Uncategorized

حكايات زهره الربيع 3

جريت في الشارع زي المجنون، المطر بيضرب في وشي والأرض بتتزحلق تحت رجلي، مش شايف قدامي غير جثتها المرمية على الإسفلت المبلول والكرتونة المتغرق أوراقها جنبها. وصلت عندها في ثوانٍ، رميت نفسي على الركبي في الشارع، وسحبتها من الأرض وحضنتها بكل قوتي.. الحضن اللي انحرمت منه سنة كاملة، الحضن اللي كنت بموت عشان ألمسه!

أنا بصراخ وبكاء هيستيري: “بنتي! قومي يا حبيبتي.. قومي يا قلب أباك! سامحيني يا رب، يا رب ما تاخدهاش مني، قومي عشان خاطري!”

كانت ساقعة زي الثلج، وشها أصفر زي الموت، وعينيها مقفولة تماماً. جسمها كان خفيف جداً في إيدي، كأني شايل ريشة، مش دي البنت اللي كانت مليانة صحة وحيوية في بيتي. مسكت وشها بإيديا اللي بترتعش، بقيت أبوس في جبينها وفي إيديها وفي شعرها المبلول بالمية، وأنا بصصرخ وبطلب المساعدة من أي حد في الشارع.

صاحب المكتبة خرج يجرِ على الصوت، ولما شافني ماسكها وبصرخ، اتخض وقال: “في إيه يا حاج؟! أنت مين؟! ابعد عنها!”

صرخت فيه والدموع مالية عيني: “أنا أبوها! الحقني يا بني، بنتي بتموت في إيدي! اطلب إسعاف بسرعة!”

الراجل اتصدم، وجري يجيب عربية. شلتها بين إيديا، وما كنتش مصدق إني شايلها تاني، بس المرة دي مكانتش طايرة من الفرحة وهي راجعة من مدرستها، المرة دي كانت غايبة عن الوعي ومجهدة لدرجة تخوف. دخلناها عربية صاحب المكتبة، وطار بينا على أقرب مستشفى حكومي في المحافظة.

طول الطريق، كنت ماسك إيدها الصغيرة الباردة، بضغط عليها وأحطها على قلبي، وأتوسل لربنا في سري: “يا رب خذ عمري واديلها، يا رب عقابك ليا كان كبير، بس بلاش هي.. بلاش تحرمني منها للأبد.”

وصلنا المستشفى، الدكاترة والممرضين جُم جري وسحبوها مني على التروللي، ودخلوها أوضة الطوارئ وقفوا الباب في وشي. قعدت على الأرض برة الأوضة، ضهري مفرود على الحيطة الساقعة، وهدومي مبلولة بتشر مية ومطر، وأنا بضرب راسي في الحيطة وببكي بصوت جاب كل اللي في الممر حواليا.

صاحب المكتبة جه وقعد جنبي، حط إيده على كتفي وقال باستغراب: “أنت أبوها بجد؟ البنت دي شغال معايا بقالها شهور، كانت بتقول إن ملهاش حد في الدنيا غير خالها، وكانت بتتعب وتقاوم وتقول لازم أعتمد على نفسي! أنت فين من زمان يا حاج؟ البنت دي كانت بتاكل لقمة ناشفة وبتنام أربع ساعات بس في اليوم عشان توفق بين دراستها وشغلها!”

كل كلمة كان بيقولها كانت بتنزل عليا زي ضربات الساطور. قفلت عيني وما قدرتوش أرد.. أقوله إيه؟ أقوله إني أنا اللي طردتها؟ إني أنا اللي بعتها عشان وحدة حية أكلت عقلي؟

بعد ساعة طويلة مرت كأنها ألف سنة، خرج الدكتور من الأوضة وهو بيمسح عرقه. اتنطرت من على الأرض ومسكت في بالديكتار: “طمني يا دكتور! بنتي جرالها إيه؟! أرجوك قولي إنها كويسة!”

الدكتور بصلي بأسى وتنهد: “هي عندها هبوط حاد في الدوره الدموية، وأنيميا شديدة جداً وصلت لمرحلة الخطر، ده غير إرهاق عصبي وبدني كامل. البنت دي مش بتاكل يا حاج، وجسمها مستهلك تماماً. احنا علقنا لها محاليل وأكياس دم، والحمد لله لحقناها في أخر لحظة.. بس هي محتاجة راحة تامة واهتمام، وإلا قلبها مش هيستحمل المجهود ده تاني.”

نزلت على ركبي في الممر وسجدت لله وأنا بعيط وبقول: “الحمد لله.. الحمد لله يا رب إنك ما حرمتنيش منها.”

الدكتور كمل كلامه: “هي بدأت تفوق دلوقتي، تقدر تدخل تشوفها.. بس بلاش أي توتر.”

قمت بخطوات تقيلة، إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح باب الأوضة. كانت قاعدة على السرير، المحاليل متوصلة في إيدها، ووشها باهت تماماً. أول ما باب الأوضة اتفتح وشافتني واقف على الباب.. عينيها وسعت، والملامح الهادية اللي على وشها تحولت في ثانية لصدمة ورعب!

قعدت أتطلع فيها وأنا مقدرش أقف، مشيت ناحيتها بخطوات متقطعة، والدموع مغرقة وشي: “حبيبتي.. ألف سلامة عليكِ يا قلب أباكِ.”

أول ما سمعت صوتي وشافت منظري المبهدل وهدومي المبلولة، وشها اتقلب تماماً. مكانتش نظرة حنان ولا ضعف.. كانت نظرة غضب وقسوة وجع في نفس الوقت. سحبت إيدها اللي فيها المحلول بعيد عني، وبصتلي بصوت جاف طالع بالعافية من زورها المبحوح:

“أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت بتلاحقني ليه؟”

أنا بانهيار، وقعدت على الكنبة اللي جنب السرير وحاولت أمسك إيدها: “أنا كنت خايف عليكِ يا بنتي! أنا ماشفتش قدامي لما وقعتي في الشارع.. أنا عايش سنة كاملة بموت في اليوم ألف مرة! ارجوكِ يا حبيبتي سامحيني، أنا طلقت سميرة من أول يوم، أنا بعت الشقة ونزلت أدور عليكِ في كل شبر.. أنا تحت رجليكِ، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس بلاش النظرة دي!”

بصتلي بثبات مرعب، ودمعة واحدة بس نزلت من عينها، مسحتها بسرعة وقالت ببرود أشد من الثلج:

“أنت فاكر لما تطلقها أو تجيلي هنا مغرق نفسك مطر، إني هنسى؟ فاكر إني هجري في حضنك وأقولك حصل خير يا بابا؟ القلم اللي أخدته منك يا محسن بيه، ما كانش على وشي.. كان على كرامتي وعفتي. أنت صدقت فيها إن بنتك مش متربية، ضربتني قدام أختها عشان ترضيها، وسيبتني محبوسة ثلاث أيام من غير أكل ولا مية ولا حتى خبطت عليا تسألني أنا حية ولا ميتة!”

أنا بصرخ وبترجاها: “كنت أعمى! الشيطان عمى قلبي وعقلي، والله العظيم كنت غبي ومخدوع! حقك عليا.. اضربيني، خدي حقك مني بالقلم وبالجزمة، بس بلاش ترميني برة حياتك كده!”

ردت بنبرة خلت قلبي يتفتت لمليون حتة: “أنا مش هضربك، ولا ههينك.. لأنك في الأول والأخر أبويا، وأنا أتربيت على إني أتعامل بأصلي مش بأصل غيري. بس أنت بالنسبة ليا بقيت غريب. وجودك هنا بيخنقني، وبيفكرني بأبشع أيام حياتي. أنت طردتني من بيتك وقعدت تصالح في اللي أهانت أومي.. ودلوقتي أنا بطلب منك تخرج من حياتي. أخرج يا بابا.. وسيبني أعيش اللي فاضلي بكرامتي.”

صرخت بحسرة: “أنا مش هسيبك هنا تشتغلي وتتبهدلي في الشوارع وأنا عايش! أنتِ بنتي الوحيدة، أنا هقعد تحت رجليكِ هنا في المحافظة دي، هشتغل أي حاجة جنب سكنك، بس أشوفك من بعيد وأطمن عليكِ!”

في اللحظة دي، طق الخرطوم بتاع المحلول من إيدها وهي بتقوم تقعد بالعافية، وصوتها علي لأول مرة بغضب رهيب:

“لو ما مشيتش دلوقتي وحلفت إنك ما هتعرف طريقي تاني، أنا هسيب الجامعات كلها وهسيب المحافظة وهختفي في مكان محدش يعرفه.. حتى خالي أحمد مش هخليه يعرف طريقي! أنت عايز تصدمني تاني؟! عايز تخليني أهرب في أنصاص الليالي تاني وأنا جسمي بالضعف ده؟! غور من قدامي يا أخي! سيبني في حالي بقى!”

الكلام نزل عليا كأنه صاعقة. الدكاترة والممرضين دخلوا يجروا على صوت صراخها والدم اللي بدأ ينزل من إيدها مكان الخرطوم. الدكتور مسكني وبدأ يزقني لبرة الأوضة بحدة: “أنت بتعمل إيه يا حاج؟! البنت حالتها حرج وممكن تخش في أزمة قلبية! اطلع برة فوراً!”

كنت بتبصلي بانهيار وهي بتبكي بكاء هستيري وبتقول للممرضة: “طلعوه برة.. مش عايزة أمد إيدي على حد ولا تشوف وش حد من الماضي!”

انسحبت لبرة الأوضة وجسمي كله بيرتعش، الباب اتعزف في وشي. قعدت على الأرض في الممر المظلم بتاع المستشفى، حاطط إيديا على راسي، والصوت جوايا بيموتني.. عرفت إن وجودي جنبها بقا هو الموت بالنسبة لها، وإن محاولتي لمسح الماضي بتزيد الطين بلة.

فضلت قاعد قدام باب الأوضة طول الليل زي الكلب الحراسة، مش قادر أمشي ومش قادر أدخل. ومع شروق شمس اليوم الجديد، خرج الممرض وقال ببرود: “البنت كتبت إقرار على نفسها وخروج على مسؤوليتها الشخصية.. وسابت المستشفى من ساعة من الباب الخلفي.”

وقفت مصدوم، الشارع كان فاضي، والبنت هربت تاني.. هربت مني ومن المستشفى وهي لسة تعبانة، لمجرد إنها خايفة تلمح خيالي جنبها!

نزلت عليا الكلمة زي القاضية اللي أجهزت على باقي رمق فيا.. “خرجت من الباب الخلفي؟!”

طلعت أجرِ لبرة المستشفى زي المخبول، ألتفت يمين وشمال، الشوارع في الصباح الباكر كانت لسه بتتنفض من النوم، الهواء الساقع بيخبط في وشي المبلول بالدموع والمطر. بقيت أجرِ في الشوارع المحيطة بالمستشفى وأنا بتخشب من البرد، أنادي اسمها بصوت مبحوح مكتوم، أسأل أصحاب المحلات اللي يلا دوب بيفتحوا، أسأل سواقين التاكسيات: “ما شفتوش بنت طالعة من المستشفى؟ وشها أصفر، تعبانة، لابسة كذا؟”.. والكل كان بيبصلي بستغراب ويهزوا راسهم بالنفي.

رجعت للمكتبة اللي كانت شغالة فيها وأنا بركبي بتتخبط في بعضها. قعدت على الرصيف قدام الباب المقفول أستنى صاحبها. أول ما جه وفتح، اتنطرت عليه ومسكت في هدومه: “جت هنا؟ رجعت الشغل؟”

الرجل زق إيدي بالراحة وهو زعلان عليا وعليها وقال: “يا حاج اتقِ الله في نفسك وفيها! البنت جت الصبح بدري، كانت بتتطوح ومش قادر تقف على رجلها، أخدت باقي حسابها وسابت الشغل، وقالتلي أبلغك لو شفتك إنك لو مشيت وراها أو سألت عليها في سكن الطالبات، هتركب أول عربية لأي محافظة تانية وما حدش هيعرف لها طريق بعد كده تاني أبدًا! ارحمها وارحم نفسك يا راجل!”

التهديد كان كفيل يكتف إيدي ويقطع رجلي. قعدت على الأرض قدام المكتبة، حاطط راسي بين إيديا، بعيط بصوت مسموع والناس معدية تبص عليا. بقيت محبوس في جحيم لا أطاق: لو قربت منها ودورت عليها هتهرب وتضيع في البلاد وهي بالجسم الضعيف ده والمريض ده، ولو سبتها ومشيّت هعيش الموت كل ثانية وأنا عارف إن حتة مني بتتبهدل وتدبل لوحدها في الغربة!

قعدت في المحافظة دي شهر كامل.. شهر كامل عايش زي الأشباح. أخدت أوضة في لوكاندا رخيصة قريبة من منطقتها، ما أقدرش أقرب من سكنها ولا أروح جامعتها، بس كنت بكتفي إني أقعد على قهوة بعيدة جدًا، في الممر اللي عارف إنها لازم تعدي منه وهي رايحة الكلية.

كنت بشوفها من بعيد.. ألمح خيالها وهي ماشية، دبلانة، خطوتها بطيئة، بس زات معافرة. مكانتش بتلتفت يمين ولا شمال، شايلة كتبها ومكملة. وكنت أنا وأنا قاعد بعيد، أبعث معاها دعواتي ودموعي، أدعي ربنا يحميها، ويقويها، ويحفظها من ولاد الحرام. بقيت أروح للجامعة بالليل بعد ما تفضى، أقعد جنب السور الخارجي، وأقول: “يا رب أنت الشاهد إني ظلمت، وأنت الشاهد إني ندمت.. احميلي بنتي وأنا راضي بأي عقاب”.

وفي يوم، وأنا قاعد في اللوكاندا تعبان ومش قادر أرفع راسي، جسمي انهار تمامًا من كتر الحزن والقلة الأكل والبرد. جاتلي سكتة قلبيّة خفيفة مع هبوط حاد. أصحاب اللوكاندا نقلوني للمستشفى الحكومي اللي بنتي كانت فيها.

فضلت محجوز في العناية المركزة أيام، بين الحياة والموت. كنت حاسس إن خلاص دي النهاية، وإن ربنا بيخلص ذنب بنتي مني. وفي أشد لحظات التعب، وأنا بين الوعي والغياب، فتحت عيني بالليل.. لقيت خيال واقف جنب السرير.

افتكرت نفسي بحلم أو بطلع في الروح.. بس لما ركزت، لقيتها هي!

كانت واقفة جنب السرير، لابسة بالطو أسود ثقيل، وشها شاحب، وعينيها فيها لمعة دموع مكتومة. مكانتش بتعيط بصوت، بس دموعها كانت بتنزل بسكات على خدودها.

أنا بصوت طالع بالعافية كأنه حشرجة الموت: “بـ..بنتي؟ أنتِ هنا؟ ولا أنا بموت وبشوفك؟”

قربت خطوة واحدة بس، ما مسكتش إيدي، وما قربتش تحضنّي، بس صوتها الهادي المكسور خرج متقطع:

“صاحب اللوكاندا عرف خالي أحمد.. وخالي كلمني وقالي إنك بتموت.”

جمعت كل قوتي ومديت إيدي اللي فيها الأجهزة والمحاليل عشان ألمس طرف إيدها، بس إيدها اترددت وما قربتش. بصيت في عينها وقولت والدموع بتسيل من جنابي: “سامحيني يا بنتي.. أنا خلاص ماشي، طالع لربنا.. قوليلها سامحتك يا بابا عشان أقابل ربنا وأنا مش شايل ذنبك على كتافي. القلم اللي ضربتهولك كان ضربة لقلبي أنا.. أنا بعت الدنيا كلها بعدك، ورميت سميرة تحت رجلي برة البيت.. والله ما حبيت ولا هحب حد أدك وأد أمك.”

بصتلي أطول نظرة في حياتي، نظرة صراع مرير بين طفلة جواها بتحن لأبوها اللي رباها، وبين بنت اتكسرت كرامتها واتهانت عفتها من أقرب إنسان ليها.

شفايفها اترعشت، ودمعة ثقيلة نزلت على خدها، وقالت بصوت يقطع القلب:

“أنا مش حاقدة عليك يا بابا.. ولا بدعي عليك. أنا كل ليلة كنت بطلب من ربنا يسامحك على اللي عملته فيا. بس الجرح اللي في قلبي أكبر مني ومنك. القلم ده صحاني على حقيقة إن الأمان في الدنيا دي كدبة، وإن حتى الأب ممكن يبيع بنته في ثانية عشان وهم. أنا جيت عشان ما يبقاش عليا ذنب لو جرالك حاجة.. بس ما تطلبش مني أرجع البنت القديمة، لأن البنت دي ماتت الليلة اللي قفلت فيها باب الأوضة عليا وأنت بتضربني.”

شهقت بالبكاء وقلت: “طب اديني أمل.. اديني فرصة واحدة أصلح بيها اللي أفسدته! تعالي عيشي معايا، مش هتدخلي بيتي، هنأجر شقة هنا جنبك، أخدمك، أطبخلك، أكون تحت رجلك بس أشوفك كل يوم!”

سكتت لثواني طويلة، النبض على الشاشة كان بيسرع من توتري وخوفي من ردها. رفعت عينها وبصتلي بمنتهى الجدية وقالت:

“الدكتور قال إنك لازم ترجع بيتك وتهدى عشان قلبك يستحمل. أنت هتخرج من المستشفى دي، وترجع قاهرتك.. ترجع لبيتك وشغلك وراحتك.”

صرخت بضعف: “لا! مش هرجع! البيت هناك قبر، مش هقعد فيه لوحدي!”

قطعتني بنبرة حازمة بس كان فيها لأول مرة نبرة هدوء وغرابة:

“اسمعني يا بابا.. لو عايزني أسامحك بجد، ولو عايز يبقى فيه بينّا أي باب مفتوح في المستقبل.. اسمع كلامي. ارجع بيتك، واعتني بصحتك، وسيبني أكمل سنتي الأخير في الجامعة هنا بسلام من غير ما تطاردني أو تقعد في اللوكاندا دي. أوعدك.. لما أتخرج، وأقف على رجلي بجد، وأحس إني بقيت قوية كفاية إني أواجه الماضي.. هجيلك لحد عندك في البيت.”

اتسمرت في السرير، مش مصدق اللي بتمعه: “هتجيلي؟ بجد يا بنتي؟ ولا بتقولي كده عشان تمشيني؟”

بصتلي بثبات وقالت: “أنا عمرك ما عرفت عني الكدب. هجيلك.. بس بشرط واحد: ما تدورش عليا لحد اليوم ده، وما تبعتش خالي، وسيبني أعالج نفسي من الوجع بالطريقة اللي تريحني.”

مسكت إيدها المرة دي.. وهي المرة دي ما سحبتهاش. حطيت إيدها الباردة على وشي المبلول بدموعي، وبستها ألف مرة وأنا بشكر ربنا.

بعد أسبوع، خرجت من المستشفى بجسد هزيل، بس كان جوايا روحي رجعتلي بكلمتها وأملها الصغير. أخدت شنطتي وركبت القطار راجع للقاهرة.. راجع للبيت الفاضي اللي سيبته من شهور.

رجعت الشقة، فتحت الباب، الريحة كانت ريحة تراب وذكريات قديمة. بس المرة دي ما قعدتش أصرخ وأبكي.. دخلت أوضتها، نظفتها بنفسي، فرشت السرير، حطيت السلسلة الدهب مكانها على التسريحة، وقعدت أستنى اليوم اللي وعدتني بيه.. اليوم اللي هتخرج فيه وهتفتح الباب وترجعلي، مستعد أدفع باقي عمري كله عشان اللحظة دي!

رجعت بيتي في القاهرة، وقصاد باب الشقة المقفول وقفت لحظة أتنفس بصعوبة. فتحت الباب ودخلت، الشقة كانت زي المقبرة، التراب مغطي كل حاجة، والهدوء بيصرخ في أركانها. بس المرة دي مكانش فيه صراخ ولا انهيار.. كان فيه أمل صغيّر متعلق بكلمة واحدة قالتها لي في المستشفى: “هجيلك لما أتخرج”.

مسكت المقشة والممسحة، وبدأت أنضف البيت حتة حتة. نظفت أوضتها بالذات، غيرت الملاية، مسحت كتبها القديمة، وحطيت السلسلة الدهب في نص التسريحة عشان أول ما تدور بعينيها تلاقيها. بقيت أصحى كل يوم الصبح، أخد أدويتي بانتظام زي ما طلبت، أطبخ أكل صحي عشان أرجع صحتي، وأرجع لشغلي اللي كنت هخسره. بقيت أشتغل وأجمع كل جنيه، وأحطه في حساب باسمها في البنك، أقول في نفسي: “ده حقها، ده شقاها اللي انحرمت منه”.

مرت الأيام والشهور أتقل من الجبال. كل يوم كان بيفوت عليا كأنه سنة. كنت أروح شغلي وأرجع، أعدي على أوضتها أفتح الباب، أقول: “قربت يا بنتي.. فاضل قليل”. خالها أحمد كان بيتابعني من بعيد لبعيد، ولما شافني اتغيرت وبقيت صابر وعايش على أملها، بدأ يلين معايا وييجي يزورني، ويطمني من غير ما يقول تفاصيل: “البنت بخير يا محسن.. وبتذاكر وبتحضر لمشروع تخرجها، أدعيلها”.

وفضلت أدعي.. أدعي في كل صلاة، وفي كل سجدة بالليل، إن ربنا يطول في عمري لحد ما أشوف اليوم ده، وإن ربنا يمسح من قلبها أثر القلم وقسوة الأيام اللي شافتها بسببي.

ومرت السنة الأخيرة.. وجات أيام امتحانات التخرج.

كنت بقعد في الصالة بالليالي، ماسك سبحتي، وبدعي ربنا يوفقها وينور طريقها. وفي اليوم اللي عرفت إن امتحاناتها خلصت فيه، بيتي ما بقاش يسعني من كثرة التوتر. بقيت أقعد جنب الباب، أسمع أي خطوة على السلم أجرِ وأفتح، يرجع أملي يخيب وأقفل الباب تاني.

مر أسبوع على انتهاء الامتحانات.. وأنا عايش في نار الاستثناء.

وفي يوم جمعة، بعد الصلاة، كنت قاعد في الصالة، لابس أنضف هدوم عندي، والبيت ريحته بخور ورد، وجايب أكل من اللي كانت بتحبه وهي صغيرة. الشارع كان هادي جداً، وصوت خطوة خفيفة جداً بدأ يطلع على السلم.. خطوة تقيلة ومترددة، بتطلع درجة درجة وتسكت.

قلبي بدأ يضرب في صدري زي الطباط، جسمي كله اتخشب، وقمت وقفت بالعافية.

الخطوات قربت من باب الشقة.. ووقفت!

فضلت واقف مكان في نص الصالة، مش قادر أتحرك ولا أنطق، الخوف والرجاء كانوا بياكلوا فيا. وفجأة.. سمعت الخبطة!

خبطتين خفاف جداً على الباب.. نفس الخبطة اللي كانت بتخبطها وهي راجعة من مدرستها زمان!

جريت على الباب بإيدين بترتعش، فتحت الباب بكل قوتي.. ولما الباب اتفتح، الدموع عمت عيني في ثانية.

كانت واقفة قدامي!

لابسة فستان أبيض بسيط، شايلا شنطة سفرها الصغيرة في إيد، وفي الإيد التانية شايلة روب وثيقة التخرج! وشها كان ردت فيه الروح شوية، خدودها فيها وردي خفيف، وعينيها الواسعة كانت بتطالعني بنظرة طويلة مليانة كل معاني الدنيا.

وقفت مكانها على العتبة، ما دخلتش.. بصتلي وبصت للشقة برة، وقالت بصوت هادي، بس المرة دي كان فيه بحة حنان قديمة:

“أنا وفيت بعهدي يا بابا.. خلصت جامعتي، ونجحت وطلعت من الأوائل.. وجيت.”

ما قدرت أستحمل.. نزلت على ركبي قدام العتبة، تحت رجليها في الشارع، ومسكت طرف فستانها وأنا بصرخ وببكي بكاء هيستيري:

“يا حبيبتي! يا روح أباكِ! الحمد لله يا رب.. الحمد لله إني عشت لحد اليوم ده! سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا حتة مني!”

نزلت هي كمان على ركبها قدامي في الشارع، وسحبت إيديا من على الأرض، ولأول مرة من سنتين كاملين.. مسكت إيدي وقعدت تبص لوشي وشعري الأبيض وضهري المكسور.

دمعة نزل من عينها، ورفعت إيدها الصغيرة وحطتها على خدي.. نفس الخد اللي اترفعت إيدي عليه زمان. وقالت بصوت مكسور ودافئ:

“قوم يا بابا.. قوم ادخل بيتك. القلم اللي أخدته منك صحاني ودمرني.. بس الصبر والندم اللي شفته في عينك طول السنة اللي فاتت هو اللي داواني. أنا مش جاية أفتح صفحات قديمة، أنا جاية أرمي الماضي في الزبالة وأبدأ معاك من جديد.”

سحبتها في حضني بكل القوة اللي فاضلة في جسمي.. حضنتها وأنا بحس إن روحي اللي ضاعت من سنتين رجعت لصدري تاني. بكيت في حضنها زي العيل الصغير، وهي كانت بتحضنّي وتبكي معايا، والمطر الخفيف بدأ ينزل علينا وإحنا واقفيين في باب الشقة.

مسكت إيدها ودخلتها البيت. أول ما دخلت، بصت لأوضتها، شافت الكتب المنظمة والملاية المفرودة والسلسلة الدهب اللي بتلمع على التسريحة. راحت وقفت قدام التسريحة، مسكت السلسلة، وحطتها على قلبها وقالت: “الله يرحمك يا أمي.. ابنك رجع لعقله، وبنتك رجعت لبيتها.”

لبست السلسلة في رقبتها، والتفتت ليا وابتسمت ابتسامة حقيقية.. ابتسامة شالت من على صدري جبل كان كاتم نفسي.

من اليوم ده، البيت رجعت فيه الحياة. بنتي اشتغلت معيدة في الكلية، وبقت هي اللي مسؤولة عن البيت وعنيا. وأنا بقيت أخدمها بعيني، أصحى الصبح أعملها الفطار، وأستناها ترجع من شغلها عشان أفتح لها الباب وأخدها في حضني.

تعلمت الدرس القاسي اللي دفعنا ثمنه من دم قلبنا وصحتنا: إن الدم عمره ما يبقا مية، وإن الوهم والحب المزيف ممكن يهدوا أعتى البيوت، وإن الضنا هو الأمانة الوحيدة اللي ربنا هيحاسبنا عليها.. والحمد لله إن ربنا أمهلني العمر عشان أصلح غلطتي قبل ما أقف قدامه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى