
.
قولت لنفسي إن البيت والدكان هيفضلوا في إيد أخويا، وإنه أولى بيهم في الوقت ده، وإن ربنا هيعوضني خير.
عدت سنين، وكل ما حد يقولي أطالب بحقك، كنت أرفض وأقول ده أخويا، ومش هقدر أكون سبب في إنه يتبهدل هو وعياله.
حتى لما جوزي ماټ، واحتجت الفلوس عشان أصرف على عيالي، ما فكرتش أرجع في قراري، لأني كنت لسه متمسكة بصورة سالم اللي في خيالي، أخويا اللي المفروض يكون ضهري وسندي.
لكن بعد اللي حصل، فهمت إن الاحتفاظ بالحق مش ظلم لحد، وإن التنازل عن الحق مش معناه إن الطرف التاني من حقه يهينك.
تاني يوم، اتصلت بمحامي كنت أعرفه من زمان، وشرحتله الموضوع، وبعتله صور الأوراق اللي معايا.
راجع المستندات، وبعدها قاللي يا مدام هبة، لو الأوراق دي سليمة ومستوفية
الإجراءات، يبقى من حقك تطالبي بحقك قانونيًا. بس لازم نراجع تفاصيل الملكية والتسجيل وأي تصرفات حصلت بعد ۏفاة والدك، عشان نحدد موقفك بدقة.
قلتله أنا مش عايزة أظلم أخويا، ولا عايزة أطرده في الشارع، أنا عايزة حقي وبس. أنا سبتله حقي سنين برضاي، لكن دلوقتي محتاجة أأمن مستقبل ولادي.
قاللي وده حقك، ومش معنى إنك أختُه إنك تتنازلي عن حقك للأبد.
بدأنا نجمع المستندات، ونراجع إعلام الوراثة وأوراق الملكية والتسجيل، وبعد ما اتأكدنا من الموقف القانوني، المحامي قاللي إن الأفضل نبدأ بمحاولة تسوية رسمية، ولو ما وصلناش لحل، نرفع الدعوى المناسبة.
بعت لسالم رسالة قلتله فيها
يا سالم، أنا مش جاية أهد بيتك، ولا عايزة أضيع مستقبل عيالك، لكن البيت والدكان ليا فيهم حق ثابت بأوراق أبويا، وأنا سبتلك حقي سنين طويلة برضاي، عشان كنت فاكرة إنك محتاجه أكتر مني. دلوقتي أنا عندي طفلين يتامى، ولازم أأمن مستقبلهم. يا إما نقعد ونتفق على حقي بشكل قانوني يرضي ربنا، يا إما هضطر ألجأ للقضاء.
بعد ساعة، تليفوني رن.
كان سالم.
رديت عليه، لقيته بيزعق إنتي بتقولي إيه يا هبة؟! إنتي عايزة ترفعِي قضية عليا؟! بعد كل السنين دي؟
!
قلتله بهدوء أيوه يا سالم، عايزة حقي.
قال بعصبية طب وعيالي؟ هتعملي إيه في عيالي؟ هتسيبيهم من غير بيت ولا دكان؟
اتنهدت وقلتله وأنا عيالي ذنبهم إيه يا سالم؟ هما كمان أيتام، وأنا مسؤولة عنهم. إنت كنت بتفكر في عيالك بس، ونسيت إن ليا عيال محتاجين أمان زيهم بالظبط.
سكت شوية، وبعدين قال أنا جاي لك حالًا.
بعد أقل من ساعة، كان واقف على بابي لوحده المرة دي. دخل وقعد، وكان باين عليه إنه ما نامش طول الليل.
قال بصوت مكسور يا هبة، أنا آسف. أنا عارف إني قصرت معاكي، وعارف إن مراتي غلطت، بس والله ما توقعت إنك توصلي للمرحلة دي. أنا أخوكي، وإنتي أختي الوحيدة.
بصيتله وقلت وأنا أختك يا سالم، وكنت مستعدة أتنازل عن أي حاجة عشانك، بس إنت فهمت طيبتي غلط. افتكرت إن سكوتي معناه إن حقي مش مهم، وإن عيالي مش من حقهم يلاقوا حد يقف جنبهم.
نزل راسه وقال حقك عليا، وأنا مستعد أصلح كل حاجة.
قلتله أنا مش عايزة وعود. أنا عايزة اتفاق واضح، يتوثق رسمي، يحفظ حقي وحق ولادي، وفي نفس الوقت ما يظلمكش ولا يضيّع حق عيالك.
فضل يتكلم معايا، ويقولي إنه مستعد يدفعلي جزء من قيمة نصيبي، أو نتفق على طريقة تانية تحفظ حقوقنا كلنا.
لكن رغم اعتذاره، ورغم إنه بقى يكلمني كل يوم تقريبًا، ما رجعتش في قراري.
لأن المرة دي ما كانش الموضوع مجرد زعل بين أخ وأخته، دي حقوق ملكية ومستقبل طفلين مالهمش ذنب في أي حاجة.
وبعد ما عرضنا التسوية على المحامي، ما قدرناش نوصل لاتفاق نهائي يضمن حقي بالشكل اللي يرضيني، خصوصًا إن سالم كان عايز يفضل محتفظ بالبيت والدكان من غير ما يدفع القيمة المستحقة لنصيبي.
وساعتها اتخذت قراري.
رفعت القضية رسميًا.
سالم أول ما عرف، اتصل بيا وقال يعني الاعتذار ما نفعش؟! إنتي مصممة تفضحيني قدام الناس؟
قلتله أنا ما فضحتكش يا سالم، أنا لجأت للقانون عشان أحمي حقي. الاعتذار يصلح الزعل، إنما ما يمسحش حقوق الملكية، ولا يأمن مستقبل ولادي. إنت لو كنت وافقت على حل عادل من الأول، ما كناش وصلنا لكده.
قفل التليفون وهو متضايق، وفضلت القضية ماشية في طريقها، والمحامي بيتابع الإجراءات، وكل مستند بيتراجع، وكل طرف بيقدم اللي عنده.
وخلال الفترة دي، سالم بدأ يفهم إن الموضوع مش
ټهديد ولا محاولة مني إني أنتقم منه، لكنه حق لازم يتحسم بشكل قانوني.
وبعد شهور من الإجراءات، وبعد ما المحكمة راجعت المستندات وأقوال الأطراف، صدر الحكم وفقًا لما ثبت من أوراق الملكية، واتحدد حقي في البيت والدكان بالطريقة اللي نص عليها الحكم.
ما كانش سهل على سالم يتقبل النتيجة، لكنه في النهاية اضطر يلتزم بالحكم، واتفقنا على تنفيذ حقي من غير ما ندخل في خلافات جديدة.
أنا ما كنتش فرحانة إن القضية وصلت للمحكمة، ولا كنت سعيدة إن علاقتي بأخويا اتغيرت بالشكل ده، لكن كنت مرتاحة إني ما ضيعتش حق ولادي.
وبعد تنفيذ الحكم، سالم جه زارني، وكان معاه عياله، وقعدوا يلعبوا مع ولادي زي زمان.
ولما خلصت الزيارة، سالم طلب يتكلم معايا لوحدنا، وقال يا هبة، أنا اتعلمت درس عمري ما هنساه.
كنت فاكر إنك لما بتسكتي يبقى إنتي مش محتاجة، وإنك لما بتسامحي يبقى من حقنا نكرر الغلط. أنا ظلمتك، وحقك عليا.
بصيتله وقلت أنا سامحتك يا سالم، بس الثقة مش بترجع بكلمتين. محتاجة وقت، ومحتاجة أشوف إنك اتغيرت فعلًا.
هز راسه وقال عندك حق.
ومن يومها، بدأ يسأل عن ولادي بانتظام، وييجي يزورهم، ويحاول يعوضهم عن غيابه. ومراته كمان بقت تتعامل معايا باحترام، حتى لو علاقتنا ما رجعتش زي الأول.
أما أنا، فاحتفظت بحقي، وخصصت جزء من الفلوس لتعليم عيالي وتأمين مستقبلهم، وقررت ما أسمحش لأي حد يخليني أحس إن كرامتي تمن لازم أدفعه عشان أحافظ على صلة الرحم.
وعرفت أخيرًا إن التسامح مش معناه إنك تفرط في حقك، وإن صلة الرحم مش معناها إنك تسمح لحد يظلمك.
أبويا كان عنده حق لما قاللي إن الطيبة مش معناها إنك تضيعي حقك.
أنا سبت حقي سنين عشان أخويا وعياله، لكن لما احتجت أحمي ولادي، عرفت إن حقي مش أنانية، وإن العدل مش قسۏة.
وأهم درس اتعلمته إن السند الحقيقي مش مجرد شخص بينك وبينه صلة ډم، السند هو اللي يحترمك وقت ضعفك، ويحافظ على كرامتك حتى وإنت مش قادرة تدافعي عن نفسك.
أما اللي يفتكر إن سكوتك ضعف، وإن تنازلك عن حقك فرصة يستغلك بيها، لازم يعرف إن لكل حاجة حدود، وإن الحق ممكن يتأخر، لكنه ما بيضيعش طول ما صاحبه متمسك بيه.



