روايات وقصص

بعد طلاقي1

بعد شهرين بالضبط، وصلت ورقة طلاقي إلى بيت أهلي في طنطا. وبعدها بشهر، الدنيا اتقلبت لما الدكتور الجديد طلب تحاليل محدش فكر فيها قبل كده.

قعدت في العربية قدام المعمل، ماسكة الظرف وإيدي بتترعش. كلمة «إيجابي» كانت بتظهر قدام عيني وكأنها حلم مش قادرة أصدقه.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما الدكتورة ابتسمت وقالت:

«مبروك يا مدام نور.. ونقول ما شاء الله.. دول تلاتة.»

تلات توائم!

مرفعتش سماعة التليفون عليه. مش انتقام.. لأ، دي كانت غريزة بقاء. كنت عرفت من الناس إنه خطب شيرين، البنت اللي كانت بتحب تظهر في كل مناسبة وتضحك بثقة وكأن الدنيا كلها بقت في إيدها.

خفت ياخدهم مني، أو يرجعلي بدافع الشفقة، وأنا كرامتي كانت فوق كل شيء.

حاولت أبني حياتي من جديد.

نقلت للقاهرة، واشتغلت في شركة حسابات كبيرة، واتعلمت إزاي أنام عشر دقايق بس وأنا حاضنة تلات ملائكة صغيرين: سيف، وحمزة، وتاليا.

مرت تلات سنين زي البرق، بين حضانات وجري وشغل ولعب.

لحد ما جه يوم الخميس المشئوم.

وصلني ظرف أنيق، ورق مقوى، وريحة عطر غالية فاحت منه أول ما فتحته.

«هشام الأنصاري وشيرين عبد العزيز يتشرفون بدعوتكم لحفل الزفاف…»

وجوة الظرف، كانت فيه ورقة صغيرة مطوية بخط إيده اللي حفظاه صم:

«تعالي يا نور.. عايزك تشوفي العزوة والخير اللي خسرتيهم. متتأخريش، حاجزلك ترابيزة مميزة في الصف الأول عشان تشوفي كويس.»

قلبي وقع في رجلي.

قريت الجملة تاني، وحسيت بصدى صوته في ودني وهو بيكرر الكلمة اللي كسرتني زمان: «أنتي معيوبة.»

وفجأة، سمعت دبدبة رجلين صغيرة وجري في الصالة:

«مامي! مامي! شوفي عملنا إيه!»

خرجت لقيت سيف وحمزة وتاليا واقفين جنب بعض، وشوشهم مليانة ألوان وشخبطة، وماسكين لوحة كرتون كاتبين عليها بخط معوج:

«بحبك يا مامي.»

إيدي بطلت تترعش.

بصيت لهم، وبصيت للدعوة، وابتسامة هادئة ظهرت على وشي.

همست للدعوة:

«ماشي يا هشام.. عايزني أجي؟ هجيلك.»

نزلت لمستواهم، ومسحت على شعر سيف الناعم، وبصيت في عيون تاليا العسلية اللي شبه عيون أبوها.

قلت لهم بحماس:

«يا ولاد.. إحنا هنروح فرح بكرة.»

حمزة بصلي ببراءة وسأل:

«فرح مين؟ وهنلبس بدل؟»

بلعت ريقي بصعوبة، وقفت وعدلت ضهري بكل كبرياء:

«أيوة يا حبيبي.. هنلبس أشيك لبس عندنا، عشان ده أهم فرح هنروحه في حياتنا.»

لبست فستاني الأحمر، ولبستهم ملابس أنيقة زي الأمراء.

وركبت العربية وأنا عارفة حاجة واحدة بس..

أول ما هشام هيلمحني داخلة وماسكة في إيدي تلات أطفال يحملون ملامحه، الليلة اللي فاكرها بداية حياته الجديدة هتتحول إلى أكبر مفاجأة في حياته.

وصلنا القاعة.

الباب اتفتح، والموسيقى كانت عالية، لكن أنا كنت سامعة دقات قلبي بس.

أخدت نفس عميق، وشديت إيد ولادي، ودخلنا.

فتحت أبواب القاعة الضخمة، وساد الصمت للحظات.

لم تكن مجرد دخلة عادية.

كانت نور تسير بثقة، وعن يمينها ويسارها ثلاثة أطفال خطفوا الأنظار من أول لحظة.

الموسيقى بدأت تهدأ تدريجيًا، والهمسات انتشرت بين الحاضرين:

«مين دي؟»

«مش دي طليقته؟»

«الأطفال دول ولاده؟»

«ده شبهه بالملي!»

في الكوشة، كانت شيرين تبتسم بثقة وهي تتحدث مع هشام، لكنها لاحظت فجأة أن ملامحه تغيرت.

يده ارتخت، ووجهه شحب وهو ينظر للداخل.

سيف وحمزة وتاليا كانوا يمشون بجانب أمهم، وملامحهم تحمل الكثير من الشبه بعائلة الأنصاري.

نور مشت بخطوات ثابتة، ولم تتجه إلى الطاولة المحجوزة لها في الصف الأول.

وقفت أمام الكوشة مباشرة.

ابتسمت بهدوء وقالت:

«مبروك يا هشام.. مبروك يا عروسة. كان لازم ألبي الدعوة، أصل الولاد صمموا ييجوا يباركوا لباباهم في ليلة عمره.. مش كده يا سيف؟»

سيف، الذي لم يكن يعرف حقيقة ما بين والديه، نظر إلى هشام ببراءة وقال:

«بابا؟ هو أنت العريس اللي مامي قالت إنه كان مسافر وجاب لنا هدايا كتير؟»

وقعت الكلمة على هشام بقوة.

«بابا؟»

بدأ ينظر حوله إلى الحاضرين.

عائلته، شركاؤه، وأشخاص يعرفون قصة زواجه من نور، كلهم كانوا ينظرون إليه بدهشة.

شيرين فقدت هدوءها وقالت:

«إنتي بتعملي إيه هنا؟ والأطفال دول مين؟»

نور أخرجت من حقيبتها أوراقًا مرتبة بعناية، وقالت:

«دي نتائج التحاليل، وده إثبات النسب. الحقيقة إن المشكلة عمرها ما كانت فيا.. المشكلة كانت في المعلومات اللي اتقالت له واتصدقها من غير ما يتأكد.»

هشام حاول يتكلم:

«نور.. أنا..»

نور قاطعته بهدوء:

«أنا جيت عشان أوريك العزوة والخير اللي أنت اخترت تبعد عنهم. جيت أقولك إن القعدة في الصف الأول مش هي اللي بتحدد قيمة الإنسان.. القيمة في الناس اللي بتحبه بجد.»

التفتت نور لتغادر، لكن حمزة أفلت يدها للحظة، واتجه نحو طاولة الحفل.

ثم عاد وهو يضحك وقال:

«مامي.. الفرح جميل أوي!»

ابتسمت نور:

«يلا يا حبيبي، نمشي.»

خرجت من القاعة وهي تسمع خلفها أصوات الارتباك والنقاش.

ركبت سيارتها، ونظرت في المرآة.

كانت وجوه أطفالها الثلاثة تضحك في المقعد الخلفي.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت نور أنها انتصرت دون أن تخسر نفسها.

لكن الرحلة لم تنتهِ هنا.

في اليوم التالي، عرفت نور أن هشام لم يعد إلى منزله الجديد، بل ظل أمام العمارة التي تسكن فيها، يحاول الوصول إليها لرؤية أطفاله.

نور كانت قد اتخذت قرارًا واضحًا:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى