منوعات

اتقدملي عريس ج 2 بقلم روماني مكرم

فضل سيف في الحمام أكتر من ساعة، وصوت الكركبة والمياه الشغالة طالع يرج الشقة. أنا كنت قاعدة في الصالة بكل هدوء، حاطة رجل على رجل، وبشرب فنجان القهوة بتاعي وأنا بلعب في التليفون ومستمتعة بلمسات انتصاري الأولى.
أخيراً، باب الحمام اتفتح، وخرج سيف وهو يتربص بالحيطان، وشه أصفر زي الليمونة، وبطنه ساندها بإيديه الاتنين وكأنه طالع من عملية جراحية. بصلي بنظرة تجمع بين الحسرة، الذهول، المكتوم، ومشي ببطء لحد ما اترامى على الكنبة وأخد نفس عميق.
قومت وقفت قدامه وبصيتله ببرود:
* “سلامتك يا عريس.. إيه، الشكشوكة والزيت الحار عملوا شغلهم بسرعة كده؟”
سيف رفع رأسه بالعافية، وبصلي بفرخة عين وقال بصوت مبشوح:
* “انتي مش بني آدمة يا ليلى.. انتي حاربة بيولوجية متحركة! أمي اختفت هي وأختي من العمارة وهما بيلعنوا الساعة اللي فكروا ييجوا فيها، وأنا مصاريني بتستغيث جوة! كل ده عشان تثبتي إن كلام الصالونات كان صح؟”
قربت منه خطوتين، ووطيت شوية بصيت في عينيه وقولتله بحزم:
* “لأ يا سيف.. مش عشان أثبت، عشان أعرفك إن اللعب معايا مش بسهولة التنازلات المستفزة اللي كنت بترميهالي في الصالون. أنت كنت بتوافق على أي عيب أقوله لمجرد إنك تتدبس فيا وتجوزني وخلاص! قولي بقى الحقيقة.. أنت ليه عملت كل ده؟ ليه جوز الصالونات اللي بيطفش من أول كلمتين مسك فيا بالأسنان والأظافر وباع أمه وأهله وقالي ‘أنا بحب الرغي’ و’بنصحى بعد العصر’؟ أنت وراك إيه يا سيف؟”
سيف غمض عينيه وبلع ريقه وصمت تماماً لمدة دقيقة. كان بيحاول يجمع أفكاره، أو ربما بيحاول يهرب من الإجابة. وفجأة، تليفونه رن على الترابيزة بصوت عالي جداً.
سيف اتنفض، وبص لشاشة التليفون، وعلى وش ظهرت علامات التوتر والارتباك الصريح. حاول يمد إيده بسرعة عشان ياخد التليفون، بس أنا كنت أسرع منه. سحبت التليفون من على الترابيزة وبصيت في الشاشة.. المتصل كان متسجل باسم: “الدكتور رفعت – المستشفى”.
سيف قام وقف بالعافية وجري يحاول ياخد التليفون مني وهو بيتحسب:
* “هاتي التليفون يا ليلى! ده شغل.. هاتي!”
رفعت التليفون لفوق وفتحت الخط وحطيته على السبيكر قبل ما يلحق يوصلك. جه صوت راجل كبير وراسين من الناحية التانية بيحكي بلهجة جادة جداً:
* “أيوة يا سيف يا بني.. الف مبروك يا عريس. معلش بضايقك يوم صباحيتك، بس كان لازم أطمن عليك. هل بلغت ليلى بالحقيقة؟ هل عرفتها إنك محتاج تبدأ جلسات العلاج الطبيعي والمتابعة فوراً بعد جوازكم عشان الحالة متتدهورش؟ سيف.. الكتمان مش في صالحك، وأنت عارف إن ضغط الشغل والتوتر اللي فات كان ممكن يأذي ظهرك وعمودك الفقري بشكل دائم لو مكنتش عملت العملية في السر قبل الفرح بشهرين!”
السكوت ساد الشقة كلها. أنا وقفت مكاني، إيدي اللي مسكة التليفون اتجمدت، وبصيت لسيف بذهول تام.
سيف نزّل إيديه وهدى، وشال التليفون من إيدي بالراحة، وقال للدكتور بصوت هادي ومكسور:
* “شكراً يا دكتور رفعت.. هكلم حضرتك كمان شوية.”
وقفل الخط.
أنا كنت واقفة مش فاهمة حاجة.. عملية؟ ظهر؟ علاج طبيعي؟!
* “إيه ده يا سيف؟” سألته بصوت واطي وذهول: “عملية إيه؟ وضهر إيه؟ أنت مريض؟”
سيف أخد نفس طويل، ومشي بخطوات ثقيلة ناحية الكنبة وقعد، حاطط إيديه بين راسه، وبدأ يتكلم بصوت مليان وجع وألم حقيقي، مش بسبب الشطة، لكن بسبب السر اللي كان خافيه:
* “أنا مش بعاند معاكي يا ليلى.. ولا كنت بضحك عليكِ في الصالونات عشان أدبسك وخلاص. أنا من سنة تقريباً اكتشفت إن عندي مشكلة خطيرة في الفقرات القطنية، وكانت مهدداني بالشلل لو مكنتش عملت عملية تثبيت فقرات فورية. عملت العملية في السر قبل ما أتقدم لك بشهرين محدش كان يعرف غير أمي بصعوبة.. ودخلت فترة علاج قصيرة. الدكتور قالي إني محتاج زوجة تتفهم وضعي، محتاج حياة هادية، محتاج حد ميكلفنيش مجهود شاق ولا يعيشني في توتر. لما جيتلك الصالون وقعدت معاكي.. أنتِ كنتِ العوض بالنسبة لي.”
دموع صغيرة لمعت في عين سيف وهو بيكمل:
* “لما قولتلي مبعرفش أطبخ ولا أنضف، أنا فرحت من قلبي! عارفة ليه؟ لأن دكاترتي منعوني من الحركة العنيفة، وأنا أصلاً مكنتش عايز زوجة تشقى وتتعب وتطلب مني أتحرك وأشيل وأحط معاها. لما قولتلي بتصحي بعد العصر ومبتحبيش الدوشة والعيال، حسيت إن ربنا باعتك ليا كهدية، لأن راحتي ومستقبلي الصحي كان محتاج الهدوء ده بالظبط! أنا كنت بوفقك على كل حاجة مش عشان أتجرأ عليكِ ولا أخدك تحدي.. أنا كنت خايف أقولك على مرضي ترفضيني زي ما أترفضت من بنتين قبلك أول ما عرفوا إن عريسهم عامل عملية في ضهره وقدامه فترة علاج طويييييلة!”
أنا كنت واقفة مبهولة. الصدمة أجمت لساني. كل الأفكار اللي كانت في دماغي.. كل خطط الشرير والتطفيش والأكل المسموم اللي عملته، كانت مبنية على استنتاج غلط تماماً! سيف مكنش بيمثل الثقة والبرود، سيف كان راجل مجروح وخايف يفقد فرصة إنه يعيش حياة طبيعية مع إنسانة تقبله!
سيف قام من على الكنبة بصعوبة، وقرب مني، وبص في عيني بنظرة ألم وقال:
* “أمي كانت جاية الصبح وهي مرعوبة عليا.. هي عارفة إني نائم ومقدرش أتحرك كتير، وكانت فاكرة إنك هتكتشفي تعبي أو تقطمي ضهري بطلبات الصباحية، عشان كده كانت شديدة معاكي ونازلة حزم عشان تحميني من غير ما تحكي لك.. الأكل اللي عملتيه والشطة اللي حطيتيها كانت حتة من عقابك ليا، وأنا يستاهل لأني خبيت عليكي.. بس والله العظيم يا ليلى، أنا حبيتك من أول لحظة شفتك فيها، ومشفتش فيكي غير النجاة والسلام اللي كنت بدور عليه.”
كلماته كانت زي المطر اللي طفى كل النار والشر اللي كان جوايا. حسيت بالذنب بيأكل في قلبي أكل.. افتكرت منظر أمه وهي مسكة بطنها وبتجري، ومظهر سيف وهو بيتكعبل ويدخل الحمام بسببي، وهو أصلاً شايل حمال ثقيل وجاي من عملية صعبة.
بلعت ريقي وبصيت للأرض، والدموع بدأت تتجمع في عيني وقولت بصوت متقطع:
* “أنت.. أنت ليه ممثلتش الصراحة من الأول يا سيف؟ ليه سيبتني افتكر إنك بتلعب بيا وإن الموضوع مجرد عناد وثقة عمياء؟”
سيف ابتسم ابتسامة هادية وموجوعة، ومد إيده مسح دمعة نزلت من على خدي وقال:
* “عشان كنت خايف خسارتك يا ليلى.. كنت خايف تفتكري إني واخدك عشان تمريض أو خدمة، وأنا مش عايز كده.. أنا كنت عايز شريكة وحبيبة.”
في اللحظة دي، تلفزيون الشقة اتفتح فجأة على صوت جرس الباب وهو بيرن تاني برعب وبشدة!
بس المرة دي، صوت الخبط مكنش صوت الحاجة فاطمة.. كان صوت راجل غريب وقوي بيزعق من برة:
* “افتح يا سيف! افتح بدل ما أكسر الباب! الحساب القديم لازم يتصفى النهاردة!”
سيف أول ما سمع الصوت، وشه اتخطف تماماً، ولون أبيض زي الملاية، وبصلي برعب أكبر من رعب أمه بمليون مرة وقال وهو ببيشعفني ورا ضهره:
* “ادخلي جوة الأوضة يا ليلى فوراً واقفلي على نفسك! ده ‘عمر’ أخو خطيبتي القديمة.. والموضوع كبر أوي!”
انقبض قلبي وانقطعت أنفاسي وأنا شايفه سيف بيترعش قدامي، وشه اللي كان خالي من الألوان أصلاً بسبب الشطة والعملية، بقى زي الميتين. صوت الخبط على الباب كان بيترج رج، والراجل اللي بره بيخبط بإيديه ورجليه وصوته الجشير يرن في الممر:
* “افتح يا سيف! فاكر لما فسخت الخطوبة مع أختي وسبتها قبل فرحها بشهر وادعيت إنك عيان ومتقدرش تتجوز، إن الموضوع هيعدي؟ ودلوقتي جاي تتجوز وتعمل فرح وهي قاعدة بقهرتها؟ افتح يا نذل ورينا رجولتك!”
الصوت كان زي الصاعقة نزل عليا! بصيت لسيف بذهول متضاعف.. “فسخ خطوبة قبل الفرح بشهر؟ ادعى المرض؟” الأفكار اتضاربت في دماغي بسرعة الصاروخ، حسيت إن الأرض بتدور بيا. الحقيقة اللي لسة حكاهالي عن عمليته وضهره بقت متداخلة مع اتهامات الراجل اللي بره. هل سيف كان بيكذب عليا تاني؟ ولا في حلقة مفقودة أنا مش فاهمة منها حاجة؟
سيف مسك دراعي بلهفة ورعب، وبص في عيني وقال بصوت واطي وبيترعش:
* “ليلى.. أرجوكي أدخلي جوة واقفلي الباب، والله العظيم كل الكلام اللي سمغتيه مني عن مرضي صح، وعمر ده فاهم الموضوع غلط تماماً وميعرفش الحقيقة! أدخلي جوة وم تخرجيش مهما حصل!”
دفعت إيده عني بقوة وقولت بصوت مكتوم وعينيا مليانة شرار:
* “أدخل جوة إزاي وأنت واقف مش قادر تقف على رجليك وبطنك تتقطع من الأكل وضهرك مهدد بالشلل؟! مش هسيبك، ومش هسمح لحد يهددنا في بيتنا يوم صباحيتنا!”
الخبط زاد وبدأ الباب يتجمع حوليه الجيران من صوت الزعيق. سيف أخد نفس عميق، وفتح الباب بالراحة، وهو حاطط إيده على ضهره وبيحاول يداري وجعه.
أول ما الباب اتفتح، دخل “عمر” زي الثور الهايج، راجل طويل وعريض ووشه أحمر من الغضب. أول ما شاف سيف، زقه في صدره بقوة وقال:
* “أهلاً بالعريس! أهلاً باللي عمل نفسه مريض مش قادر يتجوز أختي ‘نور’، وراح خطب وتجوز غيرها في أقل من سنة! فاكرنا مش هنعرف؟ فاكر حق أختي وكسرة قلبها هتعدي بسهولة؟!”
سيف أترمي لورا من الزقة، وصرخ صرخة مكتومة من الوجع لما ضهره خبط في حافة الترابيزة. مسك ضهره بوجع شديد ووشه اتلوى، وكان هيقع على الأرض لولا إني جريت عليه وسندته بكل قوتي.
بصيت لعمر بعيون نارية، ووقفت بينه وبين سيف وصرخت في وشه بكل قوة:
* “أنت إزاي تتجرأ تقتحم بيتنا وتتمد إيدك على جوزي في يوم صباحيته؟! أنت مجنون ولا إيه؟!”
عمر بصلي باحتقار وقال:
* “أنتي مش فاهمة حاجة يا عروسة! الجدع ده خدع أختي وسابها قبل الفرح بشهر، وق الها أنا عيان ومقدرش أظلمك معايا ومقدرش أفتح بيت، وأول ما سابها جالك أنتي وعمل فرح وهي قاعدة تعيط! ده بني آدم خاين وماعندوش أصل!”
هنا سيف رفع رأسه بالعافية وهو مسنود عليا، وبص لعمر وقال بصوت مبشوح ومليان وجع:
* “أنا مخنتش حد يا عمر.. أنتوا اللي رفضتوا تسمعوا! أنا لما اكتشفت مرضي بالفقرات، أختك ‘نور’ قعدت مع أمك وقالتلي بحرف الواحد إني هبقى عبء عليها، وإنها مش مستعدة تعيش مع راجل احتمال يتقعد في الكرس المتحرك! أختك هي اللي طلبت ننهي كل حاجة من غير ما نفضح السبب قدام الناس عشان سمعتها، وأنا وافقت وشيلت العيب كله قدام الناس وقولت أنا اللي مش قادر أتجوز عشان أحميها ومكسرش رغبتها!”
عمر اتجمد مكانه، وشه يتغير وعينيه وسعت من الصدمة:
* “إيه؟ نور أختي هي اللي قالت كده؟! أنتا بتكذب عشان تطلع نفسك بريء!”
سيف طلع تليفونه بإيد ترتعش، وفتح تسجيل صوتي ورسائل قديمة وحط التليفون في وش عمر. كان صوت “نور” واضح جداً وهي بتقول لسيف: (سيف، أنا آسفة بس أنا مش هقدر أكمل مع حد ظروفه الصحية بالخطورة دي، يا ريت تنهي الموضوع وتتحمل أنت السبب قدام قرايبنا عشان محدش يقول عليا إنها سابته عشان مرضه).
الهدوء ساد الممر كله. عمر بصل للتليفون بذهول شديد، وبعدين بص لسيف اللي كان بيلهث وبيموت من الوجع. إيدين عمر نزلت لجنبه، ولون وشه أتحول لخجل شديد ورعب من اللي عمله.
* “أنا.. أنا مكنتش اعرف.. نور قالتلي إنك أنت اللي سبتها فجأة عشان تروح لغيرها..” قال عمر بصوت واطي ومكسور.
أنا بصيت لسيف، وحسيت بقيمة الراجل ده الحقيقية. سيف مش بس كان مريض ومظلوم، ده كمان كان شايل سر بيحمي بيه كرامة بنت رفضته في أضعف لحظات حياته، وما رضيش حتى قدام أهلها!
قربت من عمر وبصيتله بكل حزم وقولتله

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى