روايات وقصص

اخو سلفتي ج 2 بقلم زهره

“فطار إيه يا بنتي.. البيت ده اتطفى من يوم ما وفاء مشيت. عزت لحد دلوقتي قاعد في الشارع مش راضي يدخل، وواكل نفسه من الندم والوجع، وبيقول لو رجع بيا الزمن مكنتش اتسرعت ولا رميت عليها اليمين.. بس خلاص، البنت اتظلمت وراحت لحالها، وعزت بيموت بالبطيء.”

 

كل كلمة قالتها كانت زي السكينة في صدري. كنت عايزة أصرخ وأقولها: “أنا السبب! أنا اللي عملت كده!” بس الخوف كان خانق زوري ومكتف لساني. لو اعترفت.. عزت هيقتلني، وحماتي هتكرهني، وعيلتي كلها هتتفرش في الأرض.

 

وفي وسط ما كنا قاعدين، سمعنا صوت خبط جامد ومفاجئ على باب الشقة بره!

 

حماتي اتخضت وقالت: “مين اللي بيخبط كده في وقت بدري ده؟!”

 

قمت وأنا برجف، وفتحت باب الشقة.. وكانت الصدمة اللي جعلت الدم ينشف في عيوني! واقف على الباب اتنين من أمين الشرطة ومعاهم ناصر—أخو وفاء—وماسكين في إيده كلبشات، ووشه مليان كدمات!

 

ناصر بص لي بابتسامة صفرا خبيثة وشريرة، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي في البيت:

 

— “مساء الفل يا ست البيت.. قولي لعزت يطلع حالا، عشان جاي أقوله على مين اللئيم اللي باع مراته وخطط لطلاقها من وراه.. وجايب لك معايا هدية تسد عين الشمس!”

 

حسيت إن الأرض بتميد بيا، ورجلي ما عادتش شايلاني.. لقيت نفسي بقع على الأرض وفاقدة الوعي تماماً قبل حتى ما عزت يطلع من أوضته!

 

تفتكري ناصر ناوي على إيه بالظبط؟ وهل عزت هيعرف الحقيقة الكاملة وينفجر في وجه مرات أخوه؟

 

فتحت عيوني ببطء شديد، ولقيت نفسي مرمية على أرضية الصالة، وحماتي برشّة مية على وشي بعصبية وقلق، بينما عزت كان واقف قدامي في وسط الصالة، ووشه أسود ومكفهّر من الغضب، وعيونه بتطلع شرار. أما ناصر، فكان واقف في ركن الصالة جنبه عسكريين الشرطة، وابتسامة التشفي مرسومة على بوقه.

عزت نزل على ركبه قدامي، ومسكني من يكايا بحدة وقوة خلت زوري ينضغط، وصرخ بصوت عالي هز جدران الشقة:

— “انطقي! الزفت ده بيقول إيه وأنا فاقد الوعي؟! إيه حكاية إنك إنتِ اللي دبرتي طلاق مراتي؟!”

حاولت أبلع ريقي اللي نشف، وكنت بترعش زي الفرخة المبلولة، وكلمات التبرير الهاربة مش راضية تطلع. بس ناصر ما سابش لي فرصة أكدب، وتقدم خطوة وقال بصوت سافر:

— “اسأل مرات أخوك المحترمة يا عزت.. اسألها مين اللي سلط عيالها الصغيرين عشان يجوا يجروا عليك أول ما تدخل وتقولك: (خالو ناصر كان هنا وعمتو وفاء أكلته لحمة!).. هي دي اللعبة اللي لعبتها عشان تطفش وفاء وتخلو لها البيت!”

عزت سبني فجأة وقام وقف وكأن صاعقة نزلت على دماغه. بص لي بنظرة عمر بحياتي ما هنساها.. نظرة كره وصدمة وقرف، وقال بصوت مهتز ومش مصدق:

— “إنتي.. إنتي عملتي فيا كده؟! إنتي اللي خربتي بيتي وطلعتي مراتي المظلومة من بيتها عشان تكوني الملكة وحدك؟! إنتي شيطانة مش بني آدمة!”

حماتي حطت إيدها على صدرها وصرخت بلطم على خدها وقالت: “يا حلاوة ديني.. يعني وفاء كانت مظلومة ومجبرة، وإنتي اللي دبرتي المطبخ ده كله؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، دمرتي ابني ودمرتي البيت كله بطممعك!”

عزت ما قدرش يسيطر على أعصابه أكثر من كده؛ هجم عليا وضربني كف جامد حسيت بإن دماغي طارت منه، وزعق في العساكر وقال بصوت مكسور ومحروق:

— “خدوه هو كمان ارموه في الحجز، ونتي.. طالق يا هانم! طالق بالثلاثة، ومش هتشوفي وش عيالي تاني أبداً، اطلعي بره بيتي حالا!”

قعدت على الأرض أعيط وألطم بانهيار، والكل حواليا بيلعنني ويطردني. ناصر خرج وهو بيضحك بشماتة بعد ما أخذ جزاءه، وأنا طلعت من البيت مطرودة ومفضوحة، وشنطة هدومي في إيدي، وعرفت متأخر أوي إن الظلم له عاقبة مرة، وإن السوسة اللي تحفر حفرة لغيرها، هي أول واحدة بتوقع فيها وتندم يوم لا ينفع الندم.

طلعت من البيت وأنا حاسبة إن الكابوس خلص على قد الطرد والطلاق، لكن ماكنتش أعرف إن الفاتورة لسه مخلصتش، وإن اللي زرعته بيدي السودا لازم يحصد شوكه لوحده.

الناس في الشارع والعمارة كلها عرفت بالقصة؛ الكل بقى يبص لي بنظرات احتقار واشمئزاز. حماتي—اللي كنت مفكرة إني هقعد على تختها وأدير البيت بمزاجي—رفضت تماماً تدخلني الشقة حتى عشان أخد باقي حاجتي، وبعتت لي شنطة هدومي مع جارنا وقالت لي كلمة واحدة على لسانه: “أنتِ طردتي الغلبانة وهي بريئة، وربنا ردها لكي في نفس اليوم.. عتبة بيتي محرمة عليكِ ليوم الدين!”

رجعت لبيت أهلي وأنا لا بيت، لا جوز، لا سمعة، ولا حتى عيالي اللي عزت أخد حضانتهم ومنعني حتى أشم ريحتهم، قانوناً وعرفاً وقضائياً، بعد ما قدم تقارير وتسجيلات واعترافات بتثبت كيدي وتدبيري لخراب بيته بالباطل. أمي وأبويا استقبلوني بكسرة نفس وعتاب مر، مفيش حضن يدفيني ولا حد يمسح دمعتي، لأن الكل عرف إني كنت شيطانة في صورة ست بيت طيبة.

وفي الناحية التانية، الأخبار كانت بتوصلني غصب عني؛ عزت ندم ندماً عمره ما ندمه، وحاول بكل الطرق يوصل لوفاء وأهلها عشان يبوس على راسها ويرجعها، وراح بنفسه لحد بيتها واعتذر لها قدام أبوها وأخواتها وقالها إنه باع الدنيا عشانها، لكن وفاء—رغم طيبتها اللي ما بتخلص—كانت خلاص انكسرت كسرة تانية صعبة، ورغم إنها رجعت لبيتها بعد إلحاح وتوسلات طويلة عشان خاطر بنتها الصغيرة، إلا إنها رجعت كملكّة مصونة في بيتها، مش مجرد ضيفة أو ست بيت مطحونة، وبقى عزت شايلها على كفه من كتر الخزي والندم اللي جواه.

أما ناصر، فدخل القفص من تاني في قضاياه القديمة، وكأن ربنا سلطه عشان يكون العقิด اللي بينفض الغبار ويكشف كل مستور.

قعدت في أوضتي الضلمة لوحدي، لا شغل ولا زير ولا ملكة بيت.. فهمت متأخر أوي، وبأقسى طريقة ممكنة، إن الظلم ليله أسود، وإن اللي يحفر حفرة لغيره عشان يسرق مكانه، بيموت جوه الحفرة دي وهو حي.. وإن الطيبة والستر هما اللي بيدوموا، ومش مبالغة لما نقول إن الحبل القصير دايمًا بيجيب آخر الكدب والخداع.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى