
وفي اللحظة اللي كنا محتارين فيها ومش عارفين نعمل إيه، الباب اتفتح فجأة ودخلت ممرضة ومعاها راجل وست.
أول ما بصلنا الراجل والست دول، اتصدمنا.. الاتنين كان عندهم حدب واكتافهم متنية بنفس الشكل، وكانوا شايلين بين إيديهم طفلة صغيرة ملفوفة في كوفية. الست جرت عليا وهي بتعيط والدموع مغرقة وشها، والراجل كان بيترعش وراها ورافع إيده بلهفة.
الست صرخت بصوت متقطع وهي بتقول: “الحقونا يا جماعة! البنت دي مش بنتنا.. الممرضة غلطت في الحضانة وبدلت العيال! أنا ولدت في نفس اليوم ونفس الساعة اللي ولدتي فيها، والممرضة جابتلي البنت دي بالغلط وجابتلكم أنتم ابننا!”
جوزي جمد في مكانه، والممرضة دخلت وراهم وهي بتعيط وبتبوس على إيدينا وتقول: “سامحوني والله العظيم غصب عني، اللخبطة حصلت وقت خروج العيال من الحضانة، واكتشفنا الغلطة لما الأستاذ جه يسأل ويدور!”
الست قربت من الولد اللي في إيد جوزي، وبصتله.. أول ما شافته، وشها اتنور بابتسامة دافية أوي، مفيش أي نظرة قرف، ولا اشمئزاز، ولا غرابة. الست أخدت الولد في حضنها بلهفة أم قعدت تدور عليه، وبست في وشه وقبلته من خدوده وراسه وهي بتبكي من الفرحة وتقول: “حبيب قلب أمك! يا حبيبي الحمد لله إننا لقيناك.. الحمد لله يا رب!”
الراجل قرب منها وحضن الولد وهو بيضحك ودموعه نازلة، حط إيده على ضهر الولد الصغير وباس راسه وقال: “ده ابننا.. شبهنا وفي حنيتنا، ربنا ما بينساش حد.” أخدوا الولد في حضنهم، ونظرات الفرحة والرضا في عينيهم كانت تملى الكون كله، وسلموا علينا ومشوا وهما بيحمدوا ربنا إن ابنهم رجعلهم، من غير ما يحسوا بلحظة واحدة إن الولد فيه حاجة غلط.
أنا وجوزي كنا واقفين زي الأوثان، مش قادرين نتحرك ولا نطق بكلمة. البنت الصغيرة كانت في حضني، ملفوفة وساكتة. بالراحة خالص، وبإيدين بترتعش، بدأت أفُك الملاية والكوفية الملفوفة بيها عشان أكشف جسمها.
فتشت في جسمها بالكامل.. البنت كانت كاملة، ملامحها هادية، ومفيش في جسمها أي بروز أو تشوه إطلاقاً! البنت كانت شبهي أوي، بس كان فيه حاجة غريبة.. شعرها كان طويل جداً بالنسبة لبيبي لسه مولود، وكان ملفوف ومكلكع ورا ضهرها وتحت رقبتها بطريقة ضاغطة ومجمعة تحت هدومها، وده اللي كان عامل بروز ظاهر خلى الدكتور في السونار يعتقد أن عنده تشوه.
أول ما فهمت اللي حصل، نزلت على الأرض في حضن البنت وقعدت أبكي بانهيار ونشيج يقطع القلب. كنت بصرخ وأنا بأحضنها بقوة وأقول: “يا رب أستغفرك وأتوب إليك! احنا ما نستاهلش كرمك ده.. كنا هنفرط فيه لمجرد إننا خفنا من كلام الناس!”
بصيت لجوزي وقولتله بدموع: “شايف؟ شايف أهله الحقيقيين؟ عاشوا نفس المعاناة والظروف اللي خفنا منها، ومع ذلك كانوا طايرين بيه من الفرحة ومبسوطين بيه، لأن ربنا مبيجيبش حاجة وحشة! احنا اللي قلوبنا كانت عمياء!”
جوزي نزل على ركبه جنبي وهو بيعيط بصوت عالي، ودموعه نازلة على خده بغزارة، رفع إيده للسما وقال بصوت مكسور: “معاكي حق.. سامحنا يا رب، سامحنا على ضعفنا وقلة إيماننا.”
من اليوم ده، حياتنا اتغيرت تماماً. البنت كبرت في حضننا وسميناها “أمل”، وكانت مالية علينا الدنيا. بس ضميرنا مكانش يرتاح غير لما دورنا على مكان الأسرة التانية. عرفنا طريقهم، وعلمنا إنهم ناس على قد حالهم بس قلوبهم مليانة رضا ودفا.
فضلنا طول العمر بنزورهم بشكل منتظم، بقينا نعتبرهم أهلنا، ونقدم لهم كل المساعدات اللي يقدرنا عليها ربنا، ونتطمن على ابنهم اللي كبر وسط حبهم ورضاهم، عشان يفضل الدرس ده محفور في قلوبنا طول العمر: إن عطاء ربنا كله خير، وأن الرحمة والرضا هما اللي بيعملوا المعجزات مش كلام الناس.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



