
الجزء السادس: بداية جديدة ونور حقيقي
العدّ تنازلي لوصول ابني كان ماشي أسرع من أي حاجة تانية في الدنيا. بعد ما قفلت صفحة أحمد نهائيًا، وخرجت من دايرة الكذب والتزوير، حسيت إن روحي رجعت لي. الشقة اللي كنت حاسة إن جدرانها خانقاني بقت واسعة ومنورة، خصوصًا بعد ما فرشت أوضة البيبي بـ إيدي الاتنين، من غير أي مساعدة ولا وعود كذابة. ألوانها كانت هادية: أبيض في سماوي فاتح، وكل ركن فيها كان بينبض بالحياة والأمل.
في يوم، وأنا قاعدة بظبط السرير الصغير، رن جرس الباب.
فتحت، وكانت المفاجأة… طليقة أحمد — أو الست بتاعت أكتوبر زي ما كنت مسمياها — واقفة قدامي.
في الأول، جسمي اتشد وكنت هقفل الباب في وشها، بس بصيت لها كويس. مكنش في عيونها أي نظرة تحدي أو غرور زي يوم المكالمة… كانت مكسورة، وشاحبة، وشكلها بيقول إنها شافت أيام أصعب بكتير مني.
قالت بصوت مكسور ومرجوف:
— ممكن أدخل يا مريم؟ أرجوكِ.. دقيقة واحدة مش أكتر.
وقفت قدام الباب ثواني، وبعدين فتحته ووسعت لها الطريق بهدوء:
— اتفضلي.
قعدت على الحرف، ونزلت دموعها بصمت قبل ما تنطق بكلمة:
— أنا عارفة إنك بتكرهيني.. وحقك، والله حقك ألف مرة. أنا جيت أقولك إن أحمد اتقبض عليه رسمي في الشغل، وقضية التزوير بقت جناية مش مجرد تحقيق عادي، والشركة ما سابتش حقها.
رديت عليها بصوت ثابت ومن غير أي انفعال:
— وأنا مالي يا مدام؟ أحمد اختار طريقه، وبيلقي جزاء كذبه وخداعه لينا إحنا الاتنين.
هزت راسها باستسلام وقالت:
— عندك حق.. أنا كمان كنت مغفلة زيك. صدقته لما قال لي إنه هيطلقك، وصدقته لما كتبني عرفي، وصدقته لما عمل حكاية التأمين دي وقاللي “دي أوراق إدارية عشان العلاج”.. مكنتش أعرف إنه بيلعب بينا إحنا الاتنين، وإنه أناني لدرجة إنه يدمر حياتي وحياتك وحياة ولاده! الولدين دول تمنهم ضاع.. ضاعوا في وسط كذبه وهروبه.
بصيت لها بنظرة فيها شوية شفقة، بس قلت بحسم:
— للأسف يا مدام، كل واحد بيتحمل عواقب اختياراته. أنا كمان كاد عمري يضيع في كدبة كبيرة، وكنت هشيل ذنب مش ذنبي لو سكت. الغلط مش عليكي لوحدك، ولا عليا… الغلط على إنسان استحل الخداع والكدب أساس لحياته.
قامت وقفت وهي بتمسح دموعها، وقالت بصوت هادئ:
— أنا جيت أعتذر لك.. ومش هتشوفي وشي تاني أبدًا. ربنا يقومك بالسلامة إنتِ واللي في بطنك، ويهديكي للي فيه الخير.
مردتش عليها. مشيت وسابت الباب ورائها مفتوح شوية، قفلته بهدوء، ورجعت لأوضة البيبي. حسيت ساعتها إن الماضي خلاص اتقفل، بكل ما فيه من وجع وصدمات.
بعدها بشهرين، سمعت صرخات ابني الأول في الدنيا… “حمزة”.
لما شلته بين إيدي لأول مرة، وحسيت بنبضات قلبه الصغيرة، عرفت إن كل دمعة نزلت، وكل وجع عشته، كان مجرد اختبار عشان أكون قوية، وأستاهل النعمة دي.
بقيت أم لوحدي، بس بـ ألف راجل. وبدأت أنا وحمزة حكاية جديدة، عنوانها الوحيد: الصدق والنور.
الجزء السابع والأخير: شروق حقيقي بلا أطياف
السنوات بتجري بسرعة، وكأن الأيام بتقرر تعوضنا عن كل دقيقة وجع عشناها. “حمزة” دلوقتي كمل سنين وسنين، وبقى ضهري وسندي الصغير. عيونه اللي بتلمع بالذكاء والضحكة البريئة اللي بتملى البيت حياة، كانت دايماً بتفكرني إني كسبت المعركة الأهم في عمري.
بعد القضية وما انتهت بحكم قاسي على أحمد بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال التأمين، انتهت سيرته تماماً من حياتنا. لا شفناه ولا سمعنا عنه حاجة؛ اختفى زي ما كل كذبه اختفى قدام النور والحقيقة.
أما عني أنا؟
رجعت شغلي، وبدأت أطور من نفسي ومن كورسات ومجالات جديدة لحد ما مسكت إدارة قسم في شركتي. قدرت أربي ابني تربية سوية، بعيدة عن أي كذب أو تزييف. كل ما كان حمزة يكبر ويسألني: “بابا فين يا ماما؟”، كنت باخده في حضني وأقوله بصوت ثابت وواضح: “بابا مش معانا يا حبيبي، بس أنا مكفياني ومكفياك، وإحنا لينا ربنا وكرامتنا أغلى حاجة في الوجود”.
في يوم من الأيام، وأنا خارجة من الشغل، لقيت وسيلة نقل عامة معدية، ولمحت في الشارع وجه مالوف جداً.
كانت “طليقة أحمد” أو الست بتاعت أكتوبر.
كانت ماشية في الشارع ماسكة إيد ولادها الاثنين اللي كبروا هما كمان، وشكلها كان متبهدل وتعبان من قسوة الأيام ومسؤولية التربية لوحدها من غير سند. بصت لي نظرة سريعة، وعنيها انكسرت في الأرض، وكأنها بتستحضر كل يوم مر عليه بسبب أحمد.
وقفت ثواني بصيت لها، مبدتش أي شماتة، ولا حتى عتاب. حسيت بسلام غريب بيملى قلبي. إحنا الاتنين كنا ضحايا لنفس الشخص الكذاب، بس الفرق… إن واحدة فينا قررت تقف على رجلها وتواجه، وواحدة استسلمت للخداع من الأول.
كملت طريقي بخطوات ثابتة وسريعة لحد ما وصلت للمدرسة، لقيت حمزة مستنيني على الباب، أول ما شافني جري عليّ ورمى نفسه في حضني:
— ماما! اتأخرتِ ليه؟ كنت مستنيكي عشان أقولك إني جبت الدرجة النهائية في الإملاء!
شيلته وبسته بحب الدنيا كلها، وقولت وأنا باصّة للسماء الصافية:
— حقك عليا يا روح قلبي.. ألف مبروك يا بطل. يلا بينا نرجع بيتنا.
دخلنا شقتنا المنورة، اللي مفيهاش أي ركن مظلم، ولا باب مداري وراه سر. فهمت متأخر إن أكبر مكسب خرجت بيه من التجربة دي كلها، مش بس إني عرفت الحقيقة وطلعت حقي بالقانون، لا… المكسب الحقيقي هو إني اكتشفت “قوتي”. عرفت إني أقوى بكتير مما كنت متخيلة، وإني أقدر أبني عالم كامل من الصفر، عالم نضيف، وصادق، وما فيهوش مكان لأي كدبة.. مهما كانت صغيرة.



