منوعات

بقلم نور محمد

سلفتي دايماً كانت شايفة إن أي حاجة بتاعتي هي من حقها… ولما حرقتلي العباية اللي أبويا الله يرحمه جابهالي من الحج، ومكلفتش نفسها حتى تعتذر، ورمتهالي في كيس بلاستيك على باب شقتي، قررت إنها لازم تدفع التمن غالي أوي، وتتعلم درس عمرها ما هتنساه.

​الموضوع معاها مابداش من يوم وليلة.

طول السنتين اللي فاتوا وهي بتستلف مني كل حاجة.

​شنطة خروجي السودة.

طقم الكاسات الكريستال.

المكواة البخار.

وحتى سيشوار شعري.

​كل حاجة كانت بترجع متأخر.

أو متبهدلة.

أو متصلحة لزق عشان اتكسرت.

ومن غير حتى كلمة “آسفة”.

​يوم الخميس اللي فات، جاتلي تطلب العباية القطيفة المطرزة بتاعتي.

​العباية دي بالذات غالية عندي أوي.

أبويا الله يرحمه كان جايبهالي هدية من آخر عمرة ليه قبل ما يتوفى.

ريحتها لسه بتفكرني بيه، وكنت بشيلها في الدولاب كأنها حتة مني، ومابلسبهاش غير في المناسبات القريبة لقلبي.

​المرة دي قلبي اتقبض، وقلت لأ.

قلتها صريحة.

— معلش يا سمر، العباية دي بالذات مش هقدر أدهالك.. دي غالية عليا وذكرى من بابا.

​بصتلي باستنكار كإني شتمتها.

— يا بنتي ده أنا هحضر بيها كتب كتاب بنت خالتي بس، يعني كام ساعة وهرجعهالك متكوية ومتعطرة كمان!

​فضلت تزن، وحماتي كانت قاعدة وبتبصلي بلوم إني بكبر الموضوع على حتة قماشة.

ومش عارفة إزاي، من كتر الضغط والإحراج، لقيت نفسي بقول:

— ماشي يا سمر، خديها.

​صباح السبت…

لقيت كيس بلاستيك أسود متعلق في أوكرة باب شقتي.

​ماخبطتش عليا.

ماقلتش شكرًا.

وماجابتهاش في إيديها.

​فتحت الكيس.

العباية كانت متكورة جوه كأنها حتة خردة.

طلعتها، وريحة شياط قوية ضربت في مناخيري.

​فردتها… ولقيت الكارثة.

حرق كبير أوي في نص العباية من قدام، واكل التطريز ومسيّح القماش حواليه.

دي مش لسعة بسيطة، دي كأنها اتسابت تحت المكواة ربع ساعة!

​فضلت باصة للعباية، ودموعي نزلت من غير ما أحس.

​أخدت العباية ونزلتلها شقتها.

كنت رايحة وأنا متخيلة إنها هتعيط من الإحراج وتتأسفلي وتقولي إنها ماكانتش عارفة تواجهني من كتر الكسوف.

​فتحتلي الباب وهي ماسكة الموبايل ببرود.

بصتلي وقالت:

— أيوة، العباية.

​وبعدين كملت بضيق:

— بصراحة قماشتها رديئة أوي وبتاع زمان، المكواة لزقت فيها من أول لمسة!

​وقفت مذهولة، فقالتلي وهي بتنفخ:

— أنا اضطريت ألبس فستان قديم ومظهري كان وحش أوي قدام قرايبي، بوظتلي اليوم الصراحة!

​في اللحظة دي… كل حاجة وضحت.

​هي ماكانتش مكسوفة.

وماكانتش حاسة بالذنب.

دي كانت بتلومني أنا، علشان “قماشة عبايتي” بوظت خروجتها!

​عرفت ساعتها إن الطيبة معاها ضعف، وإنها شايفة إن كل حاجة في حياتي مستباحة ليها، وإني مهما حصل هسكت وأعدي.

بس المرة دي، هي داست على أغلى حاجة عندي.

​رجعت شقتي.

قعدت على الكنبة، وبصيت للعباية المحروقة.

وبعدين مسحت دموعي، وجاتلي فكرة.

​فكرة خبيثة، بس عبقرية…

قررت أردلها الضربة في أغلى حاجة هي بتتباهى بيها قدام العيلة كلها، وكنت متأكدة إن اللي هعمله هيخليها تلف حوالين نفسها…

​”

قعدت على الكنبة وأنا بحسب كل خطوة بالمللي. سمر نقطة ضعفها المعروفة للكل هي “الظاهر”. بتحب تبان دايماً أشيك وحدة، وأغنى وحدة، والست اللي بتشتري كل حاجتها براندات ومافيش زيها في العيلة. وأغلى حاجة عندها، اللي كانت حاطاها في واجهة النيش ومش بتخلي مخلوق يلمسها، كان طقم صيني ألماني أثري، ورثاه عن جدتها، وكانت دايماً بتردد قدام حماتي وقرايبنا: “ده يسوى ثروة، ومافيش منه حتة تانية في مصر كلها”.

بس أنا كنت عارفة سر سمر اللي محدش في العيلة يعرفه غيري.

من سنة، كنت عندها بالصدفة وهي بترتب النيش، وشفتاها وهي بتكسر الفنجان الرئيسي بتاع الطقم بالخطأ. ساعتها اتخرعت، وأنا عشان كنت طيبة وغبية، ساعدتها تداري الموضوع. هي نزلت وسط البلد، وراحت لراجل بتاع تحف وصيانة، عملها “لصق حراري” مخصص للبورسلين وركّب الأكرة بتاعة الفنجان تاني. الفنجان رجع شكله طبيعي 100%، بس ما يستحملش نقطة مية سخنة واحدة أو أي ضغط، ومجرد ما بيتحط فيه سائل سخن، اللصق بيفك والشرخ بيبان ويتحول لقطع.

الخطة اتخمرت في دماغي في دقائق.

نزلت الظهر، واستغليت إن حماتي كانت عزمانا كلنا عندها على الغدا يوم الأحد، وده المعاد اللي سمر بتحب تتفشخر فيه قدام عيلة جوزي وتطلع طقم الصيني بتاعها عشان تقدم فيه الشاي والحلويات للضيوف.

قبل عزومة الأحد بساعتين، خبطت على شقتها. فتحتلي وهي بتبصلي بقمة الجحود والبرود، كأن مفيش حاجة حصلت البارح.

رسمت على وشي ابتسامة انكسار وطيبة مزيفة، وقلتلها بصوت واطي ومكسور:

— سمر.. أنا آسفة على طريقتي البارح. أنا بس كنت متأثرة عشان العباية ذكرى من بابا، بس حماتي فهمتني إننا إخوات وما ينفعش زعل يدخل بينا عشان حتة قماشة.

عينها لمعت بنصر، وشفت في وشها نظرة الاستعلاء اللي متعودة عليها. وقالتلي بفتور:

— كويس إنك عرفتي غلطك يا شيخة، ما كانش ليه لازمة كلامك البارح ده خالص.

كملت تمثيليتي وقلتلها:

— عشان أثبتلك إن صافي يا لبن، أنا جاية أساعدك في تجهيز حاجة العزومة تحت عند ماما، وهطلع أفرش معاكي الصينية اللي هتقدمي فيها الشاي للضيوف.

سابتني أدخل وهي فرحانة إنها كسرتني وأجبرتني أعتذر كمان. دخلت المطبخ، وبمنتهى الهدوء والتكتيك، فتحت النيش وأخدت الفنجان المصلوح باللزق الحراري، وحطيتها في نص الصينية الكبيرة اللي هتترص فيها الفناجين، وبدلت الأطباق بحيث يكون الفنجان ده هو المخصص لزوجها (ابن حماتي الكبيرة اللي كلمته مسموعة جداً في البيت وبيكره الخسارة والمنظرة الكدابة).

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى