
وبعد حوالي ساعة، سمعت جرس الباب، ولما فتحت لقيت أبو سارة وأمها واقفين قدامي، وباين على وشوشهم الغضب.
أمها دخلت من غير ما تستنى عزومتي، وقالت:
ـ بنتي فين؟!
رديت عليها ببرود:
ـ فوق عند جوزها، مالها يعني؟! هو أنا عملت لها حاجة؟!
أبوها بصلي وقال:
ـ إحنا جايين نفهم منك إيه اللي بيحصل، لأن بنتنا اتصلت بينا بتعيط، وبتقول إنك بتدخلي عليها أوضتها من غير استئذان وبتصحيها من النوم عشان تقوم تخدم إخوات جوزها!
ـ أيوه، وماله الكلام ده؟! ما هي اتجوزت وبقت مسؤولة عن بيت جوزها، ولا إنتوا فاكرين إننا هنيجي نخدمها ونقدملها الأكل وهي قاعدة تتفرج علينا؟!
أم سارة بصتلي بصدمة وقالت:
ـ مسؤولة عن بيت جوزها، أيوه، لكن مش مسؤولة عن خدمة إخواته! وبعدين دي لسه راجعة من الفرح، ما لحقتش تنام، وإنتِ داخلة عليها الساعة سبعة الصبح تصحيها؟! هو ده اللي إنتِ شايفاه أصول؟!
اتنرفزت من طريقتها وقلت لها:
ـ إنتِ جاية تعلّميني الأصول في بيتي؟! أنا بربي ابني ومراته، ودي طريقتنا في الحياة!
أبو سارة رد عليَّ بحزم:
ـ لا يا حاجة، إنتِ حرة في بيتك، لكن بنتنا مش خدامة عند حد، ولا إحنا جوزناها عشان تشتغل عندك وعند أولادك. بنتنا اتجوزت محمد، وواجبها تجاه جوزها وبيتها، أما باقي العيلة فالمساعدة بينهم تكون بالرضا والاحترام، مش بالأوامر والإجبار.
في اللحظة دي، سارة نزلت من شقتها وهي لابسة هدومها، ووقفت جنب أمها، اللي أول ما شافتها خدت إيدها وقالت:
ـ تعالي يا بنتي اقعدي، واحكي لنا كل حاجة حصلت من أول امبارح.
سارة حكت لهم عن موضوع الأكل ليلة الفرح، وعن إني دخلت عليها الساعة تلاتة الفجر أطلب منها تقوم تطبخ، وبعدها عن دخولي عليها الصبح وإصراري إنها تحضر الفطار.
كل ما كانت بتحكي، كنت بحس إن الغضب بيزيد جوايا، خصوصًا لما أمها قالت:
ـ يعني بنتي ليلة فرحها بدل ما ترتاح مع جوزها، تفضل مطالبة إنها تطبخ لإخواته؟! وإنتِ شايفة ده طبيعي؟! وطبيعى برضوا تدخلى عليها اوضتها افرضى كانوا فى وضع خاص
رديت عليها بعصبية:
ـ طبيعي جدًا، طول ما هي عايشة في بيت عيلة!
أبو سارة هز راسه وقال:
ـ يبقى إحنا غلطنا لما وافقنا على الجوازة من غير ما نفهم إن معنى بيت العيلة عندكم إن مرات الابن تبقى خدامة للجميع. وإحنا مش هنقبل إن بنتنا تعيش بالشكل ده.
وبعدين بص لمحمد، اللي كان نازل من الشقة بعد ما سمع أصواتنا، وقال له:
ـ يا محمد، إحنا احترمناك ووافقنا عليك لأننا اعتقدنا إنك هتصون بنتنا وتحافظ على كرامتها. لكن لو إنت موافق على اللي بيحصل ده، يبقى إحنا مش هنقبل بنتنا تتبهدل بالشكل ده.
محمد رد بسرعة:
ـ يا عمي، أنا مش موافق على اللي حصل، وأنا من امبارح بحاول أنهي الخلاف، لكن أمي مصممة إن سارة لازم تنفذ كل اللي تطلبه منها.
بصيت لابني بصدمة وقلت:
ـ يعني إنت كمان هتقف ضدي؟! إنت نسيت إن دي أمك اللي ربتك وصرفت عليك؟!
أبو سارة ما سابنيش أكمل، وقال:
ـ محدش بيقول إنك مش أمه، وليكي كل الاحترام، لكن الأمومة مش معناها إنك تتحكمي في حياة ابنك ومراته. لو عايزة ابنك يفضل بار بيكي، احترمي بيته، وسيبي مراته تعيش حياتها من غير مشاكل.
أم سارة قربت مني وقالت بلهجة حاسمة:
ـ وبالمناسبة، بنتي مش هتطلع تخدم حد غصب عنها، ومش هتدخل أوضتها تلاقي حد واقف فوق دماغها وهي نايمة. لو عايزاها تساعدك، اطلبي منها باحترام، وهي لو قدرت مش هتتأخر. إنما حكاية إنها تسمع كلامك لمجرد إنك حماتها، فده مش هيحصل.
حسيت إنهم بيقللوا مني قدام ابني، فصرخت وقلت:
ـ يعني إنتوا جايين تغلطوني في بيتي؟! وتخلوا مرات ابني تقف قصادي؟!
أبو سارة رد بمنتهى الهدوء:
ـ إحنا جايين ناخد حق بنتنا، مش نغلطك. ولو إنتِ شايفة إن احترامك معناه إن بنتنا تتنازل عن راحتها وكرامتها، يبقى إحنا مش متفقين على نفس مفهوم الاحترام.
وبعدين التفت لبنته وقال:
ـ يلا يا سارة، تعالي معانا.
محمد اتدخل بسرعة وقال:
ـ يا عمي، استنى بس، سارة مش هتمشي، وأنا مش هسمح إن خلاف بينكم وبين أمي ينهي جوازي. أنا هحل الموضوع.
لكن أبو سارة بص له وقال:
ـ إحنا مش جايين نهد بيتك، لكن بنتنا مش هتفضل فيه لو هتعيش كل يوم في خناقة. يا إما تحط حدود واضحة للتدخل في حياتكم، يا إما كل واحد يشوف مصلحته.
سارة كانت واقفة ساكتة، ولما محمد بص لها وقال:
ـ إنتِ عايزة تمشي يا سارة؟
ردت عليه وعينيها مليانة دموع:
ـ أنا مش عايزة أسيبك يا محمد، لكن مش هقدر أعيش طول عمري وأنا خايفة من كل يوم جديد. أنا عايزة أعيش معاك، مش أبقى مسؤولة عن إرضاء كل الناس على حساب نفسي.
محمد قرب منها وقال:
ـ مش هتسيبي بيتك، وأنا بوعدك إن اللي حصل مش هيتكرر.
ـ الكلام سهل يا ابني، وإحنا هنمشي دلوقتي، لكن لو بنتنا اتصلت بينا مرة تانية وهي بتعيط بسبب نفس الموضوع، ساعتها مش هنتكلم كتير، وهنطلب منك تطلقها.
خرج أهل سارة بعد ما أكدوا إن بنتهم مش خدامة عند حد، وإنها مش هتقبل الإهانة باسم الأصول.
أما أنا، فكنت واقفة مش قادرة أصدق اللي حصل. أهلها جم لحد عندي، ووقفوا في صفي ابني ومراته ضدي، وخلوني أحس إني أنا الغلطانة، مع إني كنت شايفة نفسي صاحبة الحق كله.
بصيت لمحمد وقلت بمرارة:
ـ مبروك عليك يا ابني، أهو أهلها جم وعلموك إزاي تقف قصاد أمك!
محمد رد عليَّ بهدوء، لكنه كان حاسم:
ـ يا أمي، أنا عمري ما هتخلى عنك، لكن مش هسمح إنك تظلمي مراتي. إنتِ عندك بنات، ولو محتاجة حد يساعدك في طلباتك، خليهم يساعدوكي. إنما سارة مش مسؤولة عن خدمة إخواتي، ولا هقبل إنك تدخلي شقتي من غير استئذان تاني.
وسابني وطلع شقته، وأنا فضلت مكاني، نار الغضب بتاكل في قلبي، ومش قادرة أتقبل إن ابني اللي كنت بعتبر نفسي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في حياته، بقى بيقولي لأ لأول مرة.
ومن اليوم ده، قررت إني مش هسكت، وإن سارة مهما عملت مش هخليها تحس إنها كسبتني، لكن اللي ما كنتش أعرفه إن إصراري على كسرها ممكن يكون هو السبب اللي يخليني أخسر ابني، وألاقي نفسي بعد كده أنا اللي واقفة على باب بيته، مستنية منه نظرة رضا كنت فاكرة إنها مضمونة طول العمر.
بعد اللي حصل، قررت إني أتعامل مع سارة بالتجاهل، وقلت لنفسي إني مش محتاجاها في حاجة، وإن بناتي أولى بيا منها، وفضلت كل ما محمد ينزل عندي أحكيله إزاي مراته وأهلها قللوا مني، على أمل إنه يزهق منها ويبدأ يضغط عليها عشان تراضيني.
لكن محمد كان اتغير فعلًا، بقى يزورني ويطمن عليَّ، ويجيب لي اللي أحتاجه، لكنه ما بقاش يسمح لي أتدخل في حياته مع مراته، وكل ما أفتح الموضوع يقول لي:
ـ يا أمي، أنا بحبك ومش عايز أزعلك، لكن سارة مش هتكون خدامة لحد، ولو محتاجة مساعدة اطلبي مني وأنا هساعدك، إنما متطلبيش منها حاجة غصب عنها.
الكلام ده كان بيحرق دمي، وكنت بقول لنفسي إن مراته قدرت تبعده عني، لحد ما جه اليوم اللي احتجت فيه حد يقف جنبي بجد.


