روايات وقصص

بعد ولاتي 2

روماني مكرم

“شيماء.. استني يا شيماء.. إحنا خسرنا القضية، بس أنا خسرتك أنتِ وابني.. أمي ضيعتني، وأنا سمعت كلامها لحد ما بقيت مش عارف أشوف ابني غير بشاويش ورخصة في مركز شباب!”

بصيت له بثبات، الجرح اللي في بطني كان طاب، والجرح اللي في قلبي بقى قاسي زي الصخر، وقُلت له:

“أنت ما خسرتش القضية في المحكمة يا فلان.. أنت خسرتها النهار اللي سبتني فيه أنزف وأمك بتعيرني بفقر أهلي وتقلل مني.. الحكم ده مش نهايتنا، ده مجرد بداية حسابك!”

مرت الأيام والشهور زي السحاب، والولد كبر وبقى يمشي على إيديه ورجليه، سميته “حمزة” عشان يطلع قوي وما يهابش حد زي اسم صاحب الرسول. في الصعيد، رجعت لي صحتي وعافيتي تماماً، والراحة النفسية وسط أمي وأبوي ردت فيا الروح من جديد. أبوي، رغم ضيق الحال وقرشه القليل، كان يجيب اللبن والفاكهة لـ “حمزة” من تحت الأرض، وكان يقول لي دائماً: “القمة اللي ناكلها بعزة نفس، تسوى كنوز الدنيا يا بتي.”

على الناحية التانية، كانت الرؤية الشرعية شغالة كل يوم جمعة في مركز الشباب القريب من بيتنا. كان جوزي يقطع سفر سبع أو ثمان ساعات في القطر من القاهرة عشان ييجي يقعد الثلاث ساعات المحددة له بالقانون. كان بييجي وهو مكسور الخاطر، هدومه مبهدلة من السفر، ييجي يقعد على بنش خشبي متهالك في حوش مركز الشباب والشمس تضرب في وشهم.

في الأيام الأولى، كانت حماتي بتيجي معاه، تخش بصلابتها وعينيها اللي تطاير شرار، تحاول تفرض سيطرتها وتتدخل في لبس الولد وأكله، بس محامينا كان مأمن كل حاجة. رئيس مجلس إدارة مركز الشباب وأمين الشرطة المسؤول عن الرؤية كانوا واقفين لهم بالمرصاد. أول ما كانت حماتي ترفع صوتها أو تحاول تطاول، كان أمين الشرطة يفتح الدفتر ويقول لها بجمود: “يا حجة، الرؤية للأب فقط وفق نص الحكم، وأي إزعاج أو محاولة لأخذ الطفل خارج السور هعمل لك محضر عدم امتثال لحكم قضائي فوراً.”

مرة في مرة، حماتي تعبت من المشوار. ظهرها ما بقاش يستحمل القطر، والسفر الصعيدي في الحر هد حيلها. بدأت تشتكي وتقول لابنها: “أنا مش ماشية معاك التبهدلة دي تاني، روح لوحدك يا فلان، القعدة في مركز الشباب على الدكك دي تهين كرامتي!”

رد عليها وابنه في حضنه وبكاء مكتوم في قلبه: “كرامتك يا أمي؟! ما أنتِ اللي جبتينا للوضع ده! ما أنتِ اللي طمعتِ وقلتِ لي أنزلها تنضف شقة أختي وجرحها ما كملش أربع أيام! أهي دلوقتي بتشوف ابنها في حضن أهلها بكرامة، وأنا بشوف ابني بإذن ورقة ورئيس مركز شباب!”

بدأت المشاكل تنخر في بيتهم في القاهرة زي السوس. أخته اللي نزلت من السعودية، قعدت شهور إجازتها تنكد عليه. الشقة اللي كانت عايزاني أنضفها، اضطرت هي وأمها ينضفوها بنفسهم بعد ما ما لقوش حد يرضى يجي بالرخيص. وأخته زعلت من أمها وأخوها لأن القضايا والمحاكم بوظت فرحة إجازتها وفضحتهم قدام قرايبهم ونسائبها في الخليج. سافرت أخته ورجعت جوزها وهي شايلة من أخوها وأمها ومقاطعاهم.

أما جوزي، فبدأ يحس بالوحدة القاتلة. الشقة بقت فاضية عليه، أمه كبرت في السن وبقت تقيلة الحركة، وما بقاش في حد يخدمهم أو يقدم لهم لقمة هنيئة. الشغل بتاعه أهمله من كثر التفكير والسفر كل أسبوع، والمرتب بقى يضيع نصبه على قطارات الصعيد والمصاريف والنفقة اللي المحكمة فرضتها عليه بالسيف.

في يوم جمعة شديد الحرارة، كنت واقفة بعيد في صالة الانتظار بمركز الشباب، مستنية الثلاث ساعات يخلصوا عشان آخد حمزة وأرجع البيت. جوزي كان قاعد على البنش، ماسك إيد الولد الصغير وبيلعبه بلعبة بلاستيك رخيصة جايبها معاه. الولد ما كانش عارفه كويس، كان بيخاف من وشه الغريب وبيصرخ كل ما يحاول يحضنه، ويشاور بعيد عليا ويقول: “ماما.. ماما!”

الكلمة دي كانت بتنزل على قلب جوزي زي مية النار. مسح دموعه بكف إيده، ولما الوقت قرب يخلص، قام من مكانه وجالي يترجاني، وشه كان شاحب وشعره بدأ يطله الشيب رغم صغر سنه.

قرب مني خطوتين وقال بصوت مكسور يقطع القلب:

“شيماء.. عشان خاطر الله وعشان خاطر العيل ده، اسمعيني.. أنا اتدمرت! حياتي جحيم من يوم ما مشيتِ. أمي عاجزة ومش قادرة تتحرك، وأختي قطعت بينا وسافرت، وأنا عايش في البيت زي الغريب.. أرجوكي يا شيماء، ارجعيلي وأنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك، وأعمل لك كل اللي تطلبيه، ومش هخلي أمي تفتح بؤها معاكي بحرف واحد طول العمر!”

بصيت له بعين ثابته، نظرة ما فيهاش لا كره ولا تشفي، لكن فيها استغناء كامل. مسكت إيد ابني حمزة اللي مسك في جلابيتي بظافره، وقُلت له بصوت هادي وواضح:

“الشقة اللي عايز تكتبها باسمي دي، ما تسواش نقطة دم واحدة نزلت مني وأنا على السلم الساعة خمسة الصبح ورضيعي على صدري. والرجوع اللي بتتكلم عنه ده، كان ممكن يحصل لو كنت وقفت راجل في صالتك وقيلت لأمك ‘دي مراتي ولادتي ومفتوحة وكرامتها من كرامتي’. لكن أنت اخترت ترضي كبرياء أمك، وبعتني وبعت ابنك عشان ما تزعلهاش.”

مسك إيدي بلهفة وقال: “أنا غلطت! ورب العرش غلطت وندمان كل ثانية! أرجوكي اديني فرصة واحدة أصلح فيها اللي انكسر!”

سحبت إيدي منه ببطء وقوة، وقُلت له وأنا ألف ضهري عشان أمشي:

“في حاجات لما بتنكسر يا فلان، ما بيتصلحش.. ينفع تلم المية بعد ما تدفق على التراب؟ الجرح اللي في بطني طاب وبقى علامة، بس الجرح اللي في قلبي بقى سور بيني وبينك.. أنت ليك في الولد ده الثلاث ساعات بتوع القانون، وغير كده، أنت بالنسبة لي مجرد غريب!”

سبته وخرجت من باب مركز الشباب، وهو قعد على السلم يحط إيديه على وشه ويبكي بصوت عالٍ قدام الناس والعمال. رجعت البيت وأنا حاسة إن حقي بيرجع لي حتة حتة، بس الأيام كانت مخبية مفاجأة جديدة.. مفاجأة هتجبر جوزي وأمه ييجوا لحد باب بيتنا في الصعيد، مش عشان قضية ولا رؤية، لكن عشان يترجوا العفو والمغفرة في مصيبة كبيرة طالت بيتهم!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى