
طارق ما قدرش يستوعب الجملة الأخيرة اللي قالها أبو مريم، التليفون وقع من إيده على رصيف محطة أسوان، وأخته فاطمة عمالة تهزه بهستيريا وتصرخ فيه عشان يفهمها إيه اللي بيحصل.
— “طارق! اتكلم! يعني إيه طيارة خاصة؟ يعني إيه فيلتها هي؟ هو أبوها بيخرف ولا إيه؟!”
طارق موطّاش ينيب التليفون، فضلت عينيه مبلمة في الفراغ. دماغه كانت بتجمع المشاهد بسرعة مرعبة: نظرات مريم الهادية دايماً، رفضها التام إنه يتدخل في حساباتها البنكية القديمة، سكوتها الغريب لما كان بيتباهى قدام أصحابه بالفيلا وبأنه “سي السيد” اللي شايل البيت ومقعدها من الشغل، وآخر مشهد.. وقفتها جنب عربية البضائع وهي ماسكة بطنها الحامل في الشهر السابع، وبتبص له بصة مفيهاش عتاب ولا دموع.. كان فيها انسحاب تام.
— “يلا يا فاطمة.. نرجع القاهرة فوراً.”
قالها بصوت مكسور ومخنوق.
— “نرجع إزاي يا طارق؟ إحنا لسه واصلين أسوان! والتذاكر والطيران و—”
زعق فيها لأول مرة في حياته بصوت هز المحطة:
— “قلتلك نرجع القاهرة فوراً! الحكاية بتخرب فوق دماغنا!”
حاول يقطع تذاكر طيران من مطار أسوان، لكن زي ما كان عارف، الموسم كان مقفول تماماً. اضطروا يحجزوا تذاكر في قطر القشاش اللي راجع القاهرة، سفرية أخدت أكتر من 16 ساعة كاملة. طارق ما غمضلوش جفن، قضى الليل كله قاعد على الكرسي بيترعش من التوتر، يتصل بمريم كل خمس دقايق، والرد دايماً واحد: “الهاتف المطلوب قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة”. أما فاطمة فكانت قاعدة جنبه مرعوبة، كل ما تفتكر إنها كانت بتتريق على مريم وبتطلب عصاير وأكل وحلويات وهي شايفاها واقفة على رجلها، تحس ببرودة بتسري في جسمها.
وصل طارق وفاطمة محطة مصر في القاهرة الساعة 8 الصبح. الشوارع كانت زحمة ومقفولة، وطارق بيجر شنطه وبيجري زي المجنون. أخد تكسي وطلع على طول على الفيلا في التجمع الخامس.
أول ما وصل قدام البوابة، اتفاجئ إن الشفرة الإلكترونية للباب مش شغالة! حاول يدخل الباسورد كذا مرة، الإضاءة الحمرا تدي رفض.
ضرب الجرس بانهيار، فتح له بواب المجمع السكني (الكمبوند) ببرود، ومعاه أفراد الأمن:
— “أهلاً يا طارق بيه. اتفضل حضرتك، الأستاذ طاهر المحامي مستنيك جوة في الجنينة من بدري.”
دخل طارق ووراه فاطمة بخطوات مرعوبة.
في الجنينة، كان قاعد الأستاذ طاهر، محامي العيلة الشهير، بدلة أنيقة، قدامه لاب توب وشنطة جلد سوداء ثقيلة، وبيشرب قهوته بمنتهى الهدوء.
طارق جرى عليه وهو بيلهث:
— “أستاذ طاهر! إيه المهزلة دي؟ يعني إيه الشفرة متغيرة؟ فين مريم؟ مريم فين أنا عايز أكرر كلامي معاها وأفهم في إيه!”
الأستاذ طاهر شال نظارته ببطء، وبص لطارق بنفس النبرة الباردة اللي اتكلم بيها أبو مريم:
— “مدام مريم مش هنا يا طارق بيه. مدام مريم في المستشفى تحت الملاحظة الطبية، بسبب الإجهاد الشديد والوقوف لساعات طويلة في القطر وهي حامل في الشهر السابع.. وبناءً على أوامر الأطباء ووالدها، ممنوع زيارتها أو الاقتراب منها تماماً.”
طارق مسك رأسه بإيديه:
— “أنا جوزها! من حقي أشوفها! وبعدين إيه الكلام الفارغ اللي أبوه قالهولي في التليفون ده؟ طيارة خاصة إيه وفيلا إيه؟!”
الأستاذ طاهر فتح الشنطة الجلد، وطلع منها ملف أوراق حطه على الطاولة قدام طارق:
— “أعتقد إن الوقت حان عشان تفهم الحقيقة اللي غفلت عنها سنتين كاملين.”
مسك المحامي الورقة الأولى:
— “دي صورة من عقد بيع شركة ‘سكيور-تِك’ للأمن السيبراني، اللي أسستها مدام مريم وهي عندها 26 سنة، وتم بيعها لمجموعة استثمارية دولية بمبلغ 14 مليون دولار. المبلغ ده متسجل باسمها وفي حساباتها الخاصة من قبل ما تتجوزك بسنة ونصف.”
طارق عينيه اتوسعت بذهول، وفاطمة حطت إيدها على بقها وهي مش مصدقة.
المحامي كمل وهو بيقلب الورق ببرود مرعب:
— “ودول محفظتين استثماريتين وأسهم في البنك المركزي، غير الودايع الخاصة بإدارة أصول عيلتها. أما بالنسبة للفيلا اللي إحنا قاعدين فيها دلوقتي.. فده عقد الشراء الكاش اللي اتدفع من حساب مدام مريم الشخصي، والفيلا مسجلة باسمها هي فقط. وحضرتك مفيش لك أي صفة قانونية هنا.”
— “بس.. بس هي قالت لي إنها سابت الشغل عشان أنا أصرف عليها! هي كانت بتاخد مني مصروف البيت كل شهر!” صرخ طارق وهو مش قادر يستوعب.
ابتسم المحامي ابتسامة سخرية خفيفة:
— “مدام مريم سابت الشغل عشان كانت قرفانة من مطامع الناس في ثروتها، ولما قابلتك، كانت شايفة إنك إنسان عصامي وبتحبها لنفسها. المصروف اللي كنت بتديهولها؟ كانت بتاخده وتدفعه للاّمِن والبوابين في الشارع من غير ما تحسسك بعقدتك. لكن حضرتك استغليت هدوئها وطيبتها، وقنعت نفسك إنها ضعيفة ومالهاش ظهر.”
طارق انهار على الكرسي، عرق بارد نازل من وشّه، صوته بقى زي الهمس:
— “طب وهي.. هي عايزه إيه دلوقتي؟ عايزه تتطلق؟”
الأستاذ طاهر قفل الملف بضربة واحدة حادة هزت الطاولة:
— “الطلاق ده التزامات ثانوية هنيجي لها. دلوقتي فيه إجراءات عاجلة. اتفضل دي الاستمارة الرسمية لإلغاء تفويضك في إدارة أي أوراق، وده إخطار رسمي بضرورة إخلاء الفيلا خلال 24 ساعة ونقل متعلقاتك الشخصية فقط لشقتك القديمة في حدائق القبة.”
فاطمة صرخت:
— “حدائق القبة؟! نرجع الشقة القديمة اللي كاريينها من زمان؟! طارق أنت لازم تتصرف! كلمها! اعتذر لها! قولها إننا كنا بنهزر!”
طارق بصلها بعيون ميتة، ما قدرش ينطق حرف.
المحامي وقف، لبس نظارته الشمسية وقال وهو بياخد شنطته:
— “وعلى فكرة يا طارق بيه.. البنك اللي فيه حسابك الشركاتي الصغير اللي كنت فتحته الشهر اللي فات؟ المحفظة الاستثمارية للشركة طلعت مملوكة لشركة القابضة بتاعة والد مدام مريم.. واليوم الصبح تم تجميد كل التسهيلات الكريديت الخاصة بيك لعدم كفاية الضمانات.”
طارق قام وقف بالعافية، كأنه عاجز عن الحركة:
— “أنتم بتدمروني؟ عشان موقف في قطر؟!”
الأستاذ طاهر بص له عند البوابة وقاله قبل ما يمشي:
— “أنت ما دمرتش نفسك عشان موقف في قطر يا طارق.. أنت دمرت نفسك لما افتكرت إن صبري الست ونبلها نقطة ضعف، ولما سبت أم ابنك اللي شايلة ابنك في بطنها واقفة على رجلها وبتتلوى من الوجع عشان تقعد أختك وتطلب عصاير فريش. بكرة الساعة 10 صباحاً هتوصلك قائمة الدعاوى القضائية.. القضايا مش بس طلاق، دي قضايا حجر وتبديد واسترداد أصول.”
سابهم المحامي ومشي، وساب طارق وفاطمة واقفتين في وسط الجنينة، الصوت الوحيد اللي مسموع هو صوت الهواء، والورق اللي بيلف حوالين رجليهم.
طارق بص لأخته وقال بنبرة مليانة حسرة وندم ملوش قيمة:
— “كنت فاكرها مالهاش حد.. طلعت هي اللي كانت ساترتنا ومغطية عيبنا.”
الشمس كانت طالعة في التجمع الخامس بنور دافي، بس الجنينة بتاعة الفيلا كانت زي المقبرة. طارق واقف في أراضيها، وشه شاحب زي الميت، وإيديه بتترعش وهو بيقلب في الأوراق القانونية اللي سابها الأستاذ طاهر على الطاولة الخشب. كل ورقة كانت عبارة عن صفعة بتصحيه من كابوس دام سنتين.. أو بالأحرى بتصحيه من وهم كان عايش فيه وراسمه لنفسه.
فاطمة أخته كانت قاعدة على الكرسي وجسمها كله بيتفض. المشروبات الباردة والحلويات اللي كانت بتطلبها في صالة الـ VIP بالقطر وهي بتتريق على مريم مرّت قدام عينها زي شريط سينما، بس المرة دي بطعم المُر والسم.
— “طارق.. هنعمل إيه؟” صوته طلع مبحوح ومذعور. “يعني إيه نرجع شقة حدائق القبة؟ يعني إيه الشفرة متغيرة والفيلا مش بتاعتنا؟ طارق اتكلم! اتصل بعمك تاني.. اتصل بمريم، خليهم يرحمونا! إحنا ملناش مكان نروح فيه، وأنت عارف إن شقة ماما هناك متأجرة وفيها سكان وبقيلها سنة عشان العقد يخلص!”
طارق ما ردش. صوته كان محبوس في زوره. مسك تليفونه تاني بأصابع متلجة وطلب رقم مريم.. المرة دي التليفون رن!
قلبه دق بفرقعة شديدة من الأمل، حط التليفون على أذنه وهو بيتنفس بسرعة:
— “مريم! مريم ردّي عليا أرجوكِ! مريم أنا أسف.. أنا والله العظيم ما كنت أقصـ—”
— “الخط ده تحت الإدارة القانونية لمكتب الأستاذ طاهر يا طارق بيه.”
الصوت ما كانش صوت مريم. كان صوت السكرتيرة التنفيذية لمكتب المحاماة.
— “مدام مريم موبايلها مقفول بأوامر طبية وممنوع عنها أي اتصالات قد تسبب لها إجهاد عصبي. أي محاولة للتواصل المباشر معها أو الاقتراب من مقر إقامتها الحالية أو المستشفى هتُعتبر مضايقة صريحة وهنصدر ضدك أمر بعدم التعرض فوراً. أرجو إن الرسالة تكون وصلت.”
السكرتيرة قفلت الخط قبل ما ينطق بكلمة.
طارق مسك التليفون ورمى بيه في النجيل بغل وحسرة. القوة اللي كانت عنده، الفشخرة اللي كان بيعملها قدام زمايله في الشركة، الكلمة اللي كان بيمشيها على مريم بكل جبروت لمجرد إنه فاكر إنها “صعبة ومحتاجة له”.. كل ده انهار في لحظة. افتكر يوم الجواز، لما مريم قالت له بابتسامة هادية وهي ماسكة إيده: “أنا مش عايزة منك غير إنك تتقي ربنا فيا يا طارق.. الفلوس والظروف بتروح وتيجي، بس الحنية والأصل هما اللي بيبقوا.”
ساعتها طارق افتكر إنها بتقول كده عشان هي “فقيرة” أو “مكسورة الجناح” ومالهاش عيلة تنصفها، فساق فيها وعاش دور البطل المعطاء اللي بيمن عليها بلقمة العيش!




