
ساد الصمت الشديد في الصالة، والتفتت كل العيون ناحيتي. زوجي وشه اتربد بلون الرماد، وحاول يتدارك الموقف بسرعة، فخطى خطوتين ناحيتي ومسك دراعي بضغط مكتوم وقال بنبرة حادة محاولة الاستظراف: “جرى إيه يا روح قلبي؟ أنتِ جاية تتكلمي في تفاصيل ومشاوير الشراء والتعب دلوقتي؟ الناس جاية تبارك للحاجة، تأجلي كلامك ده بعدين لما العيلة تمشي!”.
سحبت دراعي من إيده بمنتهى الهدوء والثبات، وبصيت في عيونه مباشرة بثقة زلزلت حيله، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالت بصوت واضح ورنان يسمع كل القرايب والأخوات اللي قاعدين: “لا يا حبيبي، الكلام ده لازم يتقال قدام العيلة كلها، عشان الحاجة تعرف قدر ابنها البار، وعشان الناس العارفة الأصول تحكم وتبص على ‘التضحية’ اللي بيتفشخر بيها قدامهم دي كانت من جيبه ولا من لحمي وشقايا!”.
حماتي بصتلي باستغراب، ونزلت نظارتها على مناخيرها وقالت بنبرة فيها توجس: “جرى إيه يا بت أنتِ؟ في إيه؟ قصدك إيه بكلمتك دي؟ ابنك شقي وتعب وعمل ده كله عشان يفرحني، أنتِ جاية تنغصي علينا فرحة الحجة ولا إيه؟”.
رديت وأنا بطلع الشنطة الشيك اللي فيها الجلابية الجديدة وبحطها على الترابيزة الإستيل الجديدة اللي بفلوسي: “عاش من ينغص عليكي يا حجّة، دي حتى الجلابية البيتي اللي هتقعدي بيها تفصيل إيديا وجاية أهديهالك.. بس الحقيقة المرة اللي لازم الكل يعرفها، إن ‘التضحية’ العظيمة دي ما كانتش من جيب ابنك ولا من عرقه. ابنك ما دفعش مليم واحد في حجتك ولا في العفش الجديد ده من جيبه الخاص!”.
الهمهمات بدأت تعلى بين الأعمام والعمات، وعمتو الكبيرة بصت لجوزي وقالت: “إيه الكلام ده يا إبراهيم؟ التكلفة دي كلها اومال جت منين؟”.
إبراهيم (زوجي) وشه بقى يقلب ألوان، والعرق بدأ ينزل من قورته زي المية، وقال بعصبية وصوت عالي عشان يداري على خيبته: “أنتِ اتجننتي يا ست أنتِ؟! قلة أدبك وزادت! قومي ادخلي شقتك فوق بدل ما قسماً بالله يكون ليا تصرف تاني معاكي قدام الناس كلها!”.
قربت منه خطوة واحدة، وبصيتله بتحدي وقالت: “وريني تصرفك كده يا إبراهيم؟ هتضربني؟ ولا هتطردني من البيت اللي بتصرف عليه من شقا خياطتي وسبتني شايلة مصاريفه لوحدي؟ ولا خايف أطلع الأوراق والشبكة والأرقام قدام أهلك؟”.
حماتي وقفت على حيلها بغضب وقالت: “شبكة إيه وأرقام إيه؟! اخلصي يا بت وقولي في إيه بدل الزيطة دي!”.
وقفت في نص الصالة، ورصيت الكلام ببرود قاتل ومرتب، وكأني بقرا من دفتر حسابات: “ابنك العزيز يا حاجّة، لما حضرتك كنتِ بتتلحي عليه عشان يسفرك الحج وهو ما حيلتوش اللقمة، دخل عليا أوضة نومي، وفتح علبة دهبي من ورايا ومن غير ما يستأذنني ولا يعرفني، وأخد غوايشي وسلسلتي اللي أبا الله يرحمه جابهوملي قبل ما
وقاللي خليهم معاكي ينفعوكي في زنقة.. وأخد معاهم كل حتة دهب اشتريتها من تعبي وسهري طول الليل على مكنة الخياطة، قرش على قرش، وحرمت نفسي من اللقمة والعفش وشقتي المقشرة عشان أحوشهم للمستقبل.. أخد الدهب كله وباعه بالكامل!”.
الصدمة نزلت على الوجوه، وعمتو حطت إيدها على بقها وقالت: “دهبك أنتِ يا بتي؟! باعه من غير علمك؟!”.
كملت وصوتي ثابت زي الجبل: “أيوه يا عمتي، باعه كله! ولما واجهته وقلتله هعمل محضر ، قالي بالبنط العريض: ‘أمي كان نفسها تحج وأنا وعدتها، وربنا هيحاسبك لو اعترضتي!’. ولما سألته عن باقي فلوس الدهب راحت فين، قالي بكل بساطة إنه قرر يجدد شقة أمه ويعملها مفاجأة بعفش جديد ودهانات حديثة بالباقي من فلوس دهبي وشقايا!”.
إبراهيم زقني بغضب وهو بيصرخ: “أنتِ كدابة! أنتِ بتتبلي عليا! أنتِ وافقتي واديتيهملي برضاكي عشان أمي تحج، وجاية دلوقتي تعملي شو قدام الناس !”.
ضحكت ضحكة قصيرة ميتة وطلبت من الكل يسمعوا: “أنا كدابة؟ طب تمام يا إبراهيم.. طالما أنا كدابة برضه، إيه رأيك نسمع ونشوف الفواتير؟”.
مسكت الموبايل بتاعي، وفتحت كارت الميموري اللي كنت مجهزة عليه الصور، ووريتهم صور فواتير الصاغة اللي هو باع عندهم الدهب، ومكتوب فيها تاريخ البيع بالضبط قبل سفر حماتي بـ 3 أيام، وأسماء قطع الدهب المبيعة، وأرقامها، والمبالغ المقبوضة!
وقلت لأخوه الكبير اللي كان واقف مذهول: “اتفضل يا أستاذ سامح، بص على التاريخ وبص على أسماء القطع، دي الفواتير اللي أخوك سابها في دراج مكتبه وهو براجع الفلوس اللي باقية معاه عشان يشتري بيها الصالون اللي قاعدين عليه ده والغرفة المودرن اللي جوة!”.
سامح مسك التليفون، وبص في الفواتير وشاف المبالغ الضخمة، ورجع بصل لإبراهيم بقرص عين ونظرة احتقار وقاله: “إيه ده يا إبراهيم؟ الكلام ده بجد؟ أنت بايع دهب مراتك وشقاها عشان تجدد وتطلع أمك الحج من غير علمها؟! ده أنت كدة نصاب ومش راجل!”.
حماتي وشه اتغير، وبقت تبص لابنها وللعفش بخوف وذهول، وقالت بصوت متلجلج: “يعني… يعني الحجة دي كانت بفلوس دهب مراتك؟ والعفش ده من دهبها؟ ينعل أبو كده! أنت عايز توديني النار يا إبراهيم؟! عايزني أحج بيت ربنا بفلوس مغصوبة ومسروقة من ست شقيانة في بيتها؟!”.
إبراهيم كان واقف زي المصلوب، العرق بيشر منه ولسانه اتعقد ومش عارف يدافع عن نفسه كلمة واحدة. الفواتير حاصرته، والأدلة أي كدبة كان ممكن يخترعها.
لكن خطتي ما كانتش مجرد فضيحة قدام العيلة.. كانت مجرد تسخين للمفاجأة الكبرى اللي كنت محضرالهالهم كلهم.
سحبت من شنطتي ملف أوراق رسمي، وطلعت منه ورق مدموغ، وبصيت لإبراهيم ولحماتي وقولت: “طبعاً يا إبراهيم أنت كنت مراهن إن القضايا والمحاكم مش هتجيبلي حق، عشان الدهب ما فيش فواتير باسمي، والقانون مبيحميش المغفلين.. صح؟ ولما قلتلك إن ده تعبي، قلتلي ربنا هيحاسبك ونظرتلي بقلة قيمة وبصيت عليا كإني خدامة عندك مالهاش قيمة ولا كلمة!”.
إبراهيم بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوم: “أنتِ عايزة إيه يا بنت الناس؟ عايزة الفلوس؟ هكتبلك إمبابة إيصال أمانة والمصحف وهسددلك الفلوس قرش قرش بس بلاش الفضايح دي قدام الناس!”.
ابتسمت ابتسامة شرسة وقولتله: “إيصال أمانة؟ من مين؟ من واحد بيسرق مراته؟ لا يا حبيبي.. أنا حق أبا وشقايا ما باخدوش بإيصالات من غير قيمة. أنا أخدت حقي بالقانون والتخطيط الصاحي”.
فتحت الملف ورفعت أول ورقة وقلت بصوت عالي أمام العيلة: “أول حاجة، أنا عملت قضية إثبات دخل ومروع تجاري من المنزل، ووثقت كل فواتير الخياطة الشغالة في الشقة فوق، وأثبت رسمي إنك ما بتصرفش على البيت من سنتين، وإن الدخل الوحيد للبيت كان من شغلي أنا. وثانياً، وعشان العفش ده والشقة دي اتعملت بفلوس دهبي المسروق، وبتاريخ ثابت قبل الحج وبعده بموجب فواتير الشراء وفواتير الصاغة اللي صورتها من درجك… أنا رفعت دعوى تحفظ وتحفظ جنائي على محتويات الشقة دي بالكامل، باعتبارها أصول مشتراة بمال مغصوب ومسروق ومثبت بمستندات البيع والصرف!”.
حماتي صرخت: “تحفظ إيه يا مسخوطة؟! دي شقتي وعفشي!”
.
رديت عليها بمنتهى الثبات: “لا يا حجّة، ده عفشي أنا ودهبي أنا! والعفش القديم بتاعك إبراهيم باعه روبابيكيا عشان يكفي ثمن الدهانات! يعني الشقة دي دلوقتي كل قطعة خشب فيها وكل سجادة متحفظ عليها قانوناً لصالحي بموجب محضر رسمي انفتح الصبح في النيابة!”.
وسكت ثانية، وطلعت الورقة الأخيرة والضربة القاضية من الملف، وبصيت لحماتي بعيون جمر وقولت: “أما بقى بالنسبة للي جاي… فأنا عرفت إن الحجة الكريمة عندها دفاتر توفير بأسماء ولادها، وإيصالات أمانة على معارفها، وعقد ملكية الشقة دي متسجل. وأنا أتربيت في بيت أصول وما بمدش إيدي على حاجة مش بتاعتي.. بس أنا رفعت دعوى تمكين من شقتي اللي فوق، وأخدت قرار بإلزام ابنك إبراهيم بدفع كافة مصاريف العدة والتمكين، وإلزامه براد قيمة الشبكة بالكامل بسعر السوق النهاردة، ومرفق معاها صور مستنداتك ورصيدك اللي تثبت إن ابنك كان يقدر يستلف منك أو يعتمد على أصولك، لكنه استسهل السرقة من مراته!”.



