
ركبت التاكسي وراجعة على بيت أبا، وفي عقلي ألف فكرة وفكرة للمستقبل. مشروعي هيكبر، والمكنة القديمة هتلف وهتطلع أرقى الموديلات، وبيت أبا هيبقى أكبر ورشة خياطة في المنطقة، بفلوس حلال وشقا نقي مافيهوش نقطة واحدة من غدر أو استغلال.
لكن الحياة، بضفائرها الملتوية ومفاجأتها التي لا تنتهي، كانت ما زالت تخبئ لي خطوة أخرى… خطوة ستبدأ من غدٍ، عندما يطرق بابي شخص لم أكن أتوقعه أبداً، ليفتح أمامي باباً جديداً لم أكن أعلم أنه موجود من الأصل!
الفصل السادس: بين الظلال والنور
كان الليل قد ضرب سدوله على القرية القديمة، ولم يتبقَّ من أثر الشفق إلا خيطٌ بارد متصل بأطراف الجبال البعيدة. وقف يونس على أعتاب البيت المهجور، والهواء المحمل برائحة الغبار والمطر المتساقط يعصف بوجهه. كانت الأوراق القديمة التي وجدها في الصندوق الخشبي تزن في يده أثقل من حجارة القرية كلها، وكأنها تهمس بأسرارٍ دُفنت عمداً تحت الركام لسنوات طوال.
صوت خطواتٍ متثاقلة أخرجته من ذهوله. التفت بسرعة ليجد الشيخ سليم يقف عند مدخل الأزقة الضيقة، يتكأ على عصاه الخشبية العتيقة التي اعتاد أن يخفي بها عثرات السنين. لم تكن في عيني الشيخ تلك النظرة الهادئة التي عرفها الجميع عنه، بل كانت هالة من الحذر والترقب تكتنفه من أقصاه إلى أقصاه.
اقترب الشيخ بخطوات موزونة حتى صار على بعد خطوات قليلة، ونظر إلى الأوراق التي بين يدي يونس ثم رفع عينيه قائلاً بصوت خفيض تشوبه بحة كبر السن:
“كنتُ أعلم أن هذا اليوم قادم لا محالة، وأنك لن تتوقف حتى ترفع الستار عن آخر الصفحة. لكن العلم بالحقيقة يا يونس ليس دائماً نجاة، أحياناً يكون الحبل الذي يلتف حول عنق صاحبه.”
رد يونس بثبات وعيناه تتفحصان ملامح الشيخ الغامضة:
“لم أعد أبحث عن النجاة يا شيخ سليم، بل أبحث عن إغلاق هذه الدائرة. لقد عشتُ سنواتٍ طويلة أطارد ظلالاً لا أراها، واليوم فقط بدأت أرى ملامح الأشخاص الذين صنعوا هذه اللعبة. هذه الأوراق لا تحمل مجرد أسماء، بل تحمل حسماً لقصة بدأت قبل أن أولد.”
تنهد الشيخ سليم عميقاً، وغرس عصاه في الأرض الترابية كأنه يثبت نفسه أمام رياح الليل العاتية، ثم قال وهو يشير بعصاه نحو الأفق المظلم:
“إن كنت تظن أن ما بين يديك هو القاع، فأنت لم تبدأ الغوص بعد. تلك الأسماء المكتوبة بالتحبير الأسود ليست سوى واجهة لشيء أكبر. الرجل الذي أودع هذه الرسائل هنا لم يكن يبحث عن كما ظننت، بل كان يحاول حماية ما تبقى من الشرف قبل أن يلتهمه النسيان. ولكنك الآن، بفتحك لهذا الصندوق، أعدت إشعال الفتيل الذي حاولنا جميعاً إطفاءه.”
تقدم يونس خطوة نحو الشيخ، ورفع الرسالة العليا ليواجهه بها:
“إذن اعترف لي.. هل كنتَ جزءاً من المخطط؟ هل كان صمتك كل هذه العقود حمايةً لي أم حمايةً لنفسك وللذين رحلوا؟”
صمت الشيخ سليم لبرهة، وصوت الريح الصفير يملأ المكان، ثم انحنى قليلاً ونظر مباشرة إلى عيني يونس وقال بنبرة ملؤها الأسى:
“الصمت كان الثمن الوحيد لإبقائك حياً. لو نطقتُ بحرف واحد في ذلك الوقت، لم تكن لتكون واقفا أمامي الآن تطالب بالحساب. كل قطرة حبر على هذه الأوراق دُفع مقابلها دمٌ سُكب في الخفاء. لم نكن ملائكة، ولكننا لم نكن الشياطين الذين تتخيلهم.”
صمت يونس، وشعر ببرودة المطر تطرق جبهته. المتسارعة كانت تتناغم مع أصوات قطرات المطر التي بدأت بغزارة على السقف الصفيحي للبيت المهجور. أدرك في تلك اللحظة أن كل خطوة خطاه نحو الحقيقة كانت تبعده عن الأمان الذي عرفه طوال حياته، وأن كل قناع يسقط يكشف عن وجه أكثر تعقيداً مما قبله.
لم يعد هناك مجال للرجوع إلى الخلف. خريطة الأحداث أصبحت واضحة، والخطوة القادمة ستقوده مباشرة إلى المواجهة الكبرى مع الشخص الذي أدار كل هذه الخيوط من خلف الكواليس، ذلك الظل الذي ظل مختبئاً عقوداً طويلة ينتظر هذه اللحظة بالذات.
نظَر يونس إلى الأوراق مرة أخيرة، ثم طواها بعناية وأدخلها داخل معطفه المقاوم للمطر. نظر إلى الشيخ سليم بثبات وقال:
“مهما كان الثمن، سأكمل ما بدأته. لم يعد هناك مكان للخوف في هذه المعادلة.”
استدار يونس ومشى بخطوات واثقة في الممر الضيق، مخترقاً الظلام والمطر، بينما ظل الشيخ سليم واقفا في مكانه، يراقبه وهو يبتعد حتى ابتلعته عتمة الليل، وهو يعلم أن الفصل القادم لن يبقي ولا يذر.



