
خديجة، من كتر جنونها، مكنتش خايفة من الارتفاع، كانت حاطة كل تركيزها إنها تزقني أنا وبنتي لورا عشان نقع إحنا الثلاثة سوى!
“هنقع كلنا! كلنا يا نوال!” خديجة كانت بتصرخ بالضحك وهي بتدفع بجسمها عليا لبرة السور.
في اللحظة القاتلة دي.. لحظة ما رجلي الاثنين سابوا أرضية البلكونة وجسمنا بدأ يميل لبرة الفراغ..
سمعت صوت خبط شديد وخطوات تقيلة بتجري جوا الشقة، وصوت حماتي بيصرخ بعلو صوتها من باب الصالة: “يا نوال! يا محمود الحق!”
وفي جزء من الثانية قبل ما نسقط في الفراغ، ظهرت إيدين قوية ضخمة خرجت من باب البلكونة، ومسكت في قماش عبايتي وشدتني لجوا بكل قوتها، وإيد تانية سحبت منى من رجلها لبرة منطقة الخطر!
كان محمود!
محمود كان راجع من السفر بدري وقابل حماتي على السلم وهما طالعين يشوفوا الصوت.
محمود شدني أنا وبنتي لداخل البلكونة، وأنا وقعت على السيراميك بنهج ومغمى عليا تقريباً من الرعب والارتفاع.. بس خديجة، بسبب اندفاعها المجنون لبرة السور وإيدها اللي سابتني فجأة لما محمود شدني.. فقدت توازنها تماماً!
شفتها في اللحظة الأخيرة.. عيونها اتوسعت من الصدمة لما لقيت نفسها لوحدها في الهواء. مكنتش لحقت تمسك في السور.
خديجة صرخت صرخة طويلة مرعبة.. ونزلت من أعلى الدور الثالث!
صوت السقوط على أرضية الشارع تحت كان زي .. هدوء تام ساد المكان بعدها.
محمود أخدني أنا وبنتي في حضنه وهو بيترعش وبيبكي بصوت عالي، وحماتي كانت بتصرخ وهي بتبص من البلكونة لتحت.
أنا أخيرًا قدرت أتنفس.. رفعت راسي، شفت بنتي سالمة في حضني، وعرفت إن الكابوس انتهى.. بس لما محمود نزل الشارع يستكشف الوضع، ورجع وشّه أصفر زي الورقة، اكتشفنا المفاجأة اللي خلت الكل يقف مذهول..
خديجة مكنتش ماتت!
جسدها وقع على سيارة نقل محمّلة بكراتين وقماش كانت متوقفة بالصدفة تحت البلكونة بالظبط، وده أنقذ حياتها من الموت المباشر.. بس الإصابات كانت مدمرة.
بعد شهرين كاملين..
الشرطة أخدت أقوال الكل، والتحريات وتقرير المعاينة وأثر الكسر على الباب والأدلة أثبتت الشروع في واقتحام منزل. خديجة خرجت من المستشفى وهي مصابة بفلج كامل في الجزء السفلي من جسمها، كرسي متحرك بقت معتقلة فيه لبقية حياتها، وصدر ضدها حكم المشدد.
أنا ومحمود وبنتنا سيبنا بيت العيلة تماماً. نقلنا لشقة صغيرة في دور أرضي.. دور أرضي مفيش فيه سلم ولا ارتفاعات ولا بلكونات عالية.
النهاردة، وأنا قاعدة في جنينة الشقة الأرضية، وبصيت لبنتي “منى” وهي بتجري على النجيل الأخضر وتضحك.. حسيت إن الروح رُدت لي من جديد.
أنا اه لسة بتهز لو وقفت على كرسي خشبي صغير، ولسة الفوبيا علامة في قلبي.. بس بقيت عارفة حاجة واحدة؛ إن خوف الأم على ضناها، يقدر يهد أي جبال.. ويهزم أي فوبيا في الدنيا.
مرت ستة أشهر على انتقالي للشقة الأرضية. كانت الحياة هادئة، والشمس بتدخل الجنينة الصغيرة كل يوم الصبح وهي محمّلة بأمل جديد. منى بدأت تكبر، ضحكتها كانت بتملأ البيت حياة، ومحمود كان بيحاول بأقصى جهده يعوضنا عن الكابوس اللي عشنا فيه. كنا فاكرين إننا دفنّا الماضي، وإن خديجة بتواجه مصيرها المحتوم وراء قضبان سجن أطباء الشلل في مستشفى .. بس الماضي في بيوت العيلة مش بيموت بسهولة.
في يوم، ومحمود في شغلي، جالي اتصال من حماتي. صوتها كان متهدج ومخلوط بالخوف: “نوال.. تعاليلي يا بنتي. أخو خديجة الكبير، ‘عوض’، جه البيت هنا ومقلوب وساعته حمرة.. عاوزه يقابلك أنتِ ومحمود فوراً، وبيقول إنه مش ماشي إلا لما ياخد حق أخته!”.
الدم اتجمد في عروقي. عوض ده كان أعتى واحد في عيلتهم، شخص معروف بالقسوة والشر، وكان دايماً شايف إن أخته مظلومة وأننا تلفقنا لها التهمة عشان نتخلص منها بعد موت آدم.
“حق إيه يا حماتي؟” سألتها وإيدي بتترعش: “أخته كانت وهترميني أنا وبنتي من البلكونة!”.
“تعالي بس يا نوال.. محمود راجع في السكة، الراجل واقف في الشارع ومجمع ناس من العيلة، وبيقول إن عنده سر هيقلب الترابيزة علينا كلنا!”.
قفلت مع حماتي، وضميت منى لصدري بكل قوتي. الخوف القديم رجع ينهش في صدري، بس المرة دي مكنش خوف من الارتفاعات.. كان خوف من الغدر. أخدت بنتي ورحت لبيت العيلة. أول ما وصلت، لقيت الشارع زحمة وعوض واقف قصاد باب البيت، وعيونه حمرا زي الدم، ووراه اثنان من أقرابه.
محمود كان لسة واصل ومسكه من عبايته: “أنت جاي تعمل إيه هنا يا عوض؟! اختك خدت جزاء أفعالها والقضاء قال كلمته!”.
عوض زق إيد محمود وضحك ضحكة مجلجلة خلت الشارع كله يسكت: “القضاء اتضحك عليه يا محمود! اختي مشلولة ومحبوسة مظلومة.. وأنت فاكر إن مرتك دي ملاك بيخاف من خياله؟ فاكر إنها الغلبانة اللي عندها ‘فوبيا’؟”.
عوض طلع من جيب جيلابه الداخلي ظرف أصفر قديم، ورفعه في وش الناس كلها: “الظرف ده فيه تقرير طبي وفلاشة عليها تسجيلات كاميرا المطبخ بتاعة شقة العيلة.. التسجيلات اللي أختي خديجة خبتها قبل الواقعة بيوم عشان كانت شاكة في حاجة!”.
أنا حسيت بأرضية الشارع بتهتز تحت رجلي. كاميرات؟ كاميرات إيه؟!
عوض فتح الفلاشة وشغل فيديو على تليفونه ووراه لمحمود وللناس اللي واقفة. الفيديو كان بيعرض يوم حادثة الطفل آدم.. يوم ما آدم وقع من السطح!
الصورة كانت واضحة.. المطبخ كان فاضي، وفجأة ظهرت أنا في الفيديو قبل بربع ساعة بالضبط. كنت واقفة بتسند على الرخامة، وبحط حاجة في كوباية لبن.. حاجة سائلة من أزازه صغيرة، وبعدها أخدت الكوباية وطلعت بيها!
“شفتوا يا ناس؟!” عوض صرخ بعلو صوته: “الست الملاكية دي كانت بتسقي آدم نقط مهدئة عشان يدوخ ويسرح على السلم! هي اللي خططت لموته من الأول عشان غيرانة من أخته! الفوبيا دي كانت المسرحية اللي لعبتها عشان تطلع منها زي الشعرة من العجين وتسيّب الولد يقع وهي واقفة تتفرج وتدّعي العجز!”.
الشارع كله اتكهرب. النظرات اتجهت ليا زي السهام. حماتي بصتلي بذهول وصدمة، ومحمود وشه اتقلب أبيض زي الصوف، وبصلي ونظرة الشك رجعت لعينيه.. أعظم وأبشع من المرة الأولى بمليون مرة.
“نوال..” محمود قرب مني وصوته بيترعش من القهر: “الكلام ده صح؟ أنتِ حطيتي حاجة لآدم في اللبن؟ أنتِ اللي ابني؟!”.
“لا!! والله العظيم لا!” صرخت بعلو صوتي وأنا بنهار من البكاء: “والله ما حطيت حاجة! الفيديو ده ملعوب فيه! أقسم بالله أنا مكنتش بعرف أطلع السلم أصلاً!”.
عوض تقدم خطوتين ونبرته كانت ملยานة تشفي وحقد: “الفيديو مش ملعوب فيه.. وتقرير الطب الشرعي الأولي اللي خديجة سحبته بالواسطة كان فيه نسبة مخدر خفيف في دم الولد، بس محمود غمّض عينيه ومصدقش! أنتِ قاتلة يا نوال.. والنهارده بالليل، الفيديو ده هيكون عند النيابة، وأنتِ هتتسحبي من وسط بيتك للكلابشات، والمرة دي مش هينفعك ادعاء الفوبيا ولا العجز!”.
عوض سابنا ومشي وهو ببيبتسم ابتسامة النصر، والناس بدأت تتفرق وهما بيبهسوا ويتكلموا عليا.
محمود مسكني من دراعي بقوة وجرني لجوا بيت العيلة، وقفل الباب الرئيسي بعنف. حماتي قعدت على الأرض بتبكي، ومحمود مسكني من كتفي وهزني بجنون: “انطقي! انطقي يا نوال! أنا دافعت عنك ضد مراتي الأولى، بعت أمه ولادي عشانك، وشككت في خديجة ورميتها في الشارع! طلعتي أنتِ الشيطانة اللي دمرت البيت؟!”.
“محمود اسمعني أرجوك!” بكيت وركبت عند رجليه: “الفيديو ده حقيقي بس الفكرة غلط! الأزازة دي كانت فيتامينات ومقويات دكتور الأطفال كتبها لآدم لما خديجة كانت مهملة فيه! خديجة هي اللي طلبت مني أسقيهاله في اللبن عشان الولد مبيحبش طعمها! هي اللي خططت من زمان للقطة دي عشان لو حصل للولد حاجة تتهموني أنا!”.
محمود سابني ووقف، ونظراته كانت ميتة: “سلسلة الكدب مش بتخلص.. أنا مش عارف مين فيكوا الشيطان ومين الملاك. بس حاجة واحدة متأكد منها.. أنتِ مش هتقعدي في بيتي دقيقة واحدة لحد ما النيابة تحقق في الفلاشة دي!”.
محمود أخد مني البنت بالقوة، وقفيل عليا في أوضة الضيوف القديمة في الدور الثاني من بيت العيلة! أيوة.. الدور الثاني، المكان اللي بيهددني بالارتفاعات والسلم اللي بره الأوضة.
“محمود لا! متسبنيش هنا! متسيبش البنت معايا ولا تاخدها مني!” صرخت وأنا بضرب الباب.
“البنت هتفضل مع أمي تحت..” صوت محمود كان جاف من ورا الباب: “وأنتِ هتفضلي هنا لحد الصبح لما النيابة تيجي وتاخدك.. لو مظلومة ربنا هيظهر حقك، ولو قاتلة.. هتدفعي التمن”.
ساد الصمت الشديد في الأوضة الضلمة. كنت محبوسة في الدور الثاني، بطلّ على السلم اللي مات عليه آدم وشفت منه الموت مرتين. الساعة كانت بتدق بتكـتكـة مرعبة، والليل كان أطول ليلة مرت عليا في حياتي.
وعلى الساعة ثلاثة الفجر.. والبيت كأنه مقبرة مهجورة..
سمعت صوت خطوات خفيفة بتتسحب على السلم..
مش خطوات محمود، ولا خطوات حماتي.. دي كانت خطوات شخص بيزحف أو بيمشي بصعوبة شديدة، وصوت حديد بيتحك في الأرضية الخرسانية!
فجأة، مقبض باب الأوضة المحبوسة فيها بدأ يتحرك للأسفل ببطء شديد..
صوت نفس محشرج ومرعب طلع من ورا الباب المغلق: “فاكرة إن الكرسي المتحرك هيمنعني أجي أخد روحي ورُوح بنتك يا نوال؟”.
عيوني اتوسعت من الصدمة والرعب المطبق.. خديجة! خديجة هربت من أو المستشفى وجاية تخلص الحساب الأخير بنفسها!


