
وقفت قدام الشباك، وبصيت على الشارع تحت.
“يا حسام،” قلتها بنبرة قاطعة ورنانة، “إنت افتكرت ربنا دلوقتي؟ لما كنت بتاخد القرش اللي أنا بتعب فيه وتصرفه على نزواتك وديونك المكسورة ما افتكرتش ربنا؟ لما سبت أمك تروح تتبلى عليا وتعمل محضر تسميم كان ممكن يوديني مؤبد، ما افتكرتش ربنا؟”
“هي كانت عليا—”
“هي ما كانتش خايفة عليك،” بصوت يزلزل التليفون، “هي كانت خايفة من الفضيحة! وكانت عايزه تستغل كوارثك عشان تبتزني وتخليني أتأكل في حقي وأسدد ديونك! أنتم عيلة ما عرفتش ربنا ولا عرفت الأصول إلا لما القانون مسككم من إيديكم اللي !”
“يا شهد أرجوكِ.. نرد لك أي حاجة، خلاص بقت بتاعتك والمؤخر هنسدده، بس أمي لأ!”
“أنا ما بباوعش يا حسام، وما بنحنيش لابتزاز عاطفي رخيص. أمك هتقف قدام القاضي الأسبوع الجاي، وهتاخد الحكم اللي تستحقه. وإنت هتطلع من المستشفى على عشان تتعلم إن الكذب والاستعراض والسرقة ليهم ثمن.. والثمن ده هتسدده من عمرك.”
“إنتي قاسية أوي يا شهد.. إنتي ما كنتيش كده!”
“أنا ما بقيتش قاسية يا حسام.. أنا بقيت عادلة. وبقيت بعامل كل واحد باللغة اللي يفهمها.”
قفلت الخط في وشه فوراً، وحظرت رقم الممرض.
التفت لمهندس الديكور وقدمت له المخطط جديد: “أستاذ كريم.. دي عايزاها كلياً. الألوان الغامقة دي تتشال، الخشب القديم يترمى، والحيطة دي تتكسر عشان تدخل الشمس في كل زاوية.”
المهندس ابتسم وقال: “تحت أمرك يا أستاذة شهد.. من بكرة العمال يبدأوا.”
خرجت من وأنا حاسة إن كل باب بيتقفل في وشهم هو باب ينفتح لي على الحياة.
الأسبوع الجاي محاكمة ثريا، وتحقيقات حسام النهائية.. وأنا مستعدة أحضر كل لحظة، مش انتقاماً، بس عشان أشوف بنفسي نهاية القصة اللي بدأت بشماتة كاذبة، وانتهت بعدالة قاطعة.
جاء يوم المحاكمة.
القاعة في محكمة الجنايات كانت تعج بالحركة، وصوت المداولات وهمهمات المحامين تملأ الأرجاء. كنت أجلس في الصف الأول بجانب الأستاذ سامح، أرتدي طقماً أسود أنيقاً ونظارة طبية رفيعة، بكامل ثباتي وهدوئي.
على الجانب الآخر من القاعة، كانت ثريا تجلس في قفص . كل كبريائها القديم، كانت تبدو ضئيلة، يحيط بها الخوف، وتنكب على القضبان الحديدية وهي تنظر إليّ بين الحين والآخر بعيون ممتلئة بالتوسل . بجانب القفص كانت مروة تقف وهي تبكي بحرقة، بينما حضر حسام من المستشفى تحت حراسة مشددة، جالساً على كرسي متحرك، وجهه شاحب والكلابشات في يديه، مطأطأ الرأس لا يجرؤ على رفع عينيه في عيني.
نادى حاجب المحكمة بصوت جهوري: “محكمة!”
وقف الجميع في خشوع تام، وصعد رئيس المحكمة وعن يمينه وشماله المستشاران.
بدأت الجلسة، ووقف وكيل النيابة العامة ليترجل بكلمات : “سيدي الرئيس، إننا أمام جريمة استهانة بكرامة الفرد ومؤسسات الدولة. المتهمة لم تكتفِ بالافتراء والبلاغ الكاذب ضد مجني عليها لا ذنب لها سوى أنها أدت ما عليها وخرجت بالمعروف، بل طوعت الشرطة والنيابة لابتزاز الطليقة والتغطية على طيش ابنها وسلوكه المريب! نطالب بأقصى عقوبة لحماية المجتمع من هذا العبث.”
ثم أعطيت الكلمة للأستاذ سامح، الذي قدم مذكرة تعويض مدني مدعمة بتفريغ كاميرات المأذون، والتقرير الطبي، وتسجيلات المحادثات التي تثبت سوء النية والتخطيط للمكر والابتزاز.
محامي ثريا حاول استعطاف الهيئة، وتحدث عن سنها وحالتها الصحية، وأن ما حدث كان “زلة قدم وأمومة عمياء”، لكن القاضي كان يستمع بملامح حادة لا تنخدع بالمظاهر.
رفع القاضي الجلسة للمداولة.
ساعة كاملة مرت في القاعة، كانت بالنسبة لثريا وحسام كأنها دهور. مروة حاولت الاقتراب مني مجدداً في الاستراحة، لكن الأستاذ سامح وقف حائلاً بيننا وقال لها بحسم: “القضاء هو الصاحب الفصل يا أستاذة، بلاش إزعاج.”
رن صوت الحاجب مرة أخرى: “محكمة!”
وقفنا جميعاً. فتح رئيس المحكمة المظروف، ونظر نحو قفص ، ثم تلا الحكم بنبرة هزت أركان القاعة:
“حكمت المحكمة حضورياً: أولاً، المتهمة ثريا عبد الحميد سنة مع الشغل والنفاذ، وإلزامها بالمصاريف البلاغ الكاذب العمدي والتشهير. ثانياً، إحالة المدعو حسام أحمد الفولي إلى النيابة العامة برفقة حراسته لمباشرة التحقيق في قضايا التزوير والنصب وحيازة مواد محظورة والتستر على شبكة مشبوهة. ثالثاً، إجابة بالحق المدني شهد أحمد لطلباتها وإلزام بدفع تعويض مدني مؤقت قدره مئة ألف جنيه.”
طرق القاضي بالمطرقة.
صرخة مدوية انطلقت من حنجرة ثريا قبل أن مغشياً عليها داخل القفص، بينما مروة في البكاء ، وحسام وضع يديه المكلبتين على وجهه وانسكب في بكاء هيستيري وهو يُساق مع حراسته إلى الخارج.
نظرت إليهم لثوانٍ معدودة. لم أشعر بالشمت، ولا بالحزن.. شعرت فقط بسلام عميق ونظيف، سلام العدل الذي أخذ مجراه.
التفت للأستاذ سامح وصافحته: “شكراً يا أستاذ سامح.. على كل حاجة.”
“ده حقك يا أستاذة شهد، والقانون ما بيحميش المغفلين والمفتريين.”
خرجت من باب المحكمة إلى الشارع. النسيم الهادئ لمس وجهي، والهاتف في يدي رن برسالة من مهندس الديكور: “أستاذة شهد، بالكامل وبدأنا ندهن الحوائط بالألوان الجديدة اللي اخترتيها.”
ابتسمت من قلبي، ركبت عربيتي، وقررت إن اليوم ده مش هروح فيه البيت.. اليوم ده هطلع فيه على البحر تاني، بس المرة دي وأنا شايلة من قلبي وعقلي كل بقايا الماضي، ومستعدة تماماً للخطوة الجاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



