
المناظر اللي كنت بشوفها من شباك الطيارة كانت كفيلة تفكرني بإن كل خطوة باخدها هي خطوة لنور جديد بعيد عن العتمة اللي كنت عايشة فيها. القاهرة اللي سبتها من كام يوم وأنا وبفكر استجم من قرف ، راجعالها النهاردة بقلب ميت وقوة أعتى من أي وقت فات.
أول ما وصلت المطار، اتصلت بالأستاذ سامح وركبت عربيتي وطلعت مباشرة على سرايا النيابة في قصر النيل.
المبنى كان زحمة ورائحة الورق والملفات تملأ الطرقات. في الممر المؤدي لمكتب وكيل النيابة، شفت ثريا قعدة على دكة خشب، شكلها انكسر تماماً. الهانم اللي كانت بتصرخ في التليفون وتتهمني بالنذالة وتدبرلي قضية ، كانت قاعدة وشها أصفر، عبايتها مش مظبوطة، وعينيها رايحة جاية في الأرض من الخوف. وجنبها مروة أخت حسام، ماسكة شنطتها وبتعيط بقلة حيلة.
أول ما ثريا رفعت عينها وشافتني داخلة بخطوات ثابتة، لابسة طقم شيك ونظارة شمسية، الذهول كانت واضحة على وشها. قامت وقفت بلهفة وحاولت تقرب مني وهي بتمد إيدها: “شهد! يا بنتي.. الحمد لله إنك جيتي! شهد سامحيني يا بنتي والله الشيطان دخل بيننا وحسام كان قدام عيني وما دريتش بفرسي!”
وقفت مكان خطوتين بعيد عنها، رفعت إيدي بصرامة وقفتها مكانها: “الزمي حدودك يا مدام ثريا. كلمة ‘بنتي’ دي تمسحيها من قاموسك تماماً. إنتي نسيتي إنك من كام يوم كنتِ بتبعتيلي الشرطة الأوتيل عشان تلبسيني قضية توديني ؟”
مروة قربت وبدأت تتوسل وهي بتمسك في دراعي: “عشان خاطري يا شهد، ماما كبرت في السن ومش هتحمل الحبس، المحامي قالنا إن قضية البلاغ العمدي فيها حبس وجوبي! حسام كده كده خلاص راح في داهية وقضايا الشيكات ، ما تخليش العيلة كلها!”
بصيت لمروة بنظرة ساردة : “عيلتكم تدمرت من اليوم اللي سمحتوا فيه لنفسكم شقايا وتستغلوا طيبتي. هو أنتم فاكرين إن الدنيا سايبة؟ حسام كان بياخد فلوسي يغطي بيها على قضاياه وديونه المكسورة، وحضرتك يا مدام ثريا كنتِ عارفة وساكتة ومشجعاه، ولما الكذبة اتكشفت وحسام وقع، فكرتم تضحوا بيا أنا؟”
ثريا بدأت تنحب بصوت واطي ودموع التمساح نازلة على خدها: “كنت خايفة عليه يا شهد.. حسام ابني الوحيد، ما تحملتش أشوفه
“كنتِ خايفة على ابنك فقررتِ ترمي بنت الناس في بداله؟” رديت بابتسامة استهزاء، “اللي بيزرع الشوك يا مدام ثريا ما يطلبش يحصد ورد. أنا مش جاية هنا عشان أتنازل.. أنا جاية أثبت أقوالي وأطالب بأقصى .”
في اللحظة دي، خرج سكرتير النيابة ونادى على اسمي: “الأستاذة شهد أحمد!”
عدلت جاكيت طقمي ومشيت بثقة ودخلت مكتب وكيل النيابة، وورايا الأستاذ سامح. وكيل النيابة كان رجل وقور، باحترام وطلب مني الجلوس.
بدأ التحقيق وسألني عن تفاصيل يوم ، والبلاغ اللي اتعمل ضد، والمكالمات اللي جرت بيني وبين ثريا.
“أستاذة شهد،” قال وكيل النيابة وهو بيطالع المستندات، ” ثريا عبد الحميد معترفة بالبلاغ الكاذب وقدمت طلب للصلح والتصالح معاكِ، وأنتِ أصل الدعوى المدنية. هل عندك نية للتصالح أو التنازل عن المحضر؟”
نظرت لوكيل النيابة بثبات وقلت بصوت واضح ومليان قوة: “يا فندم، ما سمعتي بس، دي حاولت تدمر حياتي وتستغل أجهزة الدولة والشرطة لابتزازي والتغطية على جرائم ابنها. أنا متمسكة بحقي القانوني الكامل، وبرفض أي صلح، وبطالب بتحويل القضية للمحاكمة الجنائية العاجلة بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير والابتزاز.”
وكيل النيابة أومأ برأسه ودون الأقوال في المحضر: “تمام يا فندم. ده حقك الأصيل مكفول بالقانون.”
خرجت من مكتب وكيل النيابة وأنا حاسة برائحة النصر الحقيقي. ثريا كانت واقفة مستنية القرار، ولما شاف المحامي بتاعها طالع ووشه مغموم وقالها إن شهد رفضت الصلح وإن القضية اتحولت للمحاكمة، انهارت على الأرض وقعدت تصرخ وتدعي، بس صراخها المرة دي كان صراخ العجز، صراخ المفتري لما يقع في شر أعماله.
وأنا ماشية في الممر، الأستاذ سامح قال بثقة: “الجلسة الأسبوع الجاي يا أستاذة شهد، حليفك وحقك هيجي كاملاً. أما بالنسبة ، أنا استلمت صيغة التنفيذ وتأمين المفاتيح، وتقدر تدخليها من بكرة وتغيري الأقفال.”
وقفت لحظة بصيت لسقف سرايا النيابة وتنفست بأعمق نفس أخذته في حياتي.
الشرطة والنيابة والقانون.. كلهم كانوا الحصن اللي ردلي كرامتي، بس القوة الحقيقية كانت جواه أنا، يوم ما قررت أقول “لأ” وما أقبلش أدوار الضحية أو الممرضة لبشر ما يستاهلوش.
طلعت من المبنى وركبت عربيتي. الشمس كانت بدأت تغرب ورسمت ألوان حمراء وذهبية في سما القاهرة. شغلت الراديو، ومشيت في اتجاه الشقة اللي أصبحت حقي الخالص.. اللي هتبدأ فيها صفحة جديدة، خالية من الكذب، خالية من البخل، وخالية من حسام وثريا للأبد.
وصلت لعمارتي القديمة بالليل. العمارة اللي عشت فيها سنين وأنا حاسة إنها ، كانت النهاردة بتستقبلني بشكل مختلف تماماً.
معايا النجار والأستاذ سامح المحامي وصيغة التنفيذ الرسمية من المحكمة. غيرنا كالون الشقة في دقائق. لما الباب اتفتح ودخلت، ريحة البيت كانت مكتومة وتخنق، ريحة ذكريات البخل والشح والخوف من اليوم الأسود.
مشيت في الصالة، شفت صور حسام اللي كان معلقها، الورق اللي كان مرمي على الترابيزة، والساعة الذهبية الفالصو اللي كان يلبسها عشان يستعرض بيها قدام الناس وهو غرقان في الديون. مسكت كل حاجة تخصه، وحطيتها في شنطة بلاستيك كبيرة ورميتها بره الباب. دي شقتي أنا، بفلوسي وتعبي، وما بقاش ليها أي مكان لأي أثر يخصه.
ثاني يوم الصبح، وأنا قاعدة مع مهندس ديكور في وبنخطط نكسر كل الحوائط القديمة ونغير العفش بالكامل عشان أبدأ من جديد، تليفوني رن.
الرقم كان غريب. رديت بهدوء: “ألو؟”
جاني صوت واطي ومكسور، صوت راجل طالع بالعافية من حشرجة في الزور: “شهد…”
كان صوت حسام! الصوت اللي كان من كام يوم بيتنطط عليا قدام المأذون ويقولي بثقة وشماتة: “أنا فرحي بكرة لو عايزه تحضري!”
ما اتخضيتش، ولا قلبي دق، رديت بنبرة أبرد من الثلج: “مين معايا؟”
“أنا حسام يا شهد.. أنا بكلمك من تلفون الممرض في المستشفى.. أرجوكِ ما تقفليش السكة في وشي.”
ضحكت بصوت واطي: “خير يا أستاذ حسام؟ النيابة سابتك تمسك تلفونات ولا إيه؟”
“أنا بروح يا شهد…” حسام بدأ يعيط، بكاء راجل أدرك إنه خسر كل حاجة في لحظة غباء. “أنا المحامي جه قال لي إن النيابة وجهت لي تهم شيكات وتستر على شبكة ، وإن أمي واخدة حبس وجوبي في قضية البلاغ الكاذب بتعتك.. أنا ضعت يا شهد، ضعت بالكامل!”
سكت تماماً، وسبته يعيط ويطلع كل القرف اللي جواه.
كمال كلامه وهو بينهج: “أنا عارف إنك زعلانة مني، وعارف إن كلامي قدام المأذون كان قذارة مني.. بس أنا كنت مجروح لما لقيتك بايعة وهادية، كنت عايز أكسرك بأي طريقة! ما كانش في فرح ولا عروسة، أنا كنت غرقان وكنت بحاول أهرب من الستات والديانة اللي بيطاردوني! عشان خاطر ربنا يا شهد.. اتنازلي لأمي عن قضية البلاغ الكاذب، إنتي معاكِ فلوس وتضري ترفعي قضايا وتعيشي، بس أمي ست كبيرة ومش هتحمل ، وأنا مش هتحمل أشوفها بتتجاب بالكلبشات بسبب طيشي!”




