منوعات

اختي الكبيره ج 3 بقلم زهره

في الشهور الأولى بعد دخول رامي السجن، الحياة كانت برة أثقل بكتير من إني أتخيل. نظرات الناس في الشارع، همسات الجيران، وضغط الديون المتراكمة على الشركة اللي اضطريت أبيع جزء من مصوغاتي عشان أسدد بيها بعض التزامات العمال البسيطة عشان ميضيعوش.

في الوقت ده، مريم أختي كانت هي السند الحقيقي اللي جنبي. بعد ما الصدمة الأولى عدت وظهرت براءة موقفها وإنها مجرد مكان استدارت ليه الصدفة، مريم فتحت بيتها ليا ولحزني. كانت بتيجي تقعد معايا بالساعات، تتابع معايا تفاصيل البيت، ومرات كتيرة كانت بتصمم تاخدني أقعد عندها عشان ماقعد لوحدي في البيت الواسع الموحش.

كنت بروح لرامي في الزيارة، أشوف في عينيه تعب السجن وشحوب الوش، وكان دايماً يكرر نفس الجملة:

ــ ارجعي يا هدى، شوفي حياتك، متخليش عمري الضائع يضيع عمرك إنتِ كمان.

وكل مرة كنت ببتسم بهدوء وأقوله:

ــ عمرنا هيرجع، بس بشرط.. مفيش كلام عن البعد تاني. وكمان مريم بتسلم عليك وديما بتسأل وبتساعدنا من غير ما تحسسني بأي حرج.

رامي كان بيحرك راسه بتأثر ودموعه بتلمع، وكأن وجود مريم جنيننا كان بيمسح جزء من الإحساس بالذنب اللي جواه من يوم اليوم المشؤوم ده.

مع بداية السنة التانية، بدأ المحامي يتحرك بشكل أوسع. كنا بنتقابل كل أسبوع أنا وهو، ويديني أوراق ومستندات أراجعها، وبقيت أفهم في لغة القانون والشركات أكتر من رامي نفسه! الشغل اللي كنت بجهله تماماً وبسببه حصل الخلاف في الأول، بقى هو طوق النجاة اللي بساهم بيه في قضيته. كنت بجمع الفواتير القديمة، وأدور على الثغرات في تعاملات الشركاء الهاربين اللي أكلوا حق الشركة وحطوا الليلة كلها على رأس رامي. مريم كمان ساعدتنا كتير في الجزئيّة دي، بحكم شغلها المكتبي وقدرتها على تنظيم الورق والدفاتر القديمة اللي لقيناها عند رامي في المخزن، وبقت تقعد معايا ليالي كاملة نفرز الفواتير والمستندات.

في إحدى الزيارات، دخلت ومعايا ملف كبير، فتحته قدامه على الترابيزة الصغيرة، وقلت بنبرة كله حماس:

ــ بص يا رامي.. الشريك القديم (سليم) ساب إقرار بصمه قديم، المحامي ومريم لقوه في أرشيف قديم متعلق بشغل زمان.. ده بيثبت إنك كنت معارض لقراراته المالية اللي ورطت الشركة.

رامي بص للورق، وبعدين رفع عينه ليا، وبصوت خافت مليان فخر ودموع:

ــ إنتِ ومريم بقيتوا فريق قانوني خطير يا هدى.. أنا مش عارف أقولك إيه، أنا خربت بيتك ودخلت السجن، وإنتِ بتصلحي كل حاجة بيدك.

رديت عليه بجدية وحزم:

ــ أنا بصلح بيتنا، ومش بسامحك على فكرة إنك لسه بتقول “خربت بيتي”.. البيت ده بيتعمل من جديد، وبيتعمل أقوى من الأول، وبمساعدة الكل.

السنة التالتة كانت الأصعب والأهدى في نفس الوقت. اتعودنا على الروتين.. زيارة كل أسبوع، مكالمة هاتفية سريعة من خلف الزجاج، ورسائل صغيرة متبادلة كنا بنكتب فيها كل اللي حسينا بيه خلال الأسبوع. رامي جوه السجن اتعلم مهارات جديدة، وبدأ يقرأ كتب في الإدارة والقانون، روحه بدات ترجعله، وشعور اليأس اللي كان مسيطر عليه في الأول اتحول لعزيمة حقيقية عشان يثبت براءته مش عشان يطلع وبس، بل عشان يرجع مرفوع الراس قدام مراته وأخت مراته اللي مسبتوش لحظة.

لحد ما جه اليوم الموعود في السنة الرابعة.

كنت قاعدة في المكتب بتاعي في الشغل الجديد اللي اشتغلته عشان أضمن دخل ثابت لينا، لما الموبايل رن. كان صوت المحامي متهدج من كتر الفرحة:

ــ هدى هانم.. الخبر جه! البراءة صدرت، وكل الاتهامات سقطت بعد اعتراف الشريك الهارب اللي قبضوا عليه برة البلاد!

حسيت إن الأرض بتلف بيا. مقدرتش أكمل الكلام، قفلت الموبايل، وعيطت لأول مرة من غير خوف.. عياط الفرج اللي بعد عاصفة طويلة. أول شخص كلمته بعد المحامي كانت مريم؛ صرخت في التليفون من كتر الفرحة، وقالتلي فوراً: “أنا جاية حالاً على بيتكم عشان نجهز لاستقباله!”

في نفس اليوم، كنت واقفة قدام بوابة السجن، ومعايا مريم اللي أصرت تقف من بعيد عشان تسيب لنا اللحظة دي لوحدنا. البوابة اتفتحت، وخرج رامي. مكنش هو نفس الراجل اللي دخل من أربع سنين.. كان أشجع، أرشد، وعينيه بتلمع بحياة جديدة.

شافني واقفة في نفس المكان.. جرى عليّ وحضنني حضن طويل كأنه بيحاول يرجع كل السنين اللي ضاعت بينا في ثواني معدودة. همس في أذني:

ــ خلصت يا هدى.. الكابوس خلص.

قلتله وأنا بمسح دموعي وببتسم:

ــ الكابوس خلص.. وبدأت الحكاية بجد.

رجعنا البيت.. فتحنا الباب مع بعض، ولقينا مريم مستنيانا جوه ومجهزة البيت وكأننا بنحتفل بعيد ميلاد جديد. الشقة كانت تنبض بالحياة، كأنها كانت بتستنانا. قعدنا كلنا، رامي بص لمريم وقال بصوت مكسور من الامتنان:

ــ شكراً يا مريم.. كنتِ أخت حقيقية، ووقفتك معايا أنا وهدى مش هنسساها عمرنا.

مريم ابتسمت وقالت:

ــ إحنا أهل يا رامي، والشدة هي اللي بتظهر معادن الناس.

بعد ما مريم مشيت وسابتنا لوحدنا، قعدنا على نفس الكنبة اللي بدأنا منها الحكاية قبل سنين طويلة. رامي مسك إيدي وباسها وقال:

ــ شكراً لأنكِ كنتِ السند وقت ما الكل سابني.. شكراً لأنكِ اخترتي تكملي.

بصيت لعيونه اللي عرفت سرها من أول يوم، وقلت:

ــ الحب مش كلام يا رامي.. الحب هو إننا نشيل الجبل مع بعض، لحد ما الجبل نفسه هو اللي يتكسر.

ومن يومها، فهمت إن الصعاب مهما كانت مرعبة، فهي بتبين لك مين بيحبك بجد، ومين بيكمل معاك طريق النار للآخر

 

بعد مرور سنتين على خروج رامي من السبن وبداية حياتنا الجديدة، الحاجات حوالينا كانت اتغيرت بشكل مذهل.

رامي مأستش ولا استسلم لفكرة إنه يبدأ من الصفر. بالعكس، الخبرة اللي اكتسبها في سنين المحنة، والدروس القاسية اللي اتعلمها من خيانة الشركاء، خلته أسس شركة جديدة من عرق جبينه، وبأسس أقوى وأميز بكتير من القديمة. مبقاش يعتمد على الشراكات العشوائية، وبقى يحط مراته وسنده “هدى” شريكة حقيقية في كل خطوة، مش بس عاطفياً، دي كمان بقت مستشارته الأولى في كل القرارات المهمة.

في يوم الجمعة، البيت كان مليان ضحك ودفا. مريم كانت قاعدة معانا على الغداء، وبنحتفل بافتتاح المقر الجديد للشركة.

مريم بصت لرامي بابتسامة مشاكسة وقالت:

ــ فكر يا رامي، لولا الورق اللي طلعناه أنا وهدى من الأرشيف زمان، كنت زمانك قاعد لحد دلوقتي بتتناقش في دفاتر قديمة!

ضحك رامي وقال وهو بيبص لي بحب:

ــ لولا هدى ومريم، كنت ضعت يا مريم.. أنا ربنا كارمني بكنز، مش بس زوجة أصيلة، دي عيلة بجد وقفت في ظهر الراجل وقت ما مكنش جنبه غير ظله.

ابتسمت وأنا بحط طبق الحلو على الترابيزة، وقلت:

ــ خلاص بقى يا رامي، الماضي اتصفى واتقفلت صفحته. اللي جاي أحسن بكتير.

بعد ما مريم مشيت، وخلصنا هوانا وروقان البيت، وقفنا قدام البلكونة بنبص على الشارع. الهوا كان لطيف، والدنيا برة هادية.

رامي قرب مني، وحط إيده على كتفي، وهمس:

ــ تفتكري لو رجع بينا الزمن، كنتِ هتخافي من اليوم اللي دخلتي فيه شقة مريم؟

بصيت لعيونه اللي بقيت أعرف كل نبضة فيها من غير ما يكلم، وقلت بتهكم لطيف:

ــ لو رجع بيا الزمن، كنت هدخل الشقة وأنا أجرجر رجليك إنت بالذات عشان تعترف من الأول!

ضحك بصوت عالي ضحكة صافية مكنتش سمعتها من سنين، وضميني لحضنه بقوة وقال:

ــ الحمد لله إنك اخترتي تكملي.. الحمد لله إنكِ كنتِ النور اللي طلعني من أضلم زاوية في حياتي.

سندت راسي على كتفه، وبصيت للسماء الصافية، وتأكدت إن أحياناً أقسى الصدمات هي اللي بتعرفنا قيمة الناس اللي حوالينا، وإن الحب الحقيقي مش كلام حلو بيتكتب في الروايات، الحب الحقيقي هو اللي بيقف قدام جبل السجن والظلم ويكسره لحد ما يرجع الضحكة لبيت اتخرب وبیبان من جديد..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى