
«جوزي قال لي إن سلفتي محتاجة حد يقعد مع ابنها وقت الامتحانات، وطلب مني أسيب أولادي وأروح لها. رفضت لأول مرة… وبعدها سمعت مكالمة بينها وبين حماتي، وعرفت إن الامتحانات ماكانتش السبب أصلًا!»
كانت دي المرة الأولى اللي أقول فيها «لأ» بصوت عالٍ ومباشر من يوم ما دخلت البيت ده.
خمس سنين وأنا الملاذ السحري لكل مشاكلهم؛ سلفتي «هدى» تعبانة؟ نهى تشيل الشغل. حماتي عندها عزومة؟ نهى تقف في المطبخ من الفجر. وهدى بالذات كانت بارعة في لعب دور الضحية؛ دائمًا مشغولة، دائمًا مضغوطة، ودائمًا ابنها الصغير عنده أزمة محتاجة تدخل عاجل مني عشان هي «تتحرك براحتها». وكان جوزي «طارق» دائمًا بيكسر أي محاولة مني للاعتراض بكلمة واحدة: «معلش يا نهى، كبري عقلك دي أختنا الكبيرة وبنت أصول، وإنتِ بالذات معندكيش أسباب ترفضي عشانها».
لكن اليوم ده كان مختلف. أولادي الاثنين كانوا طالعين من دور سخونية شديد، محتاجين كمادات ومتابعة، وعندهم مراجعة نهائية في مدرستهم. لما دخل طارق وقالي ببرود: «هدى كلمتني، ابنها عنده امتحان بكرة ومحتاجاكي تنزلي تقعدي معاه طول النهار عشان هي وراها مشوار مهم»، بصيت له بذهول وقلت له بوضوح شديد: «لأ يا طارق.. مش هقدر بكرة بالذات، ولادي تعبانين ومحتاجيني جنبهم».
طارق اتفاجئ، وشه اتغير وزعق: «يعني إيه لأ؟! بقى بتكسري كلمتي عشان ساعة زمن؟ هدى كتر خيرها شايلانا في كل مناسبة، وإنتِ جاية بكرة تتأنعري؟ هتنزلي يا نهى وسيبك من الحجج دي!»
خرج وساب البيت وهو بيبرطم، وساب جوايا نغزة غريبة.. نغزة تقولي إن في حاجة مش مظبوطة في الإصرار المستميت ده.
بعد ساعة، ونزلت على السلم ببطء عشان أشتري دوا للولاد، وأنا معدية من قدام شقة هدى، كان الباب الموارب بيطلع منه صوتها وهي بتتكلم في التلفون وفتحة السبيكر على الآخر.. وقفت مكانتي لما سمعت اسمي بيتردد بنبرة حادة.
كان صوت حماتي جايلها من التلفون وهي بتقول بضيق:
«يعني إيه البت رفضت تنزل؟! هو طارق معرفش يضغط عليها؟!»حكايات بسمة
ردت هدى بقلة صبر وضحكة مستفزة:
«يا حماتي، طارق عمل اللي عليه وزعق، بس هي مسكت في مرض عيالها. المشكلة مش في قعدتها معايا.. المشكلة إن العريس وأهله جايين بكرة الصبح يشوفوا البنت، وجوزي شرط عليا إن نهى بالذات ما تحضرش الرؤية ولا تعرف حاجة عن الجوازة دي بالذات!»
حماتي ردت بنبرة خبيثة:
«عند حق جوزك، نهى لو شافت العريس أو عرفت هو مين، الدنيا هتتقلب فوق دماغنا كلنا، وطارق نفسه لو دري مش بعيد يهد البيت! لازم تبعدوها عن الشقة بكرة بأي طريقة لحد ما الموضوع يتم ونتفق على كل حاجة!»
هدى كملت بثقة:
«أنا هخلي طارق ياخدها هي والعيال يفسحهم بكرة بالعافية، المهم العريس يخرج من هنا ومن غير ما هي تلمحه على السلم حتى!»
الدم اتجمد في عروقي، والذهول شل حركة لساني..
الموضوع ما كانش امتحانات ولا مساعدة، الموضوع كان عزلي تمامًا عن سر كبير بيتدبر في الصالة اللي تحتي، سر حماتي وسلفتي خايفين يكتشفوه.. وسر مرعب لدرجة إنهم مخبيينه عن طارق نفسه!
رجعت شقتي بخطوات هادية، قلبي بيبض بسرعة جنونية.. الصدمة ما كانتش بس إنهم بيمثلوا عليا، الصدمة كانت في الاسم اللي لمحته على شاشة تلفون هدى المتروك على الطاولة جوة الشقة لما أرسلت لها رسالة من رقم غريب عشان أستدرجها!
ولما طارق رجع البيت بالليل وهو بيبتسم ابتسامة مصتنعة وبيقولي: «خلاص يا نهى، أنا فكرت ولقيتك صح.. بكرة هناخد الولاد ونطلع نتفسح طول النهار وننسى زعل الصبح»، بصيت له ببرود، وطلعت ورقة صغيرة من جبي وحطيتها في إيده.
طارق قرا الاسم المكتوب في الورقة، وفجأة وشه اتغير تمامًا، والدم هرب من ملامحه، وبص لي برعب..
الجزء الثاني: كشف اللعبة وسقوط القناع
طارق وقف مكانه متجمد، وشه خطف ألوان، وبص للورقة اللي في إيده كأنه شاف عفريت. الورقة مكنش مكتوب فيها غير اسم واحد بس… الاسم اللي حماتي وسلفتي هدى كانوا مرعوبين إني أعرفه: “كريم الشاذلي”.
طليقي السابق… أبو بنتي الكبيرة من جوازتي الأولى اللي انتهت بطلاق قاسي وهروبه برة البلد من سنين طويلة، وسايب وراه قضايا نفقات ومحاكم وتعهدات مدفوعة بدموعي.
طارق بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع مهزوز ومرجوف:
— إنتِ… إنتِ عرفتي منين الاسم ده؟!
بصيت له بعيون مليانة نار وغضب محبوس سنين، وقعدت قدامه وأنا بقول بصوت هادئ بس مرعب:
— وكمان عارفة إن العريس اللي جاي بكرة متقدم لأخت هدى المطلقة مش مجرد صدفة… ده هو نفسه كريم، أبو بنتي اللي هرب وسابنا، واللي هدى وحماتي دبروا الجوازة دي بالسر وفي العتمة، وخافوا إني لو شوفت عربيته أو قابلته وأنا نازلة، الدنيا تتقلب على دماغهم، فبعتوني أبعد عن الشقة بحجة “ابنها عنده امتحان”!
طارق حاول يرقع الموضوع، ومد إيده يمسك دراعي وقال بتخبط:
— والله أبداً يا نهى… أنا ما كنتش اعرف التفاصيل دي كلها، هدى كلمتني وقالت لي إن في عريس متقدم لأختها وناس غريبة، وقالت لي ابعدها بكرة عشان ما يحصلش حساسيات، وأنا على نیّاتي صدقتها!
سحبت إيدي من إيده بعنف، وضحكت ضحكة وجع:
— على نياتك يا طارق؟! على نياتك لحد ما تشيلني أنا وعيالي وتنفيني برة البيت بكرة عشان هوانم العيلة يظبطوا جوازة من راجل دمرني زمان؟! ولا خايف من حماتي اللي كاتمة على نفسك وتخليك تبيع مراتك وأولادك عشان خاطر عيون بنتها الثانية وهدى؟
في اللحظة دي، طارق انهار. عرف إن الحكاية اتكشفت وإن التمثيل خلص. قعد على الكرسي وحط إيده على رأسه وقال بيأس:
— طيب وبعدين يا نهى؟ هنعمل إيه؟ الفرح أو قعدة الخطوبة هتحصل بكرة الصبح في شقة هدى تحت، وأنا مش هقدر أمنعهم لأن هدى هتقلب الدنيا عليا وعلى أمي.
بصيت له نظرة حاسمة وقوية، وقلت بصوت ما فيهوش رجعة:
— مش هتبعدني عن بيتي يا طارق… ومش هتمشي العار ده من غير ما يعرفوا إن الشقة دي وراها ست مش هسيب حقها ولا حق بنتها! بكرة الصبح، أنا مش رايحة في أي حتة، وقعدة الخطوبة دي هتقوم على الصخر!
تاني يوم الصبح، الساعة جت عشرة. سمعت صوت حركة على السلم، وصوت ضحكات وجيّة ناس داخلة شقة هدى اللي تحت. طارق كان قاعد على أطراف صوابعه مرعوب، وعيونه بتبصلي بخوف من اللي لنا هعمله.
قومت من مكاني، لبست عبايتي بكل ثبات، وفتحت باب الشقة بتاعي، ونزلت على السلم خطوة بخطوة… كأني رايحة أفتح كتاب قديم مقفول من سنين، بس المرة دي، أنا اللي هكتب نهايته.
* تفتكري مريم — عذراً، نهى — هتعمل إيه أول ما تدخل شقة هدى وتواجه طليقها “كريم” وحماتها وسلفتها قدام العريس وأهله؟*




