
سارة، ممكن تيجي؟
دخلت مكتبها وأنا متوترة.
قالت
الحسابات اللي راجعتيها بتاعة مخزن أكتوبر، إنتِ اللي اكتشفتي فرق الفواتير؟
قلت
آه.
كان فيه فرق 38 ألف جنيه محدش واخد باله منه من تلات شهور.
اتخضيت.
افتكرت إني عملت مشكلة.
لكنها ابتسمت.
كويس إنك جيتي عندنا.
خرجت من مكتبها وأنا مش قادرة أمنع ابتسامتي.
الجملة كانت بسيطة.
كويس إنك جيتي عندنا.
لكنها فضلت ترن في ودني طول اليوم.
لأن في بيت جوزي، عمري ما حسيت إن حد شايف إن وجودي مكسب.
في الناحية التانية، حكاية حماتي بدأت تاخد اتجاه مختلف.
أحمد كان بيروح لها بعد الشغل كل يوم تقريبًا.
أخوه محمود كان بيعدي ساعة أو ساعتين ويروح.
ومنى؟
كل يوم عندها حجة.
مرة ضهرها.
مرة ابنها عنده درس.
مرة عندها صداع.
مرة الشغالة غايبة.
وبعد أسبوع، أحمد رجع البيت الساعة 11 بالليل.
كان شكله مرهق جدًا.
دخل وقعد على الكنبة من غير ما يغير هدومه.
حطيت قدامه طبق العشا.
قال
مش عايز.
ما علقتش.
بعد شوية قال
أمي طلعت من المستشفى.
سلامتها.
الدكتور قال لازم حد يبقى معاها في البيت فترة.
قلت
ربنا يقومها بالسلامة.
سكت.
وأنا كنت عارفة الجملة اللي جاية.
وفعلًا قال
محمود بيقول إن شقته فيها سلالم كتير، فصعب أمي تقعد عنده.
بصيتله.
شقته في الدور التالت وفيه أسانسير.
اتلخبط.
قصده يعني… البيت عندهم زحمة.
ضحكت.
أربع أوض زحمة؟
ما ردش.
قلت
وإحنا أوضتين، مش زحمة؟
قال بسرعة
أنا ما قولتش تيجي هنا.
أمال؟
كنت بفكر…
وقبل ما يكمل قلت
لأ.
اتعصب.
إنتِ حتى ما عرفتيش هقول إيه!
عارفة.
وقف.
سارة، أمي مش قادرة تدخل الحمام لوحدها!
قلت
ومرات أخوك قاعدة في البيت.
منى ضهرها تعبان.
وأنا عندي انزلاق غضروفي.
قديم!
بصيتله.
يعني وجعي له تاريخ صلاحية؟
سكت.
قلت
أحمد، أمك عندها ولدين. أنا مش واحدة منهم. لو إنت وأخوك عايزين تقسموا
خدمتها بينكم، اتفضلوا. لو عايزين تجيبوا ممرضة، ادفعوا بالنص. لكن أنا مش هسيب شغلي وبنتي عشان أحل مشكلة أخوك ومراته.
قال بعصبية
دي مش مشكلة أخويا! دي أمنا!
قلت
بالظبط.
أمنا.
إنت وأخوك.
مش مراتاتنا.
تاني يوم حصل اللي كنت متوقعاه.
حماتي خرجت من المستشفى…
وراحت بيت محمود.
منى اتجننت.
عرفت من أحمد إن أول يوم حصلت خناقة بسبب الحمام.
تاني يوم بسبب الأكل.
تالت يوم حماتي طلبت منى تصحى الساعة خمسة ونص تعمل لها فطار قبل الدوا.
منى قالتلها
الشغالة بتيجي الساعة تسعة.
حماتي ردت
وأنا هستنى أربع ساعات من غير أكل؟
بعدها بيومين، الجروب اللي كنت خرجت منه بدأ يوصلني منه أخبار عن طريق أحمد.
نفس الناس اللي كانوا بيكتبوا
مرات الابن الصغير عاقة.
بدأوا يختفوا.
لأن حماتي بقت تتصل بيهم واحد واحد.
تعالي اقعدي معايا يوم.
فجأة كل واحد عنده ظروف.
عمته عندها ركبتها.
مرات عمه عندها أحفاد.
بنت خالته عندها شغل.
قرايبها اللي كانوا أبطال على واتساب، كلهم اختفوا لما الموضوع بقى محتاج حد يغير ملاية سرير ويغسل هدوم ويساعد ست مش قادرة تمشي.
بعد حوالي أسبوعين، كنت في الشركة لما موبايلي رن.
رقم منى.
بصيتله.
ما رديتش.
رن تاني.
وتالت.
في الآخر رديت.
أيوه؟
صوتها كان متوتر.
سارة، إنتِ فين؟
في الشغل.
طب ممكن تيجي النهاردة؟
ليه؟
سكتت لحظة.
ماما تعبتني.
ابتسمت من غير ما أحس.
سلامتها.
قالت بعصبية
أنا بتكلم جد! أنا مش قادرة! كل ساعتين بتناديني. مرة عايزة الحمام، مرة مية، مرة الدوا، مرة المخدة مش مريحة. وأنا ضهري اتكسر.
قلت
غريبة.
إيه اللي غريب؟
أصل لما كنت أنا اللي مطلوبة أعمل الكلام ده، كنتِ بتقولي إني قاعدة في البيت فاضية.
سكتت.
كملت
دلوقتي إنتِ كمان قاعدة في البيت. ليه مش فاضية؟
قالت
ما تقعديش تصطادي في الكلام!
مش بصطاد. بفكرك بس.
قالت بنبرة
أهدى
خلاص يا سارة. إحنا غلطنا. تعالي يومين بس.
لأ.
ليه؟!
عشان عندي شغل.
خدي إجازة!
ضحكت.
نفس الجملة.
نفسها بالظبط.
قلت
وإنتِ ليه ما تاخديش إجازة من قعدتك في البيت؟
قفلت المكالمة.
إيدي كانت بتترعش.
مش من الخوف.
من الإحساس الغريب إني أخيرًا قلت لأ…
والدنيا ما انتهتش.
بعد شهر، استلمت أول مرتب.
مسكت الظرف وأنا قاعدة على مكتبي.
أربعة آلاف وخمسمية جنيه.
فضلت أبص له.
افتكرت أول مرتب أخدته بعد الجامعة.
افتكرت نفسي وأنا عندي 23 سنة، واقفة قدام ماكينة البنك وفرحانة إن اسمي مكتوب على الكارت.
وبعدين افتكرت إني سبت كل ده.
مش ندمانة على بنتي.
أبدًا.
لكن ندمانة إني صدقت إن الست لما تتجوز وتخلف لازم تلغي نفسها عشان تثبت إنها زوجة وأم كويسة.
بعد الشغل رحت جبت لبنتي فستان أصفر صغير.
وجبتلها علبة ألوان.
ولنفسي؟
وقفت قدام محل هدوم.
دخلت.
جربت قميص أبيض بسيط.
كان ب جنيه.
فضلت واقفة قدام المراية مترددة.
بقالي سنين لما أشتري حاجة لنفسي أحسب تمنها بعدد علب اللبن، أو حفاضات البنت، أو كيلو اللحمة.
البنت اللي شغالة في المحل قالت
حلو أوي عليكي.
اشتريته.
وأنا خارجة حسيت إني عاملة جريمة.
وبعدين ضحكت.
دي فلوسي.
أنا تعبت فيها.
لما رجعت، أحمد شاف الأكياس.
اشتريتي إيه؟
طلعت فستان البنت.
ابتسم.
حلو.
وبعدين شاف القميص.
وده؟
ليا.
بكام؟
بصيتله.
ليه؟
بسأل.
350.
وشه اتغير.
350 جنيه في قميص؟
زمان كنت هبرر.
كنت هقول له كان عليه خصم.
أو أقول له محتاجاه للشغل.
لكن المرة دي قلت
آه.
وسكت.
هو كمان سكت.




