عام

بيت العيله ج 2 بقلم روماني مكرم

جرى جمال ناحية الأوضة بسرعة، ودخل وراه أبويا وأمي. كانت الأوضة ريحتها بنج وشاش، وأنا نايمة على السرير، وشي أصفر من التعب، وشفتي مشققة من الجفاف، والمحلول نازل في إيدي نقطة نقطة. أول ما شفتهم، دموعي نزلت على خدودي في هدوء، ورفعت إيدي بالعافية أدور على إيد أبويا.

مسك أبويا إيدي وباسها، ودموعه نزلت على صوابعي:
“سلامتك يا قلب أبوكي.. سلامتك يا سمر، الحمد لله إنك قمتي لنا بالسلامة يا بنتي.”

جمال قرب من الناحية التانية، وقف مكسور، وعينه مش قادرة تتلاقى في عيني. حط وشه في الأرض وصوته طالع بالعافية:
“سامحيني يا سمر.. حقك عليا، أنا السبب في كل اللي حصلك.. كان المفروض أحميكي وما أسمحش لحد يضغط عليكي بكلمة.”

بصيت لجمال بنظرة فيها وجع كبير. تعب جسمي كله كان في ناحية، ووجع قلبي من القسوة اللي شفتها كان في ناحية تانية. قلتله بصوت متعب:
“ابني فين يا جمال؟ الولد فين؟ أنا ما سمعتش صوته لما نزل.. هما خدوه مني ليه؟”

أمي طمنتني وهي بتمسح على رأسي:
“الولد بخير يا حبيبتي، بس ضعيف شوية ومحتاج حضانة، والحمد لله أبوكي وجوزك بيتصرفوا عشان يوفروا له الرعاية اللازمة.”

في اللحظة دي، دخلت أم جمال وأخته صفاء الأوضة. أم جمال بصتلي وقالت بصوت مسموع:
“حمد الله على السلامة يا سمر.. أهو ربنا نجاكي، والولد جه وشال الهم. بس طالما قمتي على حيلك، أبقي قولي لأبوكي يخلص حساب الحضانة، عشان الدكتور بيقول اليوم بسبعمية جنيه، وإحنا ابننا مش حمل المصاريف دي كل يوم!”

صفاء كملت وراها:
“أيوه والله، وبعدين الشقة تحت مقفولة والناس بتسأل، إحنا مش هنفضل شايلين هم السبوع والناس اللي جاية تبارك، وأنتوا مش مجهزين حاجة تفرّح قدام الناس!”

الكلام نزل عليا تقيل. بصيت لجمال وشفت العجز في عينه، بس المرة دي أبويا ما سكتش. خطى خطوة لقدام، ووقف بيني وبين أم جمال، وضرب بعكازه على الأرض.

قال أبويا بصوت حازم:
“كفاية كلام يا أم جمال! بنتي لسه خارجة من تعب شديد، وحفيدك في الحضانة، وكل اللي شاغلك السبوع والأكل والمنظرة؟! الأولوية دلوقتي لصحتهم.”

أم جمال ردت بانفعال:
“جرى إيه يا راجل أنت؟! أنت بتتكلم معايا كده؟! ابني اللي داخل في الجوازة دي وهيدفع، وإحنا لينا كلمة!”

هنا دخل جمال في النص، ووقف قدام أمه لأول مرة في حياته، وصوته مليان تأثر:
“لأ يا أمي! مالكيش كلمة في الموضوع ده خلاص! أنتِ ضغطتي عليا وعليها عشان خاطر بط وخاتم دهب! أنتِ كنتِ عايزة تبعدي مراتي وهي تعبانة، وأبوها هو اللي وقف وسندني في وقت أنا كنت فيه مش عارف أعمل إيه!”

أم جمال بصت لجمال بصدمة:
“أنت بتعلي صوتك عليا عشان خاطر دي وأهلها يا جمال؟!”

رد جمال:
“أنا مش ببيع حد! أنتِ اللي حطيتي بيني وبين بيتي مشاكل بسبب الفلوس وكلام الناس! الفلوس اللي أبوها بيدفعها في الحضانة دي دين في رقبتي، وهسدده من شغلي، بس سمر وابني من النهارده مش هيتعرضوا لأي ضغط تاني!”

صفاء قالت:
“يعني إيه؟! هتاخدها وتخرج برة البيت؟! وهتسيب أمك لوحدها؟!”

جمال بص لصفاء وقال:
“أمي على راسي في برها وخدمتها، بس مراتي وابني ليهم بيت مستقل وحماية. مش هسيبهم يتعبوا تاني بسبب الخلافات.”

أم جمال اتغير وشها، وقالت بانفعال:
“يبقى أنا زعلانة منك يا جمال! لو خطيت برة البيت ده أو أخدت البت دي معاك، هتبقى اخترت طريقك!”

الجو في الأوضة بقى متوتر، ودقات قلبي بقت تسارع على الشاشة. أمي مسكت فيا، وأبويا واقف صامد، وجمال واقف بين أمه وبين مراته وابنه.

فجأة، دخلت الممرضة ومعاها الدكتور، وقالوا:
“يا جماعة برة فوراً! الحالة ضغطها بيتغير بسرعة ومحتاجة هدوء. برة كلكم!”

أم جمال سحبت صفاء وخرجت، وجمال وقف للحظة مش عايز يبعد، ماسك في طرف السرير وعينه عليا وأنا بدأت أفقد تركيزي من التعب.

شريط الأجهزة كان بيصدر صوتاً منتظماً، والدكتور والممرضات اتحركوا حواليا بسرعة. الغشاوة غطت عيني تاني، لكن المرة دي كنت سامعة كل كلمة برة الباب.

خرج جمال للممر، وسند نفسه على الحيطة، حاطط إيده على وشه وبيعيط. كان راجل اتربى على الطاعة، لكنه بدأ يفهم إن الطاعة لازم يكون ليها حدود لما تتعارض مع استقرار بيته.

أم جمال كانت واقفة في أول الممر، وبصت له وقالت:
“اعمل اللي أنت عايزه يا جمال.. بدل ما تحافظ على بيتك، بقيت تسمع كلامها وتبعد عن أمك!”

جمال رفع راسه، وشه شاحب وعينيه مليانة حزن:
“كفاية يا أمي.. سمر جوة محتاجة هدوء، والولد في الحضانة ومحتاج رعاية. إحنا دلوقتي محتاجين نساعدهم، مش نختلف على بط وخزين وخاتم!”

صفاء دخلت في الكلام:
“إحنا بنحافظ على شكل العيلة قدام الناس يا جمال.”

جمال رد:
“الناس مش هتربي ابني ولا هتعتني بمراتي. اللي يهمني دلوقتي صحتهم وأمانهم.”

في اللحظة دي، خرج أبويا من الأوضة بعد ما الدكتور طمنه إن حالتي بدأت تستقر. كان ماشي ببطء، وعكازه بيخبط في أرضية المستشفى بصوت هادي. وقف قدام أم جمال وقال:

“يا أم جمال.. أنا راجل طلعت على المعاش، بنيت بيتي بالحلال، وربيت بناتي على القناعة والأصل. عمرنا ما بصينا لجيب حد ولا طلبنا من حد فوق طاقته. أنتِ فاكرة إن الدهب والأكل هما اللي بيعملوا القيمة؟ القيمة في الرحمة وفي الصون.”

أم جمال ردت:
“إحنا ناس أصول، والنفاس له ترتيباته! طالما مش قادرين، كان الأفضل ترتاح عند أهلها.”

أبويا هز راسه بأسى وقال:
“الأصل الحقيقي إننا نقف جنب بعض وقت الشدة، مش إننا نحط طلبات على ناس ظروفهم بسيطة.”

التفت أبويا لجمال وقال:
“جمال.. أنت ابني برضه، وأنا عارف إنك شقيان. لكن البيت اللي ملوش حدود واضحة بيتعب أصحابه. أنا هاخد سمر والولد لما يخرج من الحضانة على بيتي. مش حرماناً ليك، لكن عشان بنتي تسترد صحتها ونفسيتها ترتاح. وأنت قدامك وقت ترتب حياتك.”

جمال اتخض:
“وقت لإيه يا عمي؟! أنت هتاخد مراتي مني؟!”

أبويا رد بحسم:
“هتأجر شقة صغيرة يا جمال، حتى لو أوضة وصالة، بعيد عن بيت العيلة. تدفع إيجارها من شغلك، وتعيش مراتك وابنك في هدوء. لو عملت كده، بيتك يفضل مفتوح ومراتك وابنك في حضنك. ولو فضلت تحت نفس الضغط، يبقى كل واحد يختار طريقه، وبنتي وابنها مسؤوليتي.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى