
ساد صمت موحش في الصالة، صمت أثقل من جبال الدنيا، وأحمد مثبت عينيه في عيني بنظرة لم أرها منه طوال سنين زواجنا، نظرة اختلط فيها الشك بالحيرة بالقهر القديم. خيوط الفجر الأولى كانت بدأت تتسلل من زجاج النافذة لترسم ظلالاً باهتة على وجه حنان التي وقفت مذهولة تنظر بيني وبين أبيها، غير قادرة على استيعاب ما تسمعه. أنفاسي كانت هادئة، لكن ض. ربات قلبي كانت تدق كطبول معركة أُرجئت طويلاً، وجاء موعدها المحتوم الذي لا مفر منه.
مشيتُ بخطوات وئيدة نحو باب الشقة وتأكدتُ من إحكامه بالمزلاج الحديدي، ثم عدتُ وجلستُ على المقعد المقابل لأحمد، ووضعت يدي على الطاولة الخشبية، ونظرتُ في عينيه مباشرة دون أن يطرف لي جفن، وقلت بصوت خرج من أعماق صدري عميقاً ومحروماً من الرحمة: «كنت مستنية اليوم اللي تسألني فيه السؤال ده يا أحمد… كنت مستنياه من تمانية وعشرين سنة، من الليلة اللي أبوك طلع فيها في الروح على دراعي أنا مش على دراع عبلة ولا محمد!»
انتفض أحمد من مكانـ،،ـه كالملدوغ، واهتزت يداه وهو يحدق بي كأنه يراني للمرة الأولى في حياته: «على دراعك أنتي؟! أبويا مـ،،ـات في المستشفى ومحمد كان معاه، عبلة قالت إنها وصلته الإسعاف بعد ما جاتله ، أنتي مكنتيش موجودة أصلاً في وقتها!»
ابتسمتُ بمرارة ق، وفتحت حقيبتي الصغيرة وأخرجت منها سلسلة فضية قديمة تتوسطها دلاية نحاسية صغيرة على شكل مفتاح مهترئ، رميتها على الطاولة أمامه لتصدر رنة معدنية رنانة. اتسعت حدقتا عيني أحمد وشحب لونه ،،ـوتى، فالتقط السلسلة بذهول تام؛ هذا المفتاح كان يعرفه جيداً، إنه مفتاح صندوق الأمانات الحديدي الصغير الذي كان يحمله والده الحاج رضوان رحمه الله معلقاً في رقبته ليل نهار ولم يكن يفارقه أبداً، واختفى ليلة وفاته وقيل يومها إنه ضاع في زحام المستشفى.
قلتُ له والكلمات تخرج في المستشفى يا أحمد… أبوك كان بيمو. ت في الصالة دي، تحت السقف ده! الليلة دي انت كنت مسافر بضاعة في إسكندرية، ومحمد كان سكران في غرزة من غرزه بيضيع قرشين المعاش، عبلة دخلت لحمايا بكباية الشاي بالنعناع اللي كان متعود يشربها قبل النوم، بس كانت حاطة فيها سُم الفيران المركز اللي جابته من صيدلية أخوها في البلد.
بعد نص ساعة، حمايا بدأ يصرخ ويكح د،،ـم، وخرج يزحف في الطرقة يستغيث، وأنا كنت سهرانة برضع حنان وهي لسه حتة لحمة حمرا عندها شهور. خرجت على صوته، لقيته مرمي على عتبة أوضته، وعبلة واقفة فوق راسه ببرود كأنها شيطان، مستنياه يقطع النفس عشان تدور على دفتر التنازلات وتاخد بصمته قبل ما يبرد جسده!»
شهقت حنان ووضعت يدها على فمها وانهارت تبكي على الأريكة، بينما وقف أحمد مشدوهاً وقد بلع لسانه، فتابعتُ حديثي وأنا أسترجع أدق تفاصيل تلك الليلة السوداء: «أول ما دخلت وجريت عليه، عبلة ارتبكت ورمت الكباية في الحوض وكسرتها عشان تطمس الأثر، أبوك مسك في جلابيتي بآخر عزم عنده، وكان بيطلع في الروح وعينيه بتطق شرار، سحب السلسلة دي من رقبته وحطها في كفي وضغط عليها وقالي بهمس بيطلع معاه: (عبلة سممتني يا بنتي.
.. حق أحمد في رقبتك… الورق تحت بلاطة الدولاب، متسلميهوش إلا لما يجي اليوم اللي تكسري بيه عينيهم، البيت أمانة أحمد وحنان)… ومات على حجري يا أحمد! مات وهو بيبص للسما وبيشهد على أقرب الناس ليه!»
ض. رب أحمد جبهته بكلتا يديه وصرخ بنواح يقطع نياط القلب: «وليه سكتي؟! ليه مقولتليش أول ما رجعت من السفر؟! ليه سيبتيني أعيش السنين دي كلها مخدوع في أخويا وشايل عياله وبصرف عليهم وبقول لحمي ودمي؟! ليه خبيتي عني يا أم حنان؟!»
نهضتُ من مكاني ووقفتُ أمامه بطولي، وصوتي كان يزلزل أرجاء الغرفة بقوة وجبروت لا يلين: «عشان انت مكنتش هتصدقني يا أحمد! كنت أعمى بالدم والأخوة، كنت شاب صغير ومحمد كان لابس توب الغلبان المكسور، وعبلة كانت مجهزة شهادة وفاة مزورة من دكتور قريبها مأجور كاتب فيها هبوط حاد في الدورة الدموية! لو كنت اتكلمت ساعتها، كان محمد هيقول دي غيرة سلفات، وكانت عبلة هتطلعني مجنونة وبتبلى عليهم، وكان البيت و هيدور بينك وبين أخوك وانت كنت هتدخل في . ويضيع مستقبلك وتضيع بنتي في الشارع!
أبوك قالي: (استني اليوم اللي يقعوا فيه بشر أعمالهم)، وأنا استنيت، بلعت المر والحنظل تمانية وعشرين سنة، شوفت عبلة بتتبختر بخير أبوك، وشوفت محمد بيسرق نصيبك في الإيجارات، وشوفت بنتهم نرمين بتكبر على الحقد وعينها فارغة وبتبص لحنان بنتي في لقمة عيشها وفي لبسها، وبلعت وسكتت وقلت الصبر مفتاحه فرج، وربنا لما بياخد حق المظلوم، بياخده على مهل وبحكمة!»
سكتُّ للحظة، ثم نظرتُ إلى حنان وأحمد وأكملتُ كاشفة السر الثاني الذي كان أركان البيت: «أما الفلاشة… فلاشة الفرح اللي فضحت نرمين… فاكرين الشاب اللي نرمين كانت ماشية معاه وحملت منه وهرب وسابها؟! الشاب ده مكنش غريب يا أحمد! الشاب ده كان ابن خالة العريس اللقطة اللي جه خطب حنان!
أنا من أول يوم نرمين دخلت فيه تتمايل وتتظارف على خطيب حنان وتاخد رقمه، حسيت بريحة الغدر بتفور، فبدأت أدور وراها خطوة بخطوة. استعنت بواحد قريبنا شغال في الاتصالات، وراقبنا تليفونها، ولقيت المحادثات بينها وبين الولد التاني وصور التحاليل! ولما خطيب حنان ركبته العمة وباع بنتي في نص صالونها وجه عمها محمد قالي (ده نصيب)، حلفت بربي إني مش هخليهم يتهنوا ولا ثانية!»
«اتفقت مع الشاب التاني اللي كان خايف منوعايز يخلص من زن نرمين، أخدت منه كل التسجيلات وكل صور الشات والمكالمات في مقابل إني أضمنله إنه هيخرج برة الليلة ومش هجيب اسمه صريح في المحاضر، وعملت الفلاشة وسلمتها لمهندس الصوت قبل الفرح بساعات!»
نظر أحمد إليّ ودموعه تحرق لحيته، وامتزجت في عينيه نظرة هيبة ورعب من دهاء وصبر زوجته التي حمت بيتها وعرضها طوال هذه السنين تحت رماد السكون. ارتمت حنان عند قدمي وقبلت يدي وهي تبكي وتقول: «أنتي عملتي كل ده عشان تحميني يا أمي؟! أنتي شيلتي الوجع ده كله لوحدك؟!»، فرفعتُ ابنتي وضممتها إلى صدري بقوة، وعيني مثبتة على أحمد الذي كان يرتجف بكل ما فيه.
في تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت الشمس ترتفع كقرص نار فوق أسطح حارتنا الشعبية، دوّت سارينات سيارة الإسعاف مجدداً في الشارع، وتوقف صوتها فجأة أمام العمارة، تلاها صوت خبط مرعب على باب الشارع وصراخ من أحد الجيران ينادي بأعلى صوته: «يا عم أحمد! يا أهل البيت! الحقوا… المستشفى بتبلغ إن محمد عم العيال دخل في غيبوبة مو. ت بعد ما نص جسمه اتشل تماماً، والبوليس هناك بحقق مع عبلة بعد ما لقى في شنطتها دهب مسروق وورق مزور غير محاولة العمارة، ووكيل النيابة باعت قوة رسمية عشان يفتشوا شقة محمد ويفتحوا التحقيق القديم في الحاج رضوان!»
تبادلنا النظرات أنا وأحمد، وكان الصباح يحمل معه رائحة حساب عسير تأخر ثلاثة عقود، لكن أحمد لم يكد يخطو خطوة واحدة نحو الباب ليرى ما يجري، حتى رن هاتف المنزل القديم الثابت رنة مدوية أرجفت قلوبنا جميعاً.
رفع أحمد السماعة ببطء، وفتح مكبر الصوت، ليتناهى إلينا صوت مبحوح ومذعور للغاية قادم من الطرف الآخر، صوت نرمين وهي تصرخ من مكان مجهول لا نعلمه وتبكي بهستيريا تقشعر لها الأبدان: «عمي أحمد… الحقني يا عمي! أمي عبلة مش في السجن بس… عبل…


