
أم جمال قالت بانفعال:
“يعني بتفرض شروطك على ابني؟! ولدنا ناس كتير تتمناه!”
جمال بقى واقف يتلفت بين أبويا اللي مستني منه قرار واضح، وبين أمه اللي كانت رافضة فكرة استقلاله.
وفجأة، الممرضة خرجت من ناحية الحضانة وهي بتقول:
“يا جماعة! حالة الطفل محتاجة متابعة عاجلة، ونسبة الأكسجين نزلت ولازم ننقله للعناية المركزة فوراً!”
الخبر وقع على الممر كله. جمال اتوتر وجري ورا الممرضة، وأبويا اتسند على العكاز ودموعه نزلت وهو بيدعي:
“يا رب احفظه واشفيه وردّه لأمه بالسلامة.”
أم جمال وصفاء وقفوا مكانهم، وبدأ القلق يظهر عليهم. حاولت صفاء تهدي أمها، لكن جمال التفت لهم وقال بصوت حاسم:
“كفاية! لو ابني أو مراتي حصل لهم حاجة، أنا مش هقدر أكمل بنفس الطريقة. أرجوكم ابعدوا عننا دلوقتي.”
أم جمال سكتت للحظة، ثم خرجت مع صفاء من المستشفى، وسابوا الممر هادي، ما فيهوش غير صوت أجهزة الحضانة ودعاء أبويا وأمي.
مرت ساعات الليل ببطء شديد. جمال قعد قدام باب العناية المركزة للأطفال، حاطط راسه بين إيديه ومبيسكتش عن الدعاء. وأبويا دفع جزء كبير من اللي معاه للمستشفى عشان يوفروا للطفل كل الرعاية المطلوبة، ومقبلش إن جمال يشيل العبء كله في اللحظة دي.
مع الفجر، خرج الدكتور من غرفة العناية.
جمال قام بسرعة وجري عليه:
“بشرني يا دكتور.. أمانة عليك قول إن الولد بخير!”
ابتسم الدكتور ابتسامة هادية وقال:
“الحمد لله.. الأكسجين استقر، والجسم استجاب للعلاج، والولد عدى المرحلة الصعبة. خلال أيام بسيطة، لو استمر التحسن، هيقدر يرجع لحضن أمه.”
جمال نزل على الأرض من شدة الفرح، وشكر ربنا، وأبويا حضنه وطبطب على ضهره.
بعد أسبوع كامل، كنت استعدت جزء كبير من صحتي، وقدرت أقف على رجلي. الولد خرج من الحضانة، وأبويا أصر إننا نروح على بيته في حيّنا القديم.
في نفس اليوم، جمال جاب عربية نقل صغيرة. راح على بيت العيلة، وطلع شقته فوق. أم جمال وقفت في الصالة متوقعة إنه جاي يتكلم معاها، لكنها اتفاجئت بيه ومعاه عاملين، وبدأ يلم حاجاته وحاجاتي وبعض أثاثنا.
أم جمال قالت باستغراب:
“أنت بتعمل إيه يا جمال؟! بتفضي بيتك؟!”
جمال بص لأمه بهدوء شديد، هدوء الراجل اللي اتعلم الدرس، وقال:
“أنا ببرك يا أمي، وهفضل أجي أسأل عليكِ وأساعدك في اللي أقدر عليه. بس بيتي ومراتي وابني لازم يكونوا في أمان. أنا أجرت أوضة وصالة في الشارع اللي ورا بيت عمي، وبعرق جبيني ويوميتي. مش هخلي حد يضغط على مراتي تاني، ولا يطلب من أهلها فوق طاقتهم.”
أم جمال سكتت، وشافت ابنها لأول مرة بياخد قرار مستقل ويحط حدود واضحة بين بيته وحياته العائلية.
وبعد شهر..
كنت قاعدة على الكنبة في شقتنا الصغيرة الجديدة. ريحة المكان لسه جديدة، لكن كان فيه إحساس بالراحة والأمان. الولد نايم في حضني، وجمال دخل من الباب شايل شنطة خضار وفراخ بسيطة جايبها من شغله.
حط الحاجة على الترابيزة، وقعد جنبي وباس رأس الولد ورأسي، وقال:
“سامحيني على اللي فات يا سمر.. كان لازم أتعلم إن الراجل يحافظ على بيته ويعمل اللي يقدر عليه عشان يوفر لمراته وابنه حياة هادية، مش يعيش طول الوقت على كلام الناس.”
ابتسمت له، ومسكت إيده وقلت:
“المهم إننا مع بعض يا جمال.. واللقمة الهنية في الستر والأمان، أحسن بكتير من أي مظاهر أو طلبات ييجي وراها تعب.”
وكانت دي النهاية..
نهاية بيت اتبنى على القناعة والرحمة، ودرس اتعلمناه كلنا: إن وقت الشدة، أهم حاجة هي الوقوف جنب بعض، وإن راحة البيت واستقرار الأسرة أهم من كلام الناس والمظاهر.


