
كنت حاسة إني أخيرًا شايلة حملًا أكبر من الحمل اللي في بطني، وبدأت أنزله عن كتفي. في طرقة الجامعة، لقيت الدكتورة نهى ورايا. قالت: — سلمى. وقفت. — أنا آسفة. بصيتلها. قالت: — أنا ماكنتش أعرف إنك مش عارفة. ضحكت ضحكة قصيرة. — يعني لو كنت عارفة، كان الموضوع هيبقى عادي؟ سكتت. — نهى، أنتِ شفتي رجلي في العيادة.
دموعها نزلت.
— أنا عارفة.
— وشفتي إني حامل.
— عارفة.
— وسمعتيهم بيتكلموا عني كأني تجربة.
هزت رأسها.
— أيوه.
قلت:
— ليه ماحدش قال لي؟
ما ردتش.
وبعد لحظات قالت:
— كنت فاكرة إن الدكتور كريم أخد موافقتك.
بصيتلها.
— كل واحد فيكم افترض.
قالت:
— أنا غلطت.
— آه.
سكتنا.
ثم قلت:
— الغلط مش بس إنك صدقتيه. الغلط إن محدش فكر يسألني.
هزت رأسها.
— عندك حق.
مشيت.
وأنا خارجة من بوابة الجامعة، موبايلي رن.
كان كريم.
ما رديتش.
رن تاني.
وبعدين رسالة:
“لازم نتكلم.”
مسحت الرسالة.
وبعدها جت رسالة تانية:
“إنتِ فاهمة الموضوع غلط.”
ما رديتش.
بعدها:
“لو سمحتي ما تعمليش أي خطوة قبل ما نرجع البيت.”
وقفت عند العربية.
قرأت الرسالة.
وبعدين حطيت الموبايل في شنطتي.
وقلت لنفسي:
— خلاص.
ركبت.
وأول مكان رحت له كان مكتب المحامية.
كانت الأستاذة مريم.
حطيت قدامها الملف.
وقلت:
— أنا مش عايزة أرجع البيت دلوقتي.
بصت للأوراق.
— متأكدة؟
— أيوه.
— عندك مكان تروحيه؟
— أيوه.
كان عندي شقة صغيرة كانت باسم أمي، وكانت مقفولة من سنين.
ما كنتش بروحها إلا نادر.
لكن من اليوم ده بقت بيتي.
مريم قالت:
— أهم حاجة دلوقتي إنك ما تواجههوش لوحدك.
— مش هواجهه.
— خلي التواصل مكتوب قدر الإمكان.
— حاضر.
— وحافظي على كل حاجة.
— عملت نسخة من كل حاجة.
ابتسمت.
— كويس.
بعدين قالت:
— سلمى، في حاجة لازم تعرفيها.
بصيتلها.
— إيه؟
— لو ثبت إن اسمك استخدم في بحث من غير موافقة، الموضوع مش مجرد خلاف زوجي.
سكت.
— يعني؟
— يعني فيه إجراءات قانونية وإدارية ممكن تحصل. لكن لازم كل حاجة تتراجع من جهة مختصة.
هزيت رأسي.
— أنا مش عايزة أنتقم.
قالت:
— كويس.
— أنا عايزة حقي.
— وده فرق كبير.
في المساء، وصلتني رسالة من كريم.
“إنتِ فين؟”
ما رديتش.
بعدها بنصف ساعة:
“ارجعي البيت.”
وبعدين:
“أنا مستعد أعتذر.”
ما رديتش.
وبعدين:
“مش هينفع تفضحيني قدام الجامعة.”
الكلمة دي وقفتني.
فضحيني؟
أنا؟
أنا اللي اتفضحت حياتي من غير إذني؟
فتحت الرسالة.
وكتبت:
“أنا مش اللي فضحتك يا كريم. أنت اللي حطيت اسمي في بحث من غير موافقتي.”
وبعت.
بعد أقل من دقيقة شفت إنه قرأ.
ما ردش.
لكن بعد عشر دقايق وصلني:
“إنتِ مش فاهمة اللي عملتيه.”
قفلت الموبايل.
في اليوم التالي، الجامعة أصدرت قرارًا مؤقتًا بتشكيل لجنة مستقلة لمراجعة الدراسة.
لم أعرف التفاصيل كلها.
لكنني عرفت أن البحث اتوقف.
والأغرب إن كريم ما حاولش يكلمني بعدها لمدة يومين.
كنت متوقعة غضبه.
لكن الهدوء ده كان أخوف.
وفي اليوم الثالث، وأنا قاعدة في الشقة، سمعت خبط على الباب.
ما فتحتش.
جالي اتصال من أختي.
— سلمى، كريم عند ماما.
اتوترت.
— بيعمل إيه؟
— بيقول إنه عايز يكلمك.
— مش هروح.
— أنا قلت له كده.
بعد دقائق قالت:
— في حاجة كمان.
— إيه؟
— هو جاب معاه دكتور من الجامعة.
— ليه؟
— مش عارفة.
قفلت.
وبعدها مباشرة موبايل أمي رن.
ما رديتش.
ثم رسالة منها:
“تعالي يا بنتي.”
قلبي اتقبض.
اتصلت بيها.
— ماما، هو قالك إيه؟
قالت:
— بيقول إن الموضوع سوء تفاهم وإنك فهمتي البحث غلط.
— ماما، لو سمحتي ما تدخليش في الموضوع.
— أنا أمك.
— وأنا عارفة. عشان كده بقولك ما تدخليش.
سكتت.
ثم قالت:
— بس هو جوزك.
الجملة دي وجعتني.
قلت بهدوء:
— وأنا مراته مش ملكه.
سكتت أمي.
وبعدين قالت:
— عندك حق.
كانت أول مرة أسمعها تقولها.
في نفس الليلة، بدأت أحس بألم في بطني.
اتخضيت.
روحت المستشفى.
عملت الفحوصات اللازمة.
الدكتورة طمنتني إن الجنين بخير، لكن طلبت مني الراحة وعدم إجهاد نفسي.
وأنا خارجة من المستشفى، كان في حد مستنيني.
كريم.
وقفت مكاني.
قال:
— سمعت إنك في المستشفى.
ما رديتش.
— أنا كنت خايف عليك.
قلت:
— متقربش.
وقف.
قال:
— سلمى، أنا غلطت.
بصيتله.
— غلطت في إيه؟
— في إني ما قلتلكيش كل التفاصيل.
ضحكت بحزن.
— كل التفاصيل؟
— أنا ماكنتش أقصد أأذيكي.
— بس أذيتني.
— ماكنتش متوقع إن رجلك هتتورم بالشكل ده.
بصيتله طويلاً.
— يعني لو التورم كان بسيط، كان الموضوع هيبقى عادي؟
سكت.
— جاوبني.
— لا.
— يبقى المشكلة مش في التورم.
ما ردش.
قلت:
— المشكلة إنك قررت إن جسم مراتي ملك البحث بتاعي.
خفض رأسه.
قلت:
— أنا كنت بثق فيك.
رفع عينه.
— وأنا بحبك.
هزيت رأسي.
— الحب مش إنك تخوفني من مصروف البيت.
— كنت بحاول أخلي التجربة دقيقة.
— على حسابي؟
سكت.
— وعلى حساب ابني؟
ما ردش.
— وعلى كرامتي؟
قال:
— أنا مستعد أصلح كل حاجة.
قلت:
— في حاجات ما بتتصلحش بكلمة آسف.
ثم مشيت.
كان ممكن أرجع.
كان ممكن أصدق إنه ندم.
لكنني تذكرت كل مرة وقفت فيها قدام المرآة أحاول أخفف الألم على قدم متورمة.
كل مرة قال لي فيها:
“لو بتحبيني اسمعي كلامي.”
كل مرة صدقت فيها إن المشكلة فيا.
لا.
المرة دي ما كنتش هرجع.
مرت أسابيع.
الحمل كبر.
بطني كبرت.
ورجلي بدأت تتحسن.
أما كريم، فكان التحقيق مستمرًا.
كل شوية كانت توصلني ورقة أو اتصال.
وفي يوم، اتصلت بي مريم وقالت:
— سلمى، اللجنة خلصت الجزء الأول من المراجعة.
قلت:
— وطلع إيه؟
— فيه مشاكل كبيرة.
سكت.
— أولًا، مفيش موافقة مستنيرة صحيحة منك.
— يعني؟
— يعني الورقة اللي اتقدمت باسمك مش مطابقة للتوقيع اللي في أوراقك الرسمية.
سكت.
— وثانيًا، فيه أجزاء من البحث اتكتبت على أساس ملاحظات عن حالتك الشخصية.
— من غير إذني؟
— أيوه.
غمضت عيني.
— وثالثًا…
— إيه؟
— فيه طالبات شهدوا إن الدكتور كريم كان بيستخدم تفاصيل من حياتك أثناء المحاضرات.
حسيت بالدموع في عيني.
مش بسبب كريم.
بسبب نفسي.
لأني افتكرت كام مرة كنت بحكيله تفاصيل صغيرة عن يومي، وأنا فاكرة إنها أسرار بين زوجين.
قالت مريم:
— في حاجة تانية.
— إيه؟
— البحث اتقدم للترقية المهنية.
سكت.
فهمت.
يعني الموضوع ماكانش مجرد بحث.
كان جزء من مستقبله.
— كان محتاجه عشان يترقى؟
— أيوه.
ضحكت بحزن.
— وأنا كنت السلم اللي هيطلع عليه.
مريم سكتت.
قلت:
— خلاص.
— خلاص إيه؟
— مش هسكت.
بعد أسبوع، جالي خطاب رسمي لحضور جلسة استماع.
دخلت الجامعة للمرة التانية.
لكن المرة دي ما كنتش لوحدي.
كان معايا مريم.
دخلنا القاعة.
كريم كان هناك.
لما شافني، ما بصش في عيني.
قعدنا.
بدأت اللجنة تسأل.
— هل وقعتِ على أي موافقة للمشاركة؟
— لا.
— هل تم شرح طبيعة الدراسة لك؟
— لا.
— هل كنتِ تعرفين أن تصرفات زوجك في المنزل يتم تسجيلها أو استخدامها ضمن البحث؟
— لا.
— هل طلب منك الدكتور كريم ارتداء الحذاء العالي يوميًا؟
— نعم.
— هل هددك بقطع مصروف البيت؟
— نعم.
ثم عرضوا الرسائل.
كانت واحدة وراء الثانية.
كريم قاعد ساكت.


