عام

الدكتورة ايمان

في الثمانينات، وبالتحديد في منطقة العتبة، الدكتورة إيمان راجعة بيتها وبتفتح الباب، شعرت برائحة غريبة. دخلت حجرة الطفلة سهى وشافت أصعب مشهد. الدكتورة إيمان صرخت، والجيران اتجمعوا، وجت الشرطة وتم القبض على الدكتورة إيمان واتهامها بوفاة الطفلة سهى، وتم الحكم عليها بأقصى عقوبة.

وهي بتصرخ في قاعة المحكمة وتقول: أنا مظلومة.

في إحدى الليالي، في مكتب المحامي بهاء أبو شقة، جات له سيدة ومعاها جواب وقالت إنها كانت في زيارة لواحدة قريبتها، وادتها الجواب ده تسلمهولك، وبتقول إنه من سجينة محكوم عليها بأقصى عقوبة وعاوزة حضرتك تدافع عنها.

قرأ الجواب وابتدى يعرف التفاصيل.

الدكتورة إيمان فتاة على قدر بسيط من الجمال، بتلبس نظارة كعب كوباية، ملهاش حد. أبوها وأمها متوفيين وملهاش أخوات. عاشت طول عمرها في الخليج شغالة في مستشفيات كبيرة، وعملت ثروة محترمة، ورجعت مصر بنت كام عمارة، وفتحت عيادة خاصة، وعملت وديعة بمبلغ كبير.

سنها كبر ومفيش حد عاوز يتقدم لها.

في يوم جه العيادة شاب وسيم جدًا اسمه محمد. لأول مرة حد يقول لها كلام حلو ومعسول، واتكررت زيارته للعيادة. وكانت لما تشوفه قلبها يرفرف من الفرحة.

ابتدا يحكي لها إنه كان متزوج وشاف الويل على إيد زوجته، وخلف منها طفلة عمرها دلوقتي سبع سنوات، وحصل انفصال بينهم، وبنته عايشة معاه، وبدور على إنسانة تعوضه عن زواجه الفاشل.

من جواها فرحت، واتمنت إنه يكون زوجها، وابتدت تهتم بنفسها. كانت بتحط القرش جنب القرش وتستخسر تصرف أي مليم. الناس بيقولوا عليها بخيلة، بس هي بتقول: ده حرص، الفلوس مجتش بالساهل.

بقت تحط عطور غالية، وتلبس ملابس غالية، وتعمل شعرها عند الكوافير.

وواحدة واحدة اتقابلوا بره العيادة، وصرحلها بحبه وإنه عاوز يرتبط بيها، وهي وافقت على الفور، وتم الزواج وقعد في بيتها مع بنته.

كانت بتكره البنت وخايفة في يوم يرجع لطلقته، وكانت بتغير عليه بجنون، وكل مشاكلهم بسبب إنه عاوز فلوس ومبيشبعش من الفلوس.

كانت مانعة سهى إنها تتصل بأمها، وعلى طول ضرب وإهانة للطفلة.

وفي يوم راجعة البيت لقت سهى بتكلم أمها في التليفون. مسكت البنت وفضلت تضرب فيها بقسوة، لدرجة إن الجيران اتجمعوا على الصوت، وكانوا عاوزين يطلبوا الشرطة ليها.

ولما جه أبوها، حكوا له على العنف اللي بتتعامل بيه مع الطفلة.

محمد قال لهم: هي أحن عليها من أمها، وطلب من سهى تسمع كلام زوجة أبوها.

لغاية ما في يوم رجعت ولقت البنت متفحمة،  إنها هي المسؤولة عن وفاتها، حتى الزوج أكد إنها هي السبب، لأنها إنسانة مريضة.

المحامي قرأ القضية باهتمام، وقدم نقض على الحكم واتقبل، وراح المرافعة.

الجميع منتظر تأييد الحكم عشان يستريحوا من تلك المرأة البشعة.

واترفعت النيابة، وزلزلت قاعة المحكمة طلبًا لأقصى عقوبة ضد تلك السيدة التي تسببت في وفاة طفلة ببشاعة.

وقف المحامي بهاء أبو شقة وطلب مختص الطب الشرعي، ولما حضر ابتدى يتناقش معاه أمام هيئة المحكمة.

— حضرتك كاتب في التقرير إن  طفل، هل ده مظبوط ولا في خطأ في الكتابة؟

= فعلًا، المتوفى طفل.

— ياريت هيئة المحكمة تسجل الكلام ده. يعني حضرتك متأكد إن دي حالة طفل وليس طفلة؟

= طبعًا متأكد.

— الطفل ده عمره كام سنة؟

= 12 سنة.

— وحضرتك عرفت منين عمره؟

= من اختبار الأسنان.

— سيادة القاضي، زي ما ذكر طبيب الطب الشرعي، الحالة لطفل عمره 12 سنة وليست لطفلة عمرها سبع سنوات. حضرتك تقدر تقول لنا  سببها إيه؟ هل  من  ولا حصلت  الأول وبعد كده تم إ؟

= الظاهر من تحليل الحالة إن الوفاة طبيعية.

— شكرًا لحضرتك.

النيابة: أمال الحالة دي تخص مين؟

— ده شغل ضباط الشرطة، إنما القضية اللي نحن بصددها بتقول إن الست دي بريئة من التسبب في  سهى.

الزوج ينهض: ده كلام فارغ! الحالة دي تخص بنتي سهى، ومفيش نسخة لمفتاح البيت غير مع المتهمة، وهي اللي تسببت في وفاة بنتي، وأكيد الحالة اتبدلت في .

القاعة حصل فيها ضجة، وإيمان صرخت من داخل القفص:

— إنت كداب! إنت معاك نسخة من المفتاح! إنت عاوز تتخلص مني ليه؟

بعد مداولات المحكمة، بتحكم على الدكتورة إيمان بالبراءة، وإيمان بتقع مغشيًا عليها.

تمر الأيام، وتيجي الدكتورة إيمان تشكر المحامي في المكتب، وتقول إن زوجها طلقها وسافر دولة أوروبية، وإنها تتمنى يرجعوا لبعض تاني، لأنها لأول مرة في حياتها حد يقول لها كلام حب وتحس إنها أنثى.

بالرغم من كل ده، لازالت تحبه.

وتمر سنوات، وتظهر طليقة محمد الأولى، وتروح القسم ومعاها ابنتها سهى وقد كبرت، بتطالب بإثبات إن بنتها على قيد الحياة وتبرئة إيمان.

وتبدأ سهى تحكي اللي حصل.

بابا راح لتربي وطلب منه حالة حديثة لطفلة سبع سنوات، بدعوى إنه طبيب وعاوز يعمل  للطلبة على الحالة.

التربي ملقاش المواصفات دي، فأعطاه حالة لطفل.

ومحمد راح البيت ووضع على الحالة بنزين  حتى تفحمت واختفت معالمها.

خد بنته وسافر، وتزوج من سيدة غنية، وبدأ يمارس هوايته في استنزاف السيدات ماديًا.

الزوجة عرفت إنه نصاب،  عليه  وأردته ، والسفارة رجعت سهى مصر.

واتضح إنه تزوج أمها عشان غنية، ولما أبو زوجته أعلن إفلاسه طلقها وراح يبحث عن صيد جديد.

عدالة السماء دبرت نهاية قاسية له، وعندما فشلت خطته سافر ليلقى حتفه  هو ويترك المال، ويذهب للحساب على ما فعله بالسيدات التي ظلمهن.

تخيل لو التربي كان اداله حالة لطفلة، كان زمان الدكتورة إيمان نفذ فيها الحكم، وكان ورث كل أموالها.

لكن إرادة الله أن تعيش هي وينتهي هو.

من كتاب «أغرب القضايا»، تأليف المحامي بهاء أبو شقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى