روايات وقصص

بقلم رودي خالد1

بس مين يصدقها؟ الدليل كان في جيبها، واللبن اتكب على الأرض، وأنا الأم المنهارة اللي خايفة على عيالها التوأم. حماتي مسكت شريف وقالت له: “الست دي ما تقعدش في البيت ده ثانية واحدة! دي مجرمة وحاقدة عشان ربنا حرمها من الولد! تطردها حالا وترمي عليها اليمين!”

شريف كان واقف مشدود، الدموع في عينيه ومش قادر يستوعب إن حبيبته وأم بناته الثلاثة ممكن تعمل كده، بس الكبرياء والشرف وشكل عياله قدام الناس عامه. مسك صفاء وشدها ناحية الباب، وبناتها الثلاثة الكبار خرجوا من الأوضة وهم بيصرخوا وبيعيطوا: “بابا لا! ماما ما تعملش كده! ما تطردش ماما!”

المنظر كان يقطع القلب، بس أنا في سري كنت بطير من الفرحة. الخطوة الأولى نجحت بنسبة مية في المية. صفاء اترميت بره الشقة في الشارع بدموعها وهدومها اللي عليها، وبناتها بيصرخوا وراها، وشريف قفل الباب وقعد على الكرسي وحاطط إيده على وشه وبيعيط بقمة العجز.

مرت الأيام بعد الحادثة دي، والبيت بقى ملكي أنا وبس. حماتي كانت بتمشي في البيت تتباهى بيا وبالولدين، وكل شوية تقول لشريف: “شفت؟ ربك كشفها على حقيقتها، ربنا يحرمها زي ما كانت عايزة تحرمك من سندك.”

بس الغريب إن شريف ما كانش سعيد. رغم إن صفاء مشيت وراحت بيت أهلها وهي مكسورة، ورغم إنه منعها تسحب بناتها منه وقعدهم معانا في الشقة، إلا إنه بقى انساني تاني خالص. بقيت أشوفه قاعد بالساعات في البلكونة ساكت، يبص لسرحان بناته الثلاثة وهم بيعيطوا على أمهم بالليل في أوضتهم، ويجي ينام جنبي كأنه

هامدة، لا بيكلمني ولا بيلمسني.

كنت فاكرة إن غياب صفاء هيخليه ليا لوحدي، بس اكتشفت إن طيفها بقى موجود في البيت أكثر من الأول. كل ما يبص للولدين، ألم الشك يأكله: هل فعلا صفاء تعمل كده؟ ولا في حاجة غلط؟

في يوم، بعد حوالي شهرين من الواقعة، بنته الكبيرة “نور” اللي عندها ١٢ سنة، كانت واقفة في المطبخ بتعمل شاي، ودخلت عليها بمنتهى الفوقية وقلت لها: “خلصي بسرعة عشان تنظفي أوضة أخواتك الولاد.”

نور بصتلي بنظرة كره عمرها ما ظهرت في عين طفلة، وقالت لي بصوت واطي بس يرعب: “أنا عارفة إنك أنتِ اللي عملتي كده في أمي.. ماما عمرها ما تؤذي حد، وأنتِ حية وسامة، وبابا هيعرف الحقيقة في يوم من الأيام وهيرميكي زي ما رميتي ماما!”

اترفزت وضرتها بالقلم على وشها، صرخت ونادت على باباها. شريف جه يجري على الصوت، شاف نور ماسكة وشها وبتعيط، وشافني واقفة بنهج من الغضب.

شريف زعق: “في إيه؟! بتمدي إيدك على بنتي ليه يا انتي؟!”

رديت بوقاحة: “بنتك بتقل أدبها عليا وبتقولي أنتِ حية وبتقول إن أنا اللي تبلت على أمها! علّم بناتك الأدب يا شريف وإلا أنا اللي !”

شريف بصلي بحدّة ورعب، ولأول مرة أشوف النظرة دي في عينيه، قرب مني وقال بصوت هادي يرعب أكتر من الزعيق: “لو إيدك اتمدت على بناتي تاني، هقطعها لك.. وبناتي جزمة أصغر واحدة فيهم برقبتك. فاهمة ولا مش فاهمة؟”

في اللحظة دي حسيت إن الأرض بتهتز تحت رجلي. أنا جبت له الولدين اللي طول عمره نفسه فيهم، ومع ذلك لسه بناته ومراته القديمة هما الخط الأحمر عنده! الغيرة أكلت قلبي أكتر، وقررت إن السكوت مش ينفع، ولازم أثبت حكمي في البيت ده للأبد وأمسح اسم صفاء من الذاكرة تماما.

بدأت أطلب من شريف إنه يرفع قضية طلاق رسمية ويطلق صفاء غيابي، ويرفع قضية إسقاط حضانة عشان البنات يفضلوا تحت إيدنا ومترجعش تضغط عليه بيهم. شريف كان ب يماطل، وكل ما أفتح الموضوع يصرخ في وشي ويقفل الكلام.

لحد ما جه يوم، والقدر قرر يلعب لعبته المعكوسة.

كنت نازلة أشتري مستلزمات للبيت وللعيال، وسبت الولاد مع حماتي في الشقة. وأنا ماشية في الشارع، شفت صفاء واقفة عند محطة الأتوبيس. كانت خاسة جداً، وشها أصفر وتحت عينيها أسود، بس كانت واقفة بشموخ غريب. أول ما شافتني، ما هربتش ولا دارت وشها، بالعكس، قربت مني بخطوات ثابته وقفت قدامي وش بوش.

قلت لها بسخرية واستعلاء: “إيه اللي جابك ناحية منطقتنا؟ مش كفاية الفضيحة اللي عملتيها؟ ولا جاية تدوري على شريف؟ شريف خلاص نساكي وبقى ملكي أنا وأولادي!”

صفاء بصتلي بابتسامة هادية مرعبة، ابتسامة ثقة تخوف، وقالت لي بصوت ثابت: “أنا مش جاية لشريف يا… أنا جاية عشان أخد حقي. أنتِ فاكرة إنك دبرتي خطة متخرش المية؟ فاكرة إن ربنا هيسيبك تبوظي بيتي وتطعنيني في شرفي وأمانتي؟”

ضحكت بصوت عالٍ وقلت لها: “أنتِ مجنونة؟ الدليل كان في جيبك واللبن اتكب قدام العيلة كلها، مين هيصدقك؟”

قربت صفاء من ودني ووشوشتني بكلام نزل عليا زي الصاعقة الشديدة، كلام خلي من عروقي وجسمي كله يتشهد من الرعب:

“أنتِ نسيتي إن العمارة اللي أنتِ عايشة فيها، المحل اللي تحتها على طول حاطط كاميرات مراقبة جايبة الباب بتاع الشقة والممر؟ ونسيتي إن صاحب المحل ده يبقى ابن عمي؟”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى