
عزة دخلت وشايلة شنطتها، ووراها العيال، وبكل برود كانت بتقلع جزمته وتقول: “يا محمد يا ابني هات ازازة مية من التلاجة، الموصلات كانت زفت النهاردة…”.
قبل ما تكمل كلمتها، لقت محمد واقف قدامها، ووشه أحمر زي الجمر وعيونه بتطلع شرار. مسكها من دراعها بقوة وعنف وشدها جوة الشقة، ورمى في وشها الورق والعقود اللي على الأرض وصوت صراخه ملا البيت:
— اطلقي! كلو بان! إيه ده؟! إيه الخيانة دي كلها يا فاجرة؟!
عزة أول ما شافت الخزنة والعقود مرمية على الأرض وعليها العقود وشغلها السرّي، وشها اصفر وبياض عينيها اختفى كأنها شافت شبح. حاولت تبلع ريقها، ووشها جاب ألوان، وبصتلي أنا ومحمد بارتباك وقالت بصوت مهدود:
— أنتوا… أنتوا دخلتوا أوضتي إزاي؟! وفين احترامكم لخصوصيتي؟!
صرخت فيها وأنا بجري عليها، والكلبشات في صدري بتولع:
— خصوصية إيه يا قلة الأدب؟! خصوصية إيه وإنتِ بايعة ابني وبتصرفي على عشيقك من عرق جوزك الغلبان؟! عقود إيه دي؟! شقة إيه اللي شراها ومكتوبة باسم مين؟!
محمد مسكها من كتفها وهزها بعنف وقال بصوت مبحوح من كتر القهر:
— أنطقي! متجوزة عليا يا عزة؟! أنا اللي كنت محيلتيش غيرك وكنت مسمعك كلام أهلي في سبيل إنك تشيلي معايا، تطلعي كاتمة مصايب وشارية راجل تاني بفلوسي وبمرتبك؟!
عزة لقت إن الكدب ملوش فايدة، وإن الحقيقة بقت على اللواح، فرتفع راسها بكل وقاحة وجبروت، وسحبت دراعها من إيده وقالت بصوت عالي:
— أه متجوزة! وعندك حق، أنا جوزي التاني راجل بيقدر، مش بخلان زيّك، ومش قاعد مستني قرشين من مراته عشان يصلح عربيته! أنا اتجوزته لأني حسيت معاه بالأنوثة اللي ضاعت وأنا عايشة معاك ومع أمك اللي مابتفارقناش!
الجملة نزلت عليّ زي الصاعقة، حسيت إن روحي بتطلع من كتر الوقاحة. جريت عليها وكنت هضربها بالقلم، بس محمد مسكني بحذر وهو منهار تماماً، وبص لها نظرة أخيرة مفيهاش أي رجعة، وقال بصوت حاسم:
— برّ بيتي… برّ بيتي دلوقتي حالاً! وانتي طالق يا عزة، طالق بالثلاثة، ومش هتاخلي معاكي مليم واحد من اللي سرقتيه، وكل عقودك دي هتكون في المحكمة بكره تثبت سرقتك وخيانتك!
عزة بصت لنا نظرة تحدي وقالت بغرور مستفز:
— تشكر يا خويا! الشقة دي أصلاً بالنص، وفلوسي حرّة فيها، وأنا ماشية برضايا، بس ولادك دول مش هتشوفهم غير في المحاكم!
خدت شنطتها ومشت وسابت العيال واقفين بيعيطوا ومستغربين إيه اللي بيحصل. محمد قعد على الأرض وحط راسه بين إيديه، وانهار من العياط لأول مرة أشوفه فيه بالضعف ده.
أما أنا، فوقفت جنبه، وحسيت بندم فظيع… ندم إني أنا السبب اللي خلاني أزن عليه يتجوزها من الأول، بس الندم مبقاش ينفع، ودلوقتي مفيش قدامنا غير ساحات المحاكم عشان ناخد حقنا ونربي الخاينة دي من أول وجديد.
الجزء الرابع:
تاني يوم الصبح بدري، مكنش فيه وقت للدموع ولا للحزن. محمد صحى وعيونه حمرا من كتر التطليع والسهر، ولقيته واقف بيلم ورق الخيانة والعقود وكل المستندات اللي لقيناها في الدرج السحري تحت الدولاب.
خدت العيال في حضني، وقولت لمحمد:
— إحنا مش هنبكي على حليب مسكوب يا ابني.. الست دي دخلت بيتنا بالكدب والخداع، وطلعت خاينة وبتسرق عرقك عشان تصرف على غيرك. الحق مش بيضيع، والمحاكم هترجع لك كل مليم اتسرق منك.
نزلنا سوا، وطلعنا على محكمة الأسرة ومحاكم الجنايات، ومعانا محامي شاطر حكينا له القصة من أُسها لراسها. أول ما المحامي شاف العقود، وشاف إن عزة كاتبة جزء من فلوسها ومرتبها في شهادات وشقق باسم شخص تاني، وشافت عينه رسائل التحويلات البنكية، ابتسم وقال بثقة:
— اطمنوا خالص.. دي مش مجرد قضية طلاق وخيانة، دي قضية نصب وسرقة أموال زوجية، وإحنا هنطالب بالحجز على كل أموالها وممتلكاتها اللي اشترتها بفلوسك يا محمد، وهنرفع قضايا لإسقاط حضانة العيال بسبب عدم أمانتها وسلوكها المشين!
بدأت الجلسات، وعزة كانت فاكرة إنها بالغرور والوقاحة بتاعتها هتقدر تهرب من العقاب. في أول جلسة، دخلت قاعة المحكمة وهي رافعة راسها، ومعاها محامي تاني، وطلبت نفقة ومتجمدات ومؤشر صداق، ومكتفيش بكده، دي حاولت تلوّح بتهديدها القديم إنها “هتاخد العيال ومش هتخليهم يشوفوا أبوهم طول عمرهم”.
لكن القاضي والمحامي بتاعنا كانوا قفلوا عليها كل الطرق.
لما جه دور محامينا، قدم ملف كامل متكامل: سحب رصيد حساباتها البنكية، عقود الشقة التمليك اللي اتشرت في فترة الزواج بفلوس محمد ومرتبها اللي كانت بتحرمنا منه، وصور التحويلات لعشيقها، وزواجها السري الموثق.
القاضي بص لعزة نظرة حادة مرعبة، وقال بصوت عالي ملا القاعة:
— إزاي واحدة تستغل بيت جوزها وأمانه وتجمع بين زوجين وتسرق أمواله عيني عينك؟! المحكمة لا تتردد في ردع أمثال هذه النماذج!
القاضي أصدر حكمه الفوري:
— أولاً: تطليق الشاكية للضرر والخيامة الزوجية.
— ثانياً: إلزام المدعى عليها برد كافة المبالغ المالية والعقود والأصول التي ثبت سرقتها من أموال زوجها السابق، والحجز القضائي على الشقة المشتراة لرد الحقوق لأصحابها.
— ثالثاً: إسقاط حق الحضانة عنها لانعدام الأمانة والأخلاق، وانتقال حضانة الطفلين للأب (محمد) بمساعدة جدتهم.
عزة أول ما سمعت الحكم، وقعت على كرسيها في قاعة المحكمة ووشها اصفّر، وغرورها انكسر في ثانية واحدة. محاميها نفسه سابها ونسحب من القضية بعد ما شاف هول الفضيحة والكارثة اللي كانت مخبياها.
طلعت من قاعة المحكمة، ولقيت محمد ماسك إيد عياله، وعينه مليانة دمعة فرح وراحة. بص لي وقال بصوت متهدج:
— حقنا رجع يا أمي.. وعرقي اللي ضاع رجع لأصحابه.
ابتسمت له وأنا باخد العيال في حضني، وحسيت إن الغلطة الكبيرة اللي عملتها زمان لما زنّيت عليه يتجوزها، ربنا سترها ورجع حقنا وورّانا حقيقتها على أصلها، عشان نعرف إن اللي يبنى على الكدب والخياعة، نهايته دايماً الخراب.
الجزء الخامس والأخير:
حكم المحكمة كان بمثابة طوق النجاة اللي نزل على بيتنا وغسل كل آثار الخيانة والقهر اللي عشناها. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام مسرح لألاعيب عزة وأسرارها السودا، رجع لها الهدوء والسلام بعد ما طردنا طيفها البغيض منها نهائياً.
العقود والشقق والممتلكات اللي كانت محوشاها من عرق محمد ومنعانا من لقمة العيش عشانها، رجعت بحكم القاضي لصاحبها الحقيقي. محمد صفى كل الأمور دي، وخد فلوسه وحطها في حساب باسم العيال عشان يضمن لهم مستقبلهم ومحدش يقدر يسرق حقهم تاني أبداً.
أما عن العيال، فبقوا في حضن أبوهم وتحت عيني وعنايتي. في الأول كانوا متأثرين بغياب أمهم، بس بحضننا الدايم واهتمامنا، بدأت الضحكة ترجع لوشوشهم، والبيت رجع ينبض بالحب والونس الحقيقي. محمد بقى راجع من شغله بيجري عشان يقعد مع ولاده ويلعبهم، من غير هم المصاريف اللي كانت طايرة في الهوا، ومن غير ذل ست خاينة كانت بايعة البيت من أول يوم.
في يوم، كنا قاعدين في الصالة بالليل، والعيال نايمين في أوضتهم هاديين ومطمنين. محمد جه وقعد جنبي على الكنبة، ومسك إيدي وباسها بحب وقال بصوت دافئ:
— عارفة يا أمي؟ لولا وقفتك جنبي في المحنة دي، ولولا إنك فتحتي عيني على الحقيقة في الوقت المناسب، كنت زماني ضعت وضيعت عيالي معايا. سامحيني لو في يوم زعلتك أو ضغطت عليكي.
ابتسمت له بحنان، وحطيت إيدي على راسه وقلت:
— أسامحك على إيه يا ضنايا؟ أنا اللي كنت سبب الجوازة دي من الأول، وأنا اللي زنّيت عليك عشان تبعد عن بنت أخويا اللي كانت أصيلة وبنت ناس، بس ربنا أراد يوريني عاقبة الاختيار الغلط. الأهم إننا فُقنا في الوقت المناسب، ورجعنا لبعض سِند وضهر.
ابتسم ابتسامة هادية، وقال بيقين:
— من النهاردة مفيش ست تدخل بيتنا غيرك يا أمي، ومفيش واحدة تشيل همنا.. إحنا مع بعض، وهنربّي الولاد أحسن تربية.
مرت الأيام، ورجعت الحياة لطبيعتها، بس بطعم أحلى وأصفى. اتعلمنا إن الست الأصيلة هي اللي بتبني مش بتهد، وإن الجواز مش مجرد مرتب وشغل، ده أمان وعِشرة وستر. وعزة… راحت لحال سبيله، تاخد جزا طمعها وخيانتها لوحدها، وسابتنا نبدأ حياة جديدة نظيفة، عنوانها الأمان والرضا.



