عام

بنتي كانت ماليه 3 عربيات ج 3

شريف مسك رأسه بإيديه الاثنين وقعد على حرف الكنبة في الصالون، وشه أصفر زي الليمونة والعرق نازل على جبهته بغزارة. الأستاذ مجدي والأستاذة اللي معاه كانوا خرجوا من  وباب  اترزع وراهم برزعة هزت أركان المكان كله. الكلمة الأخيرة اللي قالها مجدي قبل ما يمشي كانت زي : “قدامك لحد الساعة تسعة الصبح يا شريف.. لو الميزانية المعدلة المضبوطة بالبند الضريبي ما كانتش على مكتبي، ما تتعبش نفسك وتيجي، وظرف رفصلك وحسابك هيوصلوك على بيتك”.

داليا كانت واقفة ماسكة التليفون في إيدها، صوابعها بتترعش ومش قادرة تستوعب اللي بيحصل. البيت اللي كان من دقائق مليان ظيطة وعزومة وشكل اجتماعي منفوخ، تحول في لحظة لخرابة، وصوت المروحة السقف هو الوحيد اللي طالع في الصمت الخانق ده.

— يعني إيه يا داليا؟

شريف رفع رأسه وصوته كان طالع مخنوق ومكسور، نبرة التكبر والسيطرة اللي كان بيكلمني بيها طوال أربع سنين تبخرت تماماً.

— يعني إيه عماد المحامي يكلمك ويقول الكلام ده؟ أمك اتجننت؟ هي فاكرة نفسها مين عشان تهد بيتنا في ليلة واحدة؟!

داليا صرخت فيه وهي بتبكي بهستيريا، والدموع نازلة تمسح الميك أب اللي كانت حطاه عشان العزومة:

— ما تقولش اتجننت يا شريف! أمي عملت اللي إحنا وصلناها ليه! إحنا اللي كنا فاكرينها عاجزة وما حيلتهاش حاجة! إحنا اللي حصرناها في أوضتان الرطوبة وخليناها تخسل وتطبخ وتلم قرفنا وقرف الكلب! إنت فاهم يعني إيه عماد يتصل ويقول إن الشقة دي باسمها وإنها عايزة 25 ألف جنيه إيجار أو نطرد في خلال أسبوعين؟! إحنا جايبين منين؟! إنت كارتك مقفول، وأنا معاييش ولا مليم!

شريف وقف فجأة ومسك داليا من دراعها بعنف:

— انزليلي من البرج العالي ده يا هانم! ما تنسيش إنك إنتِ اللي كنتِ بتقوليلي كل يوم “أمي عايشة معانا بجميلنا”، إنتِ اللي كنتِ بتسحبي الفيزا بتاعتها وتشتري بيها لبس ومكياج وتقوليلي دي فلوس البيت! إنتِ اللي سبتيها النهاردة في السوبر ماركت قدام الناس عشان 21 ألف جنيه أكل كان ممكن نرجعه! ودلوقتي جاية ترمي اللوم عليا؟!

— سيب دراعي يا شريف! إنت اتجننت؟! بدل ما تصرخ فيا، شوف مصيبتك في الشركة! الورقة اللي كانت بتصلحلك الميزانية فين؟! أمي كانت بتعملها إزاي؟!

شريف ساب دراعها واترمى تاني على الكنبة، وبص للأوراق المتناثرة على الترابيزة. عينيه كانت بتتنقل بين الأرقام المعقدة والمعادلات الضريبية اللي ما كانش فاهم فيها حاجة. طوال أربع سنين، كان بياخد الملفات المعقدة دي ويحطها على مكتبي بالليل، وهو بيتحجج إنه تعبان ورايح ينام. وأنا، بنظارتي القراءة القديمة وإيد المرتعشة، كنت بقعد بالساعات على لمبة المكتب الضعيفة، أراجع دفتر الحسابات بند بند، أستخرج الأخطاء، وأكتبله الخطوات بالتفصيل في ورقة صغيرة بخطي الدقيق، عشان يصحى الصبح يلمسها ويحطها في شنطته، ويروح الشغل يمثل دور “العبقري المالي”.

هو ما كانش عارف إن الخبرة دي ما بتتباعش ولا بتتشري، دي نتيجة 35 سنة شغل في وزارة المالية، مراجعة ميزانيات هيئات ومؤسسات كاملة، أرقام وحسابات كنت بحفظها زي اسمي.

في الوقت ده، في شقة الزمالك، كان الهدوء يعم المكان.  العريقة ذات السقف العالي والأبواب الخشبية الضخمة كانت دافية. عماد كان قاعد قدامي على الكنبة الجلد، وماسك لاب توب مفتوح، وبينزل عليه الإشعارات الرسمية اللي أرسلناها.

— طنط سعاد.. التنبيه بالإخلاء اتبعت رسمي على الواتساب وعلى الإيميل لشريف وداليا، والمحضر هيسلمهم الإخطار الورقي بكرة الساعة عشيرة الصبح. وبخصوص الوديعة، أرباح هذا الشهر نزلت في حسابك الشخصي الجديد اللي ماليش  بيه شريف أو داليا.

ابتسمت وأنا بتمشى في الصالة، وببص على الصور القديمة الممتلئة بالذكريات. صورة جوزي حسن الله يرحمه، وصورتي وأنا بستلم درع التكريم في الوزارة سنة 2012.

— عارف يا عماد.. أنا مش زعلانة عشان الفلوس، ولا زعلانة عشان البيت. أنا زعلانة على الأربع سنين اللي ضيعتهم وأنا بحاول أشتري رضاهم. كنت فاكرة إن الأم لما تضحي وتدي كل حاجة، ولادها هيشيلوها في عينيهم لما تكبر. بس اكتشفت إن بعض الولاد، كل ما تديهم، كل ما يشوفوك أرخص.

عماد بص لي بتقدير وقفل اللاب توب:

— إنتِ أخدتي القرار الصح في الوقت الصح يا طنط. شريف وداليا كانوا فاكرين إنك مصدر مالي وخدمي مالهوش نهاية، وكان لازم يفهموا إن القيمة اللي كنتِ بتقدميها مالهاش تمن. بس قوللي.. تفتكري شريف هيتصرف إزاي في ميزانية بكرة؟

بصيت من الشباك على الشارع الهادي في الزمالك وقالت بنبرة حاسمة:

— شريف مش هيعرف يتصرف. شريف مهندس حسابات حافظ مش فاهم، اعتمد عليا طوال أربع سنين لحد ما مخه صدى. والنهاردة بالليل، هيعرف إن الجهل ثمنه غالي قوي.

الساعة كانت جات 2 بالليل.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى