روايات وقصص

خطيب بنتي ج 4

بقلم زهره الربيع

سقطت نرمين مغشياً عليها على الأرض، وجسدها يرتجف من هول المفاجأة والشعور بالانهيار. كان المشهد مؤثراً؛ فطارق ملقى على الأرض والأغلال تطبق على معصميه، وهو يصرخ مستعطفاً ضباط المباحث أن يتركوه، متبرئاً من كل شيء ويزعم أن نرمين هي التي ساعدته في إخفاء أوراق الميراث لتنتقم من عائلة عمها بأي ثمن.

 

أحمد كان يقف متسمراً، يده ترتعد وعيناه معلقتان بنرمين التي كانت تتألم بصمت، تحول وجهها الآن إلى صورة من صور الانكسار والتيه. تقدم رجال الإسعاف برفقة قوة الشرطة، ووضعوا نرمين على المحفة على عجل وسط توجيهات بنقلها الفوري للاطمئنان على صحتها تحت حراسة مشهدية خفيفة.

التفت الضابط عصام نحو أحمد ونحوي، وعيناه تشتعلان بتركيز حاد وأمسك بجهاز اللاسلكي ليخاطب غرفة العمليات بصوت صارم: “بلاغ للجهات المختصة… تم ضبط المتهم الأول (طارق) والمتهمة الثانية (نرمين)، والمتهمة أدلت قبل فقدان الوعي باعتراف بوجود مكان سري مغلق داخل عقار كائن بدائرة القسم لإخفاء مستندات قديمة… تحريك قوة بمعاونة الأدلة الجنائية إلى عنوان العقار فوراً”.

أنهى الضابط اتصاله والتفت إلى أحمد وقال: “يا حاج أحمد، البنت دي قالت (بدروم العمارة القديمة)… العمارة اللي انتو عايشين فيها دي تحتيها بدروم مقفول؟!”

أحمد ابتلع ريقه بصعوبة، وأسند يده على كتف الضابط وقال بصوت خافت: “البدروم مقفول من تلاتين سنة يا باشا… من قبل ما أبويا يموت بسنة واحدة! عبلة وقتها قالت إن البدروم ده فيه مشكلات بالأساس، ومحمد أخويا جاب بنايين بالليل وبنوا عليه حيطة طوب مصمتة وقفلوا الباب بالأسمنت، وقالوا بنحموا أساسات البيت! ومحدش فينا نزل البدروم ده من يومها!”

نظرتُ إلى أحمد، وتذكرتُ في تلك اللحظة تفصيلاً غاب عن ذاكرتي لعقود طويلة؛ تذكرتُ شقيقة حمايا الصغرى، عمتهم “صفية”، الفتاة البسيطة التي سافرت مفاجأة قبل وفاة الحاج رضوان بسنة واستقرت في بلد آخر لظروف خاصة وانقطعت أخبارها، الخبر الذي أثر عميقاً على أبيها وقتها!

صرختُ بملء صوتي وأنا أضرب كفاً بكف: “صفية! عمتك صفية يا أحمد! البت اللي سافرت زمان وانقطعت أخبارها! شكلهم استغلوا غيابها عشان يبيعوا نصيبها في العمارة ويصفوا التركة لوحدهم!”

سقطت دمعة حارقة من عين أحمد، واهتز جسده وهو ينظر إلى السماء ويصيح: “يا رب… سيبت الحبل ليهم تلاتين سنة عشان تظهر الحقيقة!”

ركبنا سيارات الشرطة في طريق العودة إلى حارتنا. لم تكن الساعة قد تجاوزت السادسة صباحاً، لكن الحارة كانت قد استيقظت على وجود سيارات الأمن.

نزلنا من السيارات، وتقدمت قوة أمنية ورافقهم ممثل الجهات الرسمية الذي أمر بفتح المكان. نزل أحمد يتقدمهم إلى أسفل السلم حيث يقبع الجدار الأسمنتي القديم.

بدأت ضربات العمال تنهال على الجدار بقوة، ومع تساقط الطوب، انهار الجدار أخيراً وفتح فجوة، فسلط رجال الأمن الكشافات داخل البدروم. لم يمضِ سوى ربع ساعة حتى صرخ أحد الأفراد بصوت متوتر: “لقينا صندوق معدني مدفون تحت البلاط… وفي متعلقات شخصية ووثائق ملكية قديمة!”

عم الوجوم المكان. أخرجت المتعلقات بحرص؛ أوراق رسمية ووكالات قديمة تخص “صفية رضوان”، ومستندات تثبت حقوق العائلة المسلوبة.

أحمد لم يحتمل المشهد، فجثا على ركبتيه يحمد الله وينتحب بفرج بعد ظهور الحقيقة. وفي تلك اللحظة، وصلت سيارة أخرى تنقل “عبلة” بعدما صدر أمر بإحضارها لمسرح الأحداث لمواجهتها بالمستندات.

كانت عبلة منهارة حين رأت المستندات فوق طاولة الفحص، ورأت زوجها أحمد. لم تستطع الوقوف على قدميها، بل سقطت على الأرض معترفة بكل شيء: “أنا معملتش ده لوحدي! محمد هو اللي دبر كل ده عشان كان عايز يستحوذ على التركة لوحده! ومحمد هو اللي زور توقيعات أبوه عشان ينقل ملكية العمارة باسمه! ومحمد معاه مفتاح الخزنة اللي فيها باقي العقود المسروقة في شقة تانية في الهرم!”

وفي غمرة هذا الاعتراف، توقفت دراجة نارية مسرعة ونزل منها شاب يرتدي زي المستشفى يلهث بشدة، وركض نحو الضابط عصام وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه الضابط ينقبض بدهشة، ثم التفت وقال بصوت مرتجف: “محمد غادر الغرفة بالمستشفى بعد ما غافل الحراسة، وشهود شافوه داخل عمارة تانية في الحي المجاور!”

لكن الضابط عصام انتفض وصرخ في أجهزة اللاسلكي بأوامر قاطعة: “إغلاق كل المداخل والمخارج للمنطقة فوراً!”

التفت أحمد نحو الضابط وقال بصوت مبحوح: “أنا عارف هو رايح فين يا باشا! محمد رايح شقة الهرم… الشقة دي هي اللي فيها الخزنة والمستندات المزورة!”

ركبنا سيارات الشرطة أنا وأحمد برفقة القوة الأمنية حتى وصلنا إلى شارع هادئ بالهرم. تسللت قوات الأمن عبر مدخل البناية وصعدنا خلفهم حتى وصلنا أمام الشقة المقصودة.

اقتحم رجال الشرطة الباب بحرفية وصرخوا: “أثبت مكانك!”

في منتصف الصالة، كان محمد يقف مذهولاً، يرتدي ملابس عادية، وفي يده حقيبة جلدية مفتوحة تلمع من داخلها عقود أراضٍ قديمة ومبالغ مالية. حين وقعت عيناه على أحمد، ارتد محمد خطوة إلى الوراء وقال بصوت متهدج: “أحمد؟! انت جاي تسلم أخوك عشان شوية ورق؟!”

تقدم أحمد خطوة للأمام وقال بصوت هادئ وحاسم: “ورق بيثبت حقنا وحق الغائبين! أنت شخص خان الأمانة وربنا كشف أمرك!”

أحاط به رجال الأمن وسيطروا عليه تماماً. وفتش الضابط الحقيبة ليجد فيها الدفتر الأصلي ومذكرات بخط يد الحاج رضوان رحمه الله، وفيها أوراق سرية تثبت حقوق أحمد وحنان كاملة.

تم اقتياد محمد ليلحق بزوجته عبلة للتحقيق معهما رسمياً في اتهامات التزوير وإخفاء المستندات.

توجهنا بعد ذلك للاطمئنان على نرمين في المستشفى. عندما رأت أحمد ورأتني أقف بجواره، سالت دمعة الندم من عينيها وهمست بصوت متهدج: “سامحني يا عمي… أنا اللي خربت بيتي بإيدي وتأثرت بكلام أمي… خسرت كل حاجة… خلّي حنان تسامحني…”

وقف أحمد أمام السرير برفق وقال بكلمات هادئة: “ربنا بيسامح التائبين يا نرمين، واللي بيبني حياته على الحق بيعيش مرتاح الضمير”.

مرت الأيام وتوالت قرارات العدالة؛ صدرت الأحكام القضائية العادلة بحق محمد وعبلة بعد ثبوت تهم التزوير المالي وإخفاء الحقائق، بينما نال الشاب “طارق” عقوبته المقررة.

أما عمارة العائلة، فقد أُعيد ترميمها وتطهيرها بالكامل، وتم التواصل مع العمة “صفية” وإرسال حقوقها كاملة لها وهي في مكان اقامتها، لتستريح ذمة الجميع. كما أُعيد تسجيل كافة أملاك العائلة باسم مستحقيها الشرعيين (أحمد وحنان).

وبعد عام من تلك الواقعة، عادت البهجة لتغمر صالة بيتنا؛ فقد تقدم لحنان شاب كريم وخلوق، وعُقد قرانها وسط فرحة كبيرة غمرت قلوبنا جميعاً، وجلست حنان بفستانها الأبيض ووجهها يشع نوراً ورضا، واضعة يدها في يد زوجها الصالح بعدما عوّضها الله خيراً عن كل صعوبة مرّت بها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى