
الرسالة دي وصلتني الساعة 2:47 الفجر، وأنا نايمة على كنبة الصالة في بيتي في الهرم، والتليفزيون شغال من غير صوت، والبطانية واصلة لحد وسطي. ياسين جوزي، كان المفروض إنه في الغردقة تبع شغل الشركة، قالي إنه راجع الخميس، وإن الموضوع كله اجتماعات مملة وعشوات مع عملاء.
قريت الرسالة تلات مرات.. مش قادرة استوعب. «إحنا مع بعض بقالنا سنة، والنهاردة اتجوزنا على البحر.. مش عايز دراما، إنتي طول عمرك كنتي باردة ومشاعرِك ناشفة.. أنا اتجوزت نيرمين زميلتي في المكتب، عيشي حياتك بقى يا مريم وشوفي حالك.. كفاية كآبة لحد كدة».
مصرختش.. منزلتش دمعة واحدة.. حتى مجاليش نفس أرمي الموبايل في الحيطة. كل اللي حسيته هدوء غريب جداً، كأن جسمي عيط بدالي في وقت تاني، ودلوقتي مفيش قدامي غير إني أعمل الصح.
ياسين وأنا متجوزين بقالنا سبع سنين. البيت ده ملكي من قبل ما أعرفه، اشتريته بشقا عمري وتغربي في الحسابات في شركة ألبان كبيرة. هو كان دايماً بيقول إحنا فريق واحد، بس الحقيقة إن الفريق ده كان شغال عشان أنا اللي بدفع أقساط البنك، وفواتير السوبر ماركت، ومصاريف العربية، وحتى المخالفات اللي كان بيجمعها وهو سايق بتهور زي المراهقين.
رديت عليه بكلمة واحدة: «مبروك». وبعدها عملتله بلوك.
الساعة 3:10 فتحت تطبيق البنك.. وقفت البطاقة الإضافية اللي كانت معاه، وبطاقة البنزين، والفيزا اللي كان بيقول إنها للطوارئ بس. غيرت باسوورد الإيميل، وكاميرات المراقبة، وأبلكيشن الإضاءة، وحتى كود بوابة العمارة.
الساعة 3:45 كلمت نجار: — دلوقتي يا ست هانم؟ الفجر لسه مأذنش! — هديك الضعف لو وصلت قبل الشمس ما تطلع.
الساعة 4:30، كان الأسطى بيغير كالون الباب.. شاف وشي، وشاف الرسالة، وقال كلمة واحدة: — هركبلك كالون كمبيوتر أصلي، ميتفتحش لو انطبقت السما على الأرض. الساعة 5:20، بيتي رجع ملكي تاني. نمت ساعتين.
الساعة 8:05 الصبح الباب خبط، بصيت في الكاميرا لقيت اتنين أمناء شرطة. — الأستاذة مريم؟ جوز حضرتك عمل بلاغ إنك منعاه من دخول بيته.
فتحت الباب حتة صغيرة وقلت ببرود: — جوزي؟ غريبة! ده لسه بعتلي الفجر بيقول إنه اتجوز واحدة تانية. وريتهم الرسالة.. أمين الشرطة الكبير قراها وسكت، والصغير كان بيكتم ضحكته بالعافية. — طالما الشقة باسمك يا فندم، ومفيش تمكين، محدش يقدر يجبرك تفتحيله. — الشقة باسمي، والعقود موجودة. — تمام يا فندم.. سجلي كل اللي يحصل. وده اللي عملته.
الظهر كان كل هدومه في كراتين: القمصان، الجزم، الساعات اللي كان بيلبسها عشان يبان غني، البرفانات، وحتى البلاي ستيشن والكتب اللي عمره ما فتحها. كل حاجة مترتبة.. مش حب فيه، دي استراتيجية.
الساعة اتنين السيرك وصل: ياسين بنضارة شمس، ونيرمين بفستان أبيض بتاع بحر، وحماتي الحاجة لبيبة بتصوت كأنها في جنازة، وأخته فاتن واقفة بتصور بالموبايل. — مش من حقك تطردي ابني زي الكلب في الشارع! — حماتي صرخت بالكلمتين دول.
رديت بهدوء: — أنا مطردتوش.. أنا عزلته. ياسين حاول يزق الباب: — البيت ده بيتي زي ما هو بيتك! — عمره ما كان بيتك، ولا هيكون.
نيرمين العروسة الجديدة، وشها بقى أصفر وهمست بضعف: — هو إنتِ وقفتي الفيزا يا مريم؟ ياسين بصلها بحدة وقالها: «اسكتي إنتي دلوقتي!». ساعتها فهمت كل حاجة.. شهر العسل خلص قبل ما يبدأ، والفيزا اللي كانت بتصرف على الفنادق والفسح اتقفلت.
وهما بيشيلوا الكراتين في عز الشمس، والجيران بيتفرجوا من ورا الشيش، موبايل ياسين رن.. مكالمة غيرت ملامح وشه تماماً. الموبايل رن في إيد ياسين، الرقم كان محفوظ باسم «HR الشركة». بصّ للشاشة، ووشّه اتغير في ثانية. الكل سكت. حتى حماتي اللي كانت لسه بتصرخ، وقفت فجأة كأن حد كبّ عليها ميّه ساقعة.
فتح المكالمة وهو بيحاول يبان ثابت: «أيوه يا فندم». صوت هادي من الناحية التانية، واضح إنه مدير أو مسؤول كبير: «أستاذ ياسين، إحنا مضطرين نبلّغك بقرار فوري. التحقيق الداخلي اتقفل النهاردة الصبح». بلع ريقه: «تحقيق إيه؟». سكتت ثانيتين وبعدين جت الجملة اللي وقفته مكانه: — شكوى رسمية من زوجتك الأولى، مريم، بتهمتك بالاحتيال المالي واستغلال موارد الشركة في حسابات شخصية.
الشارع كله كأنه حبَس نفسه. نيرمين بصّت له بسرعة: «زوجتك الأولى؟! هو في إيه؟!». لكن ياسين ما ردّش. الصوت كمل ببرود قاتل: «وتم إرفاق مستندات وتحويلات مالية من حساب الشركة لحسابات خاصة باسمك. الموضوع اتحوّل للشؤون القانونية، وإيقافك تم فوريًا».


