
أول ما شوفنا صورة أخويا، الدنيا اتقلبت. أمي خطفت الموبايل من إيد خالي وفضلت تصرخ: “ابني! ابني فين؟! مين اللي صور ابني؟!” الضابط أخد الموبايل منها بسرعة وقال: “اهدي يا حاجة، محدش هيلمس ابنك، وإحنا هنوصله قبل أي حد.” لكن أنا كنت عارفة إن الموضوع أكبر من مجرد تهديد. الصورة كانت متصورة في نفس اليوم، قدام مدرسة أخويا، ومن زاوية قريبة جدًا، يعني اللي صورها كان واقف على بُعد أمتار منه. جابر قرب من الضابط وقال: “الصورة دي معناها إنهم بيراقبوه من فترة.” الضابط بص له وقال: “إنت عارف أكتر مما بتقول.” جابر سكت، وبعدها قال: “لأن محمود طلب مني أحمي أولاده لو حصل له حاجة، وأنا فشلت.” أمي بصت له بغضب وقالت: “فشلت؟! إنت كنت فين خمس سنين؟!” جابر نزل عينه وقال: “كنت مستخبي… لأنهم كانوا بيدوروا عليا.” الضابط قاطعه: “كفاية كلام.
دلوقتي الأولوية للولد.” اتحركت القوة بسرعة، وأنا ركبت مع أمي وخالي في عربية الشرطة، وجابر ركب معاهم. طول الطريق، أمي كانت بتعيط وبتدعي، وأنا كنت ماسكة صورة أخويا على الموبايل وبحاول أدور على أي تفصيلة. فجأة لاحظت حاجة. قلت للضابط: “استنى… الصورة دي مش قدام المدرسة.” قال: “إزاي؟” قربت الموبايل من عيني وقلت: “بص ورا أخويا… فيه محل عصير عليه لافتة حمرا.” الضابط بص للصورة، وجابر قال بسرعة: “أنا عارف المكان ده.” وسكت فجأة. سألته: “فين؟” قال: “ده مش جنب مدرسة أخوكي… ده جنب المخزن القديم.” خالي بص له وقال: “المخزن اللي لقينا فيه السرداب؟” هز راسه. الضابط قال للسواق: “غير الاتجاه فورًا.” وصلنا للمكان، لكن الشارع كان فاضي
. نزلنا من العربية ودخلنا المخزن بحذر. أول ما دخلنا، لقينا الباب الخلفي مفتوح، وعلى الأرض حبل مقطوع، وكوباية شاي لسه دافية. الضابط لمسها وقال: “كان هنا من دقائق.” وفجأة سمعنا صوت جاي من غرفة جانبية. جري عسكري وفتح الباب، فلقينا رجل مربوط في كرسي. قربنا منه، وكان راجل في الخمسينات، وشكله منهك جدًا. أول ما شاف أمي قال: “إنتي سعاد؟” أمي ردت: “أيوه.” قال: “أنا كنت شغال مع جوزك.” خالي سأله: “فين الولد؟” الراجل بص للأرض وقال: “خدوه.” أمي صرخت: “مين؟!” قال: “الناس اللي كانوا بياخدوا الأسماء من دفتر محمود.” الضابط قرب منه وقال: “مين رئيسهم؟” الراجل بدأ يضحك بشكل هستيري وقال: “أنتم لسه فاكرين إن عبد الصمد هو اللي بيحرك كل ده؟ عبد الصمد مجرد جزار… الرأس الحقيقية عمرها ما قربت من الدم بإيديها.” جابر قال: “مين؟” الرجل بص له وقال: “إنت عارف.” جابر سكت. الضابط مسكه من كتفه وقال: “اتكلم.” جابر أخيرًا قال: “الشخص اللي ورا كل ده كان شريك محمود في أول مشروع ليهم.”
أمي شهقت: “مشروع؟!” جابر قال: “أيوه. محمود كان عنده شغل معاه قبل ما يفتح عبد الصمد محل الجزارة. كانوا بيتاجروا في اللحوم المجمدة والمستوردة. لكن لما محمود اكتشف إن شريكه بيزوّر الأوراق ويهرب شحنات غير مطابقة للمواصفات، قرر ينسحب ويبلغ عنه.” الضابط قال: “وده سبب قتله؟” جابر هز راسه: “وده سبب كل اللي حصل.” فجأة الراجل المربوط قال: “لأ… في سبب تاني.” الكل بص له. قال: “محمود ماكانش مجرد شاهد. محمود كان ماسك النسخة الأصلية من الحسابات.” الضابط سأله: “فين الحسابات؟” الرجل قال: “الخزنة اللي فتحتوها كانت مجرد بداية.
” أنا افتكرت جهاز التسجيل والصورة. قلت: “يعني فيه مكان تاني؟” الراجل بصلي وقال: “أبوك كان عارف إنهم هيوصلوا للخزنة، فعشان كده خبّى الحقيقة في مكان محدش هيشك فيه.” سألته: “فين؟” قال: “في محل عبد الصمد.” خالي قال: “إنت مجنون؟!” الرجل رد: “عبد الصمد كان عارف إن محمود خبّى الدليل، لكنه ماكانش عارف مكانه بالضبط.” فجأة الضابط تلقى اتصالًا، وسكت وهو بيسمع. وبعدها قال: “ابنكم موجود.” أمي كادت تقع من الفرحة:
“فين؟!” الضابط رد: “اتلاقى في بيت خالته… الشخص اللي صورته كان بيحاول يقرب منه، لكن الجيران شافوه.” أمي حمدت ربنا، لكن الضابط كمل: “بس عندنا مشكلة. الراجل اللي حاول ياخده هرب، وساب ورقة.” أخذ الورقة من العسكري وقرأها، ثم نظر إليّ. قلت: “مكتوب إيه؟” قال: “مكتوب: المفتاح فتح الخزنة، لكن البنت لسه ماعرفتش مكان الحقيقة.” جابر بص لي وقال: “هما عايزينك إنتي.” سألت: “ليه أنا؟” قال: “لأن أبوكي خبّى الدليل الأخير بطريقة مرتبطة بيكي.” رجعت خطوة لورا وقلت: “أنا؟ أنا كنت طفلة!” جابر قال: “وعشان كده اختارك. كانوا فاكرين إنك مستحيل تعرفي.” فجأة افتكرت حاجة قديمة جدًا. قلت: “استنى… وأنا صغيرة، أبويا كان دايمًا يخليني ألبس سلسلة صغيرة فيها تعليقة فضة.” أمي بصت لي وقالت: “السلسلة اللي ضاعت بعد وفاته؟” هزيت راسي. “أيوه.” جابر قال: “فين السلسلة؟” قلت: “مش عارفة.” أمي بدأت تفتكر وقالت: “أنا كنت حطاها في صندوق هدومك القديم.” رجعنا البيت، وفتشنا الصندوق، وبعد دقائق لقينا التعليقة في جيب فستان قديم. كانت تعليقة صغيرة على شكل قلب. جابر أخدها، قلبها، ووجد فتحة دقيقة جدًا في جانبها. قال: “دي مش تعليقة… دي مفتاح.” الضابط قال: “مفتاح لإيه؟” جابر رد: “لخزنة تانية.
” خرجنا فورًا واتجهنا لمحل عبد الصمد. الشرطة كانت قد أغلقت المكان، لكن فتحوا الباب بالقوة. دخلنا، وكانت رائحة اللحوم والمواد المطهرة مالية المكان. جابر مشي ناحية الحائط الخلفي، وقاس المسافة بعينيه، وبعدها وقف قدام رف قديم. شاله، وظهر باب حديد صغير. حطينا التعليقة فيه، فانفتح القفل. جوه كان فيه صندوق خشب قديم. فتحناه، فلقينا مجموعة شرائط تسجيل، ودفتر حسابات، ومظاريف، وصورة كبيرة لأبويا. لكن أكتر حاجة صدمتني كانت ظرف مكتوب عليه بخط أبويا: “لابنتي… يوم ما تعرفي الحقيقة.” فتحت الظرف وإيدي بتترعش. كان جواه جواب طويل. بدأت أقرأ:
“بنتي، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميكم. عايزك تعرفي إن عمك عبد الصمد مذنب، لكنه مش أخطر شخص. أنا غلطت لما وثقت في شريكي، وغلطت أكتر لما سكتت عن اللي اكتشفته. الشخص اللي بيهددكم دلوقتي هو الشخص اللي كنت فاكره أخويا قبل ما يكون شريكي.” أمي قالت: “أخويا؟!” كملت القراءة: “هو الشخص اللي كان يدخل بيتنا من غير استئذان، واللي كنتوا تعتبرونه فرد من العيلة.” رفعت عيني وبصيت لخالي وأمي.




