
سلفتي دخلت اخوها البيت من ورا جوزها مع انه حالف يمين ميدخلش عندنا، انا كنت عايزه اعرفه انها دخلته من غير ما هيه تعرف اني قولتله فسلطت عيالي يقولوله، وهو اتخانق معاها وطلقها ، بس بعد طلاقها عرفت مصيبه مش بتنيمني الليل !!!
انا متجوزه في بيت عيله مع حماتي واخو جوزي عزت ، وكنت اعتبر ست البيت الوحيده لان حماتي سيبالي كل حاجه لحد ما عزت اتجوز وفاء سلفتي- وفاء كانت طيبه جدا والكل بيشهد بأدبها وأخلاقها لدرجة تخنق.. كانت زي النسمة، كلمة حاضر ما بتفارقش لسانها، وحماتي بتحبها كانها بنتها
وفاء دي كان ليها أخ اسمه ناصر، ربنا يهديه ويصلح حاله، كان مش مظبوط وبيتعاطى زفت، وفي مرة كان شارب ومش واعي، دخل المحل عند جوزها عزت – وقعد يتطاول على زبونة واقفة تشتري.. الزبونه عملت مشكله و عزت يومها ضربه وطرده قدام الشارع كله، وحلف يمين طلاق ما يدخل البيت ولا المحل عنده تاني، وقال لمراته كلمة واحدة: وقت ما تحبي تشوفيه روحي لحد عنده.. إنما خطوة واحدة جوة بيتي هتبقى آخر يوم بيني وبينك”.
وفاء طاوعت جوزها وسكتت ومن يومها أخوها ما حطش رجله في الشارع كله مش بس البيت.. وعدت الأيام
لحد ما في يوم الرجالة كانوا في شغلهم، وأنا أخدت عيالي ونزلت أنا وحماتي السوق نشتري طلبات البيت وسبنا وفاء تكمل الاكل.. لما رجعنا، فتحنا الباب واتفاجأنا بناصر قاعد في الصالة، حالته تبكي الكافر، شكله زي المشردين، هدومه متوسخة وشعره منكوش، وقاعد بياكل بلهفة وباديه من طبق رز وحتة لحمة كانت وفاء حاطاها قدامه.. أول ما وفاء شافتنا وشها أصفر وبقت تترعش زي الفرخة المبلولة.. حماتي من خوفها وقلقها لحسن عزت يرجع فجأة ويشوفه، رزعت الباب بسرعة وقالت لها بغضب : “إيه اللي دخله هنا يا وفاء؟! مش جوزك حالف عليكي ؟!”.
وفاء قعدت تبكي وتترجى في حماتي، “والنبي يا حماتي اسمعيني.. إخواتي طردوه في الشارع وبقاله تلت أيام بيلف على من غير أكل ولا شرب.. جاني وخبط على بابي، وقال لي جعان يا وفاء هموت من الجوع، هرد أخويا من على الباب إزاي؟ اديته منابي من الغدا ويا دوب بياكل.. والله همشيه حالا قبل ما عزت يرجع، أرجوكي محدش يقوله دي فيها خراب بيتي!”.
أنا بصيت لها وقولتلها “أكيد محدش هيقوله يا وفاء، إحنا مش خرابين ديار، دي فيها رمي يمين!”. بس من جوايا الشيطان كان بيقولي دي فرصتك.
الجدع خلص أكل بلهفة، وكان باين عليه فعلا الجوع ، وفاء قامت جابت شوية فلوس كانت محوشاها من مصروفها، حطتهم في إيده وحلفته برحمة أمها وأبوها إنه يروح مصحة يتعالج وينضف من القرف ده، وهو حضنها وقال بدموع “حاضر.
أول ما مشي، طلعت شقتي فوق والفرحة مش سايعاني، دماغي كانت بتغلي.. إزاي أعرف عزت؟ لو روحت وقولت له بنفسي، حماتي هتفهم إني أنا اللي خربت البيت وهتكرهني وتطلعني أنا السوسة.. ولو سكت، الفرصة دي مش هتتعوض تاني !
فكرت ولعبتها صح.. ناديت على عيالي الصغيرين، طلعت من جيبي فلوس واديتهم يجيبوا حلويات، وقولتلهم “بصوا يا حلوين.. أول ما عمكم عزت يدخل من الباب، تجروا عليه وتقولوا له، خالو ناصر كان هنا وعمتو وفاء جابت له لحمة وأكل.. واللي هيقول كده شاطر وهديله فلوس تاني”. العيال طبعاً مش فاهمين حاجة، فكرينها لعبة، وحفظوا الكلام زي الأناشيد.
أول ما عزت رجع من المحل باين عليه التعب، العيال جريوا عليه وقالوها له بالحرف.. عزت وقف مكانه ووشه اتغير وأسودّ، بص لمراته كانه شايف شيطان واقف قدامه.. قرب منها ببطء وصوته كان بيطلع بالعافية من الصدمة: “ده صح؟ ده حصل؟”.
وفاء بطبعتها ما بتعرفش تكذب ولا تحور، أول ما بصت في عينه بكيت على طول وقالت: “هو.. هو جيه على الباب وكان جعان.. طلب لقمة و…”.
ما لحقتش تكمل الكلمة، كان كف إيده نازل على وشها . “بتكسري كلمتي؟ بتوقعي يميني في الأرض؟!”. حماتي وجوزي جريوا عشان يمسكوه، زعق فيهم “محدش يتدخل! محدش ينطق كلمة واحدة!”. وبص لها بغل وقال: “انتي طالق.. غوري ما شوفش وشك تاني!”.
وفاء لطمت على خدها وحماتي بقت تسندها والدموع في عينيها: “ليه كده يا عزت؟ ليه يا ابني تخرب بيتك بايدك ليه؟!”. بس عزت كان خلاص رمى عليها اليمين وساب البيت ورزع الباب وراه ومشي.
وفاء لبست عبايتها وطرحتها و خرجت من البيت ، حتى هدومها ما لحقتش تلمها.. كانت منهارة والدموع مغرقة وشها، وما أخدتش في إيدها غير بنتها الصغيرة اللي مكانتش كملت سنتين، شايلاها على دراعها وبتصرخ.. في اللحظة دي، وللأمانة، قلبي وجعني وصعبت عليا بجد.. أنا مكنتش فاكرة إن الموضوع هيوصل للطلاق! كنت فاكرة إنه هيزعق لها، يضربها، يخاصمها، أو يرجعها بيت أهلها شهرين تأديب.. لكن يطلقها ويرميها في الشارع كده؟!
حماتي بصت لي بعتاب وشك وهي بتمسح دموعها، أنا قولتلها: “والله يا حماتي أنا شرطت على العيال وقولتلهم محدش يتكلم.. بس هما عيال صغيرة مش فاهمين حاجة!”.
عدت الأيام ثقيلة زي الجبل على البيت.. حماتي كانت قاعدة حزينة دايما، وعزت كان باين في عينه الندم وبقى يلف في البيت زي التايه، بس كبريائه ورجولته مخليينه يكابر ويقول قدامنا: “محدش يجيب لي سيرتها ولا يفتح الموضوع ده تاني”.
وبعد أول اسبوع، جُم أهلها.. جابوا عربية نقل عشان يشيلوا العزال بتاعها ويصفوا كل حاجة.. وقفت ورا الشباك أراقبهم وهما بيدخلوا ويخرجوا بالشنط والعزال، ومن الكلام اللي دار بين أهلها وبين حماتي في الصالة.. عرفت حاجه مخطرتش على بالي ابدا !مصيبة خلت جسمي يتجمد وبقيت مش قادره انطق وحرفيا مش بنام الليل كله!!!!!
الجزء الثاني:
وقفت ورا شباك أوضتي، قلبي بيخبط بعنف، وعيوني مسمّرة على أهل وفاء وهما طالعين نازلين بالعزال والشنط، وحماتي واقفة في الصالة وسطهم مكسورة الجناح وبتعيط بدموع حارقة. كان نفسي أشوف وش وفاء وهي ماشية، بس أهلها منعوها تطلع من العربية من كتر قهرتها ومنظرها اللي يقطع القلب.
وفي وسط زحمة الشنط وكلام أهلها الغاضب مع حماتي، سمعت أخو وفاء الكبير (مش ناصر، التاني العاقل اللي كان محتار ومكسور) بيكلم حماتي بصوت عالي شوية وفيه نبرة عتاب ومرارة:
— “حرام عليكم.. ظلمتوها وضيعتوها! البوتاجاز والتلاجة والدولاب.. دي أجهزة أختي اللي جابتها بدم قلبها وبفلوسها الخاصة اللي ورثتها من عمها قبل ما تتجوز.. ومكنش مفروض عزت يطردها كده من غير حتى ما يفهم هي ليه دخلت أخوها.”
حماتي ردت بصوت مرتعش ومقهور: “يا ابني عزت اتصرف بعصبية ساعة غضب، وأخوها حلف يمين ميحطش رجله، وهي خالفت.. بس خلاص اللي حصل حصل.”
هنا رد أخوها بكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة، كلمة جمدت الدم في عيوني وخلتني أقع على كرسي التسريحة وأنا مش قادرة أخد نفسي:
— “خالفُت إيه يا حاجة؟! أختي مكنتش معترضة على يمين جوزها ولا حاجة.. ناصر ابن لزمة ده مدخلش البيت عشانها أصلًا!”
فتحت عيوني على آخرها وبرقت بذهول وأنا بكرر في نفسي: “مَدخلش عشانها؟! أومال دخل عشان مين؟!”
أخوها كمل كلامه بحرقة ودموعه في عينه: “ناصر أصلاً كان هربان من ناس بلطجية بيطاردوه عشان ديون ومخدرات، وجه خبط على باب أخته يستدارى عندها، وهي كعادة قلبها الطيب قالت له أمشي لا عزت يشوفك، فلما لقاها هتقفله الباب، هددها بسكينة في جيبها وقالها لو ما دخلتينيش وادتينا أكل وفلوس لأفضحه في الشارع وأقول إنك بتستقبليني من ورا جوزك في السر! المسكينة اترعبت على بيتها وعلى سمعتها، فدخلته غصب عنها عشان تلحق تسكته وتطفشّه بسرعة من غير ما حد يحس! وفاء مكنتش بتعصي جوزها.. وفاء كانت مهددة ومجبورة ومبتزة!”
الكلمات نزلت على دماغي زي البلاطة. حسيت إن الغرفة بتدور بيا، وإن الجدران وقعت فوق رأسي.
يعني إيه؟ يعني وفاء مكنتش بتخون جوزها ولا بتستهتر بيمينه.. دي كانت بتحميه وبتحمي بيتها من شر أخوها المجرم! يعني أنا.. أنا اللي دبرت اللعبة، وخلّيت العيال يقولوا لعزت، وأنا اللي حفرت بايدي حفرة الطلاق ورميتها فيها!
قعدت أفرك في إيديا وأنا بترعش كأني ممسوسة. المصيبة الأكبر مش في إن وفاء مظلومة وبس.. المصيبة إن ناصر—الأخ المجرم—لما طردوه من البيت ومشي، قبل ما يسافر أو يهرب، عرف بطريقة ما إن أنا اللي سلطت العيال وخلّيت عزت يطلق مراته عشان ينتقم من وفاء.. وبعت رسالة تهديد على رقم جوزي أو كتبها على الحائط بره: “يا عزت، مراتك هي السوسة اللي خربت بيتك بإيديها عشان تطفش وفاء.. واصبر عليا!”
لو عزت عرف الحقيقة دي.. لو عرف إني أنا السبب الرئيسي في خراب بيته وطلاق مراته الطيبة المظلومة.. مش هيطلقني وبس.. ده ممكن يقتلني بدم بارد! البيت اللي كنت فاكرة إني بقيت ملكته لوحدي بعد مشي وفاء، بقى سجن مرعب، وكل دقيقة بتعدي وأنا حاسة إن حبل المشنقة بيقرب من رقبتي.
الجزء الثالث
من اللحظة اللي سمعت فيها كلام أخو وفاء، وأنا عيوني مباتتش الليل. كنت قاعدة على السرير في نص الليل، البيت كله هادي ونايم، ما عدا صوت دقات قلبي اللي كان عامل زي الطبول في صدري. كل ما أقفل عيني وأحاول أنام، أشوف وش وفاء وهي ماشية مكسورة ومنهارة وشايلة بنتها الصغيرة، وأسمع صوت أخوها وهو بيقول: “وفاء مكنتش بتعصي جوزها.. وفاء كانت مهددة ومجبورة ومبتزة!”
الجملة كانت بتتردد في عقلي زي شريط مكسور. أنا اللي سعيت، أنا اللي لعبتها بدهاء، وأنا اللي سلطت العيال عشان أنتقم من وجودها وأبقى ملكة البيت لوحدي.. وفي الآخر، طلعت دمرت إنسانة مالهاش أي ذنب، وجرحت راجل كان بيحب مراته بس كرامته كانت عنده بالدنيا!
تاني يوم الصبح، نزلت المطبخ عشان أعمل الفطار، لقيت حماتي قاعدة لوحدها على الترابيزة، وشايشة وشربت الشاي بسكوتة من غير نفس. عيونها كانت حمرا وغرقانة دموع، وبصت لي بنظرة غريبة أول ما دخلت.. نظرة كأنها بتبص لعدو مش لمرات ابنها. قربت منها برعشة في صوتي وقولت:
— “صُباح الخير يا أمي.. أحضر لك الفطار؟”
حماتي هزت راسها برفض، وقالت بصوت متبوع بحسرة ومرارة:



