف ابن مراته وضحك عليها، فهمت إن حازم مبيحبش حد.. حازم عايز يمتلك ويتحكم في البشر وبس.
حازم وقف وهو  وصرخ في القاعة

الست دي كدابة! كلهم كدابين وبيتآمروا عليا!
القاضي خطع بالشاكوش وأمره بالسكوت والجلوس.
وفي الآخر، النيابة عرضت التسجيل الصوتي الأخير، وصوت حازم ملى القاعة كلها وهو بيقول للدكتور
لما مريم تصحى، هيكون كل حاجة خلصت وفات الوقت. من غير رحم مش هتعرف تطالب بأي حاجة بصفتها أم، والولد هيفضل مستخبي في الدار.. ولما يكبر ويبقى ليه عازة، هنبقى نقرر هنعمل بيه إيه ونشغل فلوسنا بيه إزاي.
الهدوء ساد القاعة، حتى الصحفيين مبقوش بيتحركوا من الصدمة.
غمضت عيني.. سماع الجملة دي قدام الناس كلها كسرني لآخر مرة، بس في نفس الوقت حررني. مبقتش كلمتي ضد كلمة راجل غني وصاحب نفوذ.. صوته هو اللي حفر  بإيده.

الدكتور أحمد سالمان اتقبض عليه في نفس اليوم العصر. ومديرة دار النور اعترفت بشبكة تبني وتجارة أطفال غير قانونية عشان تاخد تخفيف في العقوبة. واثنين من كبار الموظفين في وزارة الصحة قدموا استقالتهم قبل ما يتجابوا للتحقيق. والمحامي رأفت الجيار اللي زور ورق أمي زمان حاول يهرب عن طريق السلوم لبرة مصر، بس اتجاب واتقبض عليه على الحدود.
حازم الهواري اتوجهت له تهم جنائية تقيلة العنف الطبي والجسدي، تزوير أوراق رسمية، الشروع في القتل، خطف واخفاء طفل، النصب والفساد الشركات، وتشكيل عصابي. وبعد شهور، صدر ضده حكم تاريخي بالسجن المشدد. مش بس خسر حريته، ده خسر اسمه وهيبته اللي كان بيتحامى فيهم. فلوسه وأملاكه اتحفظ عليها، وحق أمي وأسهمها رجعت لي بالكامل. بالفلوس دي، عملت مؤسسة بهيرة لدعم وتأهيل

الستات اللي بيتعرضوا لعنف طبي أو أسري.
نيرمين برضه أخدت عقابها وخسرت شغلها وعقودها والشهرة وأصحابها، بس تضامنها وشهادتها خففوا عنها الحكم، وبقت بتشارك في أعمال الخدمة العامة والتعويض عن الضرر. إحنا مش صحاب، وعمرنا ما هنكون صحاب، بس ساعات العدالة بتحتاج حتى الناس اللي كانوا جزء من الجرح عشان الحقيقة تبان.
يوسف أخد وقت طويل عشان يقولي يا ماما. في الأول كان بيبص لي بخوف كأنه مستني إني هختفي في أي لحظة زي الباقيين. كان بينام والنور قايد، وبيخبي البسكوت والعيش تحت المخدة بتاعته عشان لو بكره ملقيناش أكل. كل ما كنت بشوفه بيعمل كده، كنت بكره وبدعي على اللي منه أمانه وطفولته.
وفي يوم، بعد كام شهر، كنا قاعدين في جنينة بيت مصر الجديدة بنزرع شجرة جهنمية جديدة مكان اللي اتعرّت. يوسف حط إيده الصغيره في الطين وبصلي بكل براءة

إنتي بجد هتفضلي قاعدة معايا ومش هتمشي؟
نزلت على ركبي وقعدت قصاده
العمر كله يا قلب ماما.. مش هسيبك أبداً.
بص في وشي بتركيز كأنه بيقرأ عقد أمان، وبعدين رما نفسه في حضني وقال
خلاص.. يبقى من هنا ورايح هقولك يا ماما.
عيطت ودفنت وشي في شعره.. مكنش عياط كسرة ولا هزيمة، كان عياط راحة ورجوع للروح.
عدى 5 سنين على الموضوع ده. الجرح اللي في بطني لسه معلم وموجود، وعمري ما فكرت أداريه أو أتكسف منه؛ الجرح ده هو الخريطة للحرب اللي حاولوا يكسبوها على حساب جسمي وصحتي وكسرتي. حازم بيقضي عقوبته في سجن ليمان طرة. ومجموعة الهواري مبقتش شايلة اسمه وبس، بحكم المحكمة تم إدراج اسم أمي ورجوع حقها واتحولت أجزاء منها لمراكز طبية مجانية لخدمة صحة المرأة، وعلى البوابة الكبيرة فيه يافطة رخام مكتوب عليها بهيرة، المرأة التي رفضت أن تُمحى.
يوسف دلوقتي بيجري في الصالة ويلعب مع كلب بلدي متبنيينه ومسميينه سُكر. والأستاذ طارق بقى شريكي وسندي في الحياة، مش عشان ينقذني، عشان يمشى جنبي خطوة بخطوة من غير ما يحاول يتحكم فيا أو يقرر مكاني. أنا اتعلمت إن السلام مش دايماً بيجي في السكوت؛ ساعات السلام بيجي في شكل حكم محكمة ممضي، باب مفتوح على الدنيا، ابن راجع لحضنك، وحقيقة بتتقال بأعلى صوت ومحدش يقدر يداريها.
لو القصة دي وجعتك أو حركت فيك حاجة، احكيها وشاركها.. مش عشاني أنا، عشان أي ست في الدنيا قالوا لها إنتي بتهولي، إنتي مجنونة، أو لازم تبوسي إيدك وش وظهر إنك لسه عايشة. أنا خدوا مني رحمي، وسرقوا مني ابني، وحاولوا يمسحوا تاريخ أمي.. بس وقعوا في غلطة واحدة كبيرة سابوا الست اللي هتعيش وتحكي وتجيب حقهم كلهم حية!

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى