روايات وقصص

كنت حامل لاول مره ج 1

— أنا عارف… بس الحاجات دي ممكن تدخلنا في تحقيقات ووجع دماغ وإنتِ حامل.

قلت:

— تدخلنا؟

سكت.

— تقصد تدخل مين في تحقيقات يا أحمد؟

رد بسرعة:

— أقصد إحنا. أنا وإنتِ.

ابتسمت.

— وأنا خايفة من إيه؟ أنا ما عملتش حاجة.

ما ردش.

ركبنا العربية.

طول الطريق أحمد تقريبًا ما اتكلمش.

وأنا كمان سكت.

لكن بدل ما أفكر في كلامه، طلعت الورق من شنطتي وبدأت أقراه.

المطالبة الأولى كانت من مستشفى خاص.

دخول يوم 20 يوليو 2018.

الخروج يوم 23 يوليو.

عملية قيصرية.

مولود ذكر.

المطالبة التانية:

دخول يوم 2 نوفمبر 2021.

الخروج يوم 7 نوفمبر.

عملية قيصرية.

مولود ذكر.

مضاعفات بعد الولادة.

نقل وحدات دم.

وفي أسفل كل مطالبة كان مكتوب:

جهة الاتصال: الزوج.

وتحتها اسم أحمد.

في المطالبة الأولى رقمه القديم.

وفي التانية رقمه الحالي.

يعني مش ممكن حد يكون لقى بيانات قديمة واستخدمها بالصدفة.

الشخص اللي عمل ده كان عارف تفاصيل حياتنا.

بصيت لأحمد وهو سايق.

كان مركز في الطريق زيادة عن الطبيعي.

قلت فجأة:

— إحنا كنا فين يوم 21 يوليو 2018؟

إيده شدت على الدريكسيون.

— إيه؟

— يوم الولادة الأولى.

— هفتكر منين يوم من تمن سنين؟

— طب نوفمبر 2021؟

— برضه مش فاكر.

قلت:

— غريبة.

— إيه اللي غريب؟

— إنك مش فاكر حاجة، بس اسمك ورقمك موجودين في المرتين.

قال بعصبية:

— ما إحنا لسه قولنا هنراجع!

وسكتنا.

لما وصلنا البيت، دخل أحمد الحمام.

وأنا قعدت على الكنبة.

طلعت الورق تاني.

كان فيه حاجة مضايقاني.

حاجة مش قادرة أحددها.

فتحت الموبايل ودورت في صوري القديمة.

كتبت في البحث:

يوليو 2018.

ظهرت الصور.

كنت فاكرة الفترة دي.

كنت مسافرة إسكندرية عند خالتي كام يوم.

وأحمد ماجاش معايا.

قال وقتها إن عنده ضغط شغل ومشروع لازم يخلصه.

فضلت أقلب.

لقيت صورة ليا على البحر بتاريخ 21 يوليو.

يوم الولادة بالظبط.

أنا كنت في إسكندرية.

وأحمد كان في القاهرة.

قلبي بدأ يدق أسرع.

فتحت صور نوفمبر 2021.

المرة دي كنت في بيت ماما.

بابا كان عامل عملية بسيطة، وفضلت عندهم حوالي أسبوع.

وأحمد كان بيروح الشغل ويرجع شقتنا لوحده.

يعني في المرتين…

أنا كنت بعيدة عنه.

سمعت باب الحمام بيتفتح.

قفلت الموبايل بسرعة.

أحمد خرج وهو بينشف وشه.

— هطلب أكل. تحبي تاكلي إيه؟

بصيتله.

— أي حاجة.

مسك الموبايل ودخل البلكونة.

وده لوحده كان غريب.

أحمد عمره ما كان بيخرج البلكونة علشان يطلب أكل.

فضلت قاعدة مكاني.

وبعد ثواني، سمعت صوته.

واطي جدًا.

ما قدرتش أسمع الكلام.

لكن أكيد ماكانش بيتكلم مع مطعم.

لأن المكالمة طولت.

قمت بهدوء.

قربت من باب البلكونة من غير ما يشوفني.

سمعته بيقول:

— أنا قلتلك ما تتصليش دلوقتي.

سكت شوية.

وبعدين:

— ظهرت.

قلبي وقف.

سكت تاني وهو بيسمع اللي في الناحية التانية.

وبعدين قال:

— أيوه… الاتنين.

وبعد لحظة:

— قدمت اعتراض.

إيدي بدأت ترتعش.

مين اللي بيكلمها؟

وإيه اللي “ظهر”؟

والاتنين إيه؟

سمعته يقول:

— أنا هتصرف… بس إنتِ ما تعمليش أي حاجة من عندك.

رجعت بسرعة وقعدت مكاني قبل ما يفتح باب البلكونة.

دخل.

بصلي.

— الأكل نص ساعة وييجي.

قلت:

— تمام.

قعد قصادي.

وأنا لأول مرة في عشر سنين جواز كنت ببصله وحاسة إني معرفش الشخص اللي قدامي.

……………

قفل الموبايل وحطه جنبه على الترابيزة، وقعد يحاول يبين إن كل حاجة طبيعية. سألني بخفوت:

— مالك يا مريم؟ حاسة بتعب؟

بصيت له بثبات، وقررت أختبره لأخر حد.

— تعبانة من إمبارح يا أحمد، خصوصاً لما فكرت في اللي حصل في التأمين.. تصدق افتكرت إني كنت فين يوم 21 يوليو 2018؟

وشه اتبدل فوراً، رغم محاولته إنه يتماسك. الدم ساب وعي، وسأل بصوت مشدود:

— كنتي فين؟

— كنت في إسكندرية عند خالتي… لوحدي.. وإنت كنت هنا في القاهرة عندك شغل كتير، تفتكر مين كان بيولد في الوقت ده ببياناتي وتأميني؟!

وقف مكانة بعصبية واضحة وقال بصوت عالي شوية:

— إنتِ بتبحلقي لي كده ليه؟! كأنك بتحاكميني! ما أنا قلت لك معرفش! يمكن سرقة إلكترونية، أو بيانات اتسربت من المستشفى زمان!

— سرقة إلكترونية لملفات طبية وولادتين في سنين مختلفة، والتوقيع باسمك، ورقمه تليفونك أنت شخصياً؟ سرقة بتختار الأيام اللي مكنتش فيها معاك؟

سكت. الكلمات نزلت عليه كأنها صاعقة. حس إنه اتقفش، وإن حبل الخداع بيكسر حواليه. قعد على الحرف على الكنبة، وحط إيده على وشه وقال بيأس:

— مريم… الموضوع مش زي ما انتِ فاكرة خالص. أرجوكِ اهدي واسمعيني.

قلت له وصوتي بيترعش من القهر:

— اسمع إيه؟! في ولدين مسجلين باسمي وأنا أول مرة أحمل.. في مكالمة كنت لسه بتقول فيها “ظهرت.. والاتنين… وقدمت اعتراض”! مين اللي كنت بكلمها يا أحمد؟ مين؟!

فتح بابه قبل ما يرد، ورن جرس الباب. دليفري الأكل جه.

أحمد قام كأنه هربان من الموقف، فتح وخد الأكل وحطه ع الترابيزة، وقال برجاء:

— كلي الأول، وبعدين أقعد أقولك كل حاجة… والله هحكيلك على كل كلمة من غير ما أخبى عليكي حاجة.

بصيت للأكل وبعدين له. حسيت إن روحي اتسحبت مني.

— انطق دلوقتي يا أحمد.. ولدين إيه.. ومين الست اللي كنت بكلمها في البلكونة؟!

قعد قدامي، ونزل راسه للأرض، وقال بصوت هامس ومرجوف:

— الولدين دول… ولادي.

الدنيا لفت بيا. حسيت إن الأوضة بتضيق.

— ولادك من مين؟!

رفع عينه ليا، وعينه كانت مليانة خوف ودموع محبوسة:

— من مراتي الأولى… اللي كنت متجوزها قبل ما أعرفك بسنة، واتفصلنا بعدها… بس الورق والمشكلة القديمة هي اللي أدخلت التأمين في النص غصب عني.

قمت وقفت مكاني وأنا مش قادرة أصدق:

— مراتك الأولى؟! إنت كنت متجوز قبلي؟! وأنا مراتي الأولى إزاي ولسه مخلفهم في 2018 و2021 وإحنا متجوزين من 2016؟! كذاب! كذاب!

— استني يا مريم والله هفهمك… العقد القديم كان…

قاطعته وأنا بمد إيدي لشنطتي وطلعت ورق التأمين:

— مفيش تفسير.. والمستشفى والاعتراض هما اللي هيطلعوا الحقيقة كلها، حتى لو الكل بيكذب!

أخذت نفس عميق وأنا حاسة إن الأرض بتدور بيا، وبصيت له نظرة خلت كل الكلام يقف في زوره.

— متجوز قبلي؟ وعليها ولدين؟ طيب ماشي، هنمشي معاك في كذبتك دي يا أحمد… بس فهمني بذكائك الخارق: لو هما ولاد مراتك الأولى، اتسجلوا باسمي أنا ليه؟ وبرقمي القومي ليه؟ وعلى تأميني أنا ليه؟ ما دامت مراتك وعندها تأمينها أو حتى ورقة عادية، إيه اللي يخليك تستخدم بياناتي أنا؟!

أحمد بلع ريقه بصعوبة، وبان عليه الارتباك الشديد، وحاول يبرر بكلام غير منطقي:

— اصل.. اصل في الوقت ده.. التأمين بتاعي كان وقف، وهي مكنش عندها تأمين، وأنا كنت…

— كنت مفلس؟ ولا كنت خايف حد يعرف بوجودها أصلاً؟

قاطعت كلامه وفتحت الأوراق اللي في إيدي بقوة:

— التاريخ اللي مكتوب في المستشفى الأولى كان في يوليو 2018، والتانية في نوفمبر 2021. في التارين دول بالضبط، أنا مكنش ليا أي ملف ولادة، بس كنت أنا في بيت أهلي أو مسافرة، وأنت كنت حر طليق! والأدهى من كده، إني سمعتك بنفسي وأنت بتقول في البلكونة “ظهرت.. والاتنين… وقدمت اعتراض”! مين اللي كانت على التليفون يا أحمد؟ مراتك الأولى اللي بتقول عليها، ولا أم الولاد اللي مخبيها عني؟

حاول أحمد يقرب مني ويمسك إيدي، بس سحبتها بسرعة وعنف:

— مريم.. عشان خاطري اهدي، هقولك الحقيقة كلها.. بس ابعدي عن موضوع التأمين ده دلوقتي عشان ميجيبناش في مصيبة!

— مصيبة إيه تاني أكتر من إن جوزي اللي عشت معاه عشر سنين مطلعش أعرفه، وإني لقيت نفسي أم لولدين على الورق وأنا لسه بحمل لأول مرة في حياتي؟! اسمع يا أحمد.. الاعتراض اتقدم، والمستشفى هترجع لأصل المستندات، والبوليس أو الشؤون القانونية هتكشف مين اللي مضى ومين اللي انتحل صفتي!

في اللحظة دي، تليفون أحمد رن على الترابيزة.

الشاشة أنارت باسم مكالمة واردة.. من غير اسم، ظاهر بس رقم موبايل.

أحمد بص للتليفون برعب، ورجع بص لي.

مد إيده بسرعة عشان يقفل الخط، بس أنا كنت أسرع منه.. هجمت على التليفون، وفتحت السبيكر وضغطت رد، وقبل ما ينطق بكلمة واحدة، صرخت في التليفون:

— مين معايا؟! وإيه علاقتك بجوزي وأولاده اللي مسجلين باسمي؟!

سكتت السماعة لمدة ثانية، وبعدين جه صوت نسائي هادئ، بس نبرته كانت قوية ومليانة تحدي وثقة مرعبة:

— وأنتِ بقى اللي طلعتِ مراته الجديدة اللي مش عارفة حاجة؟ أهلاً بيكِ يا مدام مريم.. أنا بقى أم الولاد، والست اللي أحمد مخبيها عنك في الشقة اللي تمليك اللي في أكتوبر من سنين!

الدنيا سادت قدام عيني، والورق وقع من إيدي على الأرض.

أحمد حط إيده على دماغه وهو بينهار:

— خلاص يا مريم… اللعبة خلصت.

* تفتكري إيه حكاية الشقة اللي في أكتوبر والولاد دول؟ وهل أحمد متجوزها فعلاً بعقد رسمى ولا في سر أكبر بكتير مستخبي؟

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى