
الباب اتفتح، وخرج لي محامي شاب لابس نظارة طبية وملامحه فيها جدية وصرامة. أول ما شافني وشاف عيال نايمين في حضني وفي نص الليل، بص لي باستغراب وقال بصوت هادئ:– أهلاً يا فندم، اتفضلي.. خير يا أمي في حاجة؟ إحنا في وقت متأخر، بس لو فيه مشكلة طارئة، أنا معاكي. دخلت المكتب وقعدت على الكرسي وأنا حاسة برعشة خفيفة في إيدي، لكن صوتي كان ثابت وواضح.
حكيت له كل الحكاية من أولها لآخرها.. من ثماني سنين الشقا والخدمة، ومرض حماتي، وطردي البشع من البيت عشان كيس شيبسي، لحد الرسائل اللي وصلتني والصورة اللي كشفت لي إن الممرضة اللي جابوها ما هي إلا مراته بالعرفي، بالاتفاق مع أخته ومرت أخويا اللي باعتني. المكان كان هادي جداً، وكل كلمة كنت بقولها كانت بتنزل كأنها رصاصة.
المحامي سمعني بتركيز شديد من غير ما يقاطعني، وكتب كل التفاصيل قدامه في ورقة، وبعدين رفع راسه وبص لي بعيون كلها تعاطف وثقة وقرر يكلمني بجدية:– بصي يا مدام، اللي جوزك عمله ده مش مجرد طرد تعسفي أو إهانة، ده يقع تحت طائلة القانون، وعندنا هنا أكتر من تندرج تحته قضايا قوية جداً: أولاً، إثبات الزواج العرفي ده ممكن نوصل له بسهولة لو جبنا تحريات الممرضة أو شهادة الجيران.
ثانياً، نفقة الولاد والنفقة الزوجية، ومؤشر طردك بدون وجه حق، وثالثاً والأهم.. حقك الأدبي والمادي في كل السنين اللي ضاعت في خدمة والدته اللي هي في الأصل مش مسؤوليتك القانونية المطلقة بالشكل ده، ده غير إننا ممكن نطلب إثبات التآمر والتعويض الكبير!سمعت كلامه وحسيت إن أخيراً فيه قانون بينصف الضعيف وبيجيب حق المظلوم.
قلت له بنبرة قوية:– أنا مش عايزة أتنازل عن مليم واحد يا أستاذ، ولازم يعرف إن الله حق، وإن الست اللي استخسر فيها كيس شيبسي هي اللي هتهد عليه الدنيا باللي فيها. المحامي ابتسم وقال:– على بركة الله.. بكرة الصبح بدري هنعمل المحضر اللازم في النيابة، وهنقدم البلاغات والطلبات، وتكوني جاهزة.
قضيت الليل كله في بيت أهل أصحاب ليا بعيد عن بيت أمي وعن تحكمات وسموم مرات أخويا اللي كشفت على حقيقتها، وفي عيني لمعة تحدي ونار عمرها ما هتنطفي. ولما طلع النهار، كنت أول واحدة واقفة قدام محكمة الأسرة والنيابة ومعايا المحامي بتاعي. الإجراءات مشيت أسرع مما تتخيلين. المحضر اتحرر، والنيابة أمرت بطلب تحريات المراقبة والمباحث حول جوزك وحكاية الممرضة اللي اتجوزها عرفي في شقة أمه، والجهات الأمنية اتحركت فعلاً وراحت على البيت عشان تفتش وتتحقق من البلاغ.
في الوقت ده، وأنا قاعدة في مكتب المحامي مستنية النتيجة، باب المكتب خبط ودخل شخص ما كنتش أتوقع أبداً إني أشوفه في اليوم ده.. كان أخويا الكبير!كان لونه مصفر ووشه مليان توتر وخوف، وبص لي وقال بصوت مكسور:– إنتِ إزاي تعملي كده؟ إزاي تروحي تشتكي جوزك في الحكومة وتعملي محضر رسمي؟ إنتِ عايزة تفضحينا وتخربي بيتنا؟
بصيت له ببرود وجمود عمره ما شافه فيا، وقعدت على الكرسي وأنا بقول له بكل حزم:– بيتكم؟ بيت مين يا أخويا؟ هو البيت بتاعي اتهد لما طردوني في الشارع وأنا معايا عيالي، ومرتك اللي قاعدة في بيتك هي اللي كانت عاملة مع أخت جوزي والمصونة الجديدة خطة عشان تخلص مني! لما كنت بنزل دموعي وأنا بنظف، كنتوا فين؟
ولما اترديت في نص الليل من غير حتى هدومي، كنت فين؟ جاي دلوقتي خايف على فضيحتكم؟ فضيحتكم دي كان المفروض تخافوا منها لما بعتوني رخيص!أخويا بلع ريقه ومقدرش ينطق بحرف واحد، خصوصاً لما شاف المحامي واقف جنبي وبيقول له بكل حصرة وقوة:– يا أستاذ، الأستاذة دلوقتي تحت حماية القانون، ولو لسه فيه حد من أهلك بيحاول يتدخل أو يضغط عليها عشان تتنازل، هدخلكم كلكم في قضايا إكراه وتواطؤ.
. الأفضل ليك تطلع بره بهدوء وتستنى قرار القضاء!أخويا خرج من المكتب من غير ما يبص في وشي، وساعتها حسيت إن القوة رجعت لي من جديد. وبعد ساعات قليلة، جالنا التليفون المنتظر من مباحث القسم والمحامي بتاعي اللي كان بيضحك بصوت عالي وقال:– الخبر جه يا مدام.. البوليس قبض على أحمد جوزك والممرضة اللي متجوزها عرفي جوه شقة والدته، ولقوا عقود العرفي وكل المستندات، وحماته وأخته قالبين الدنيا صياح في القسم لأنهم مش مصدقين إن الطاولة اتلفت عليهم بالشكل ده!
جسمي كله كان بيرجف من فرحة النصر، وحسيت إن كل دمعة نزلت من عيني في التماني سنين اللي فاتوا رجعت لي أضعاف مضاعفة. بصيت لولادي اللي كانوا قاعدين بيلعبوا قدامي، وقولت في نفسي: “أنا رديت كرامتي وكرامتكم، ومحدش تاني هيقدر يدوس علينا أبداً”.المحامي كمل كلامه وقال:– النهاردة بالليل هيكون في جلسة تحقيق عاجلة، ومجموع التعويضات والنفقة وتمكينك من شقة الزوجية وشقة الممرضة والعقوبات اللي هتتطبق عليهم هتخليه يتمنى التراب اللي كنتِ بتدوسي عليه يرجع يلمسه تاني!
قمت من مكاني، ورفعت راسي لفوق، وقولت للمحامي بثقة تامة:– يلا بينا على القسم.. معاد الحساب جه، ومش هرحم حد فيهم أبداً!دخلت قسم الشرطة بخطوات ثابتة وواثقة، كأن الجبال اللي كانت على كتفي كلها اتحولت لقوة في صوته ونظراتي. العسكري فتح لي باب مكتب التحقيقات، وأول ما دخلت، لقيت أحمد جوزي قاعد على الكرسي ومنكمش على نفسه، ووشه أصفر ومبهدل، و جنبه الممرضة -أو مراته العرفي- اللي كانت منهارة وبتعيط بصوت عالي وتدعي على اللي جابوها.
وفي ركن تاني، كانت أخته وأمها قالبين القسم صياح وخناق. أول ما أحمد شافني، عينيه طلعت لقدام كأنه شاف عفريت، وقف مفزوع وقال بصوت فيه ذل وكسرة:– إنتي.. إنتي جيتي هنا يا… إزاي تعملي فيا كده؟ دي العيشة والملح اللي بينا!وقفت قدامه بثبات تام، وبصيت له بنظرة كلها احتقار وقوة، وقُلته بصوت هادئ لكن رصيف القسم كله سمعه:– عيشة ومِلح؟!
إنت فكرت إن العيشة والملح دول هما إنك تدوس عليا، وتطردني في نص الليل عشان كيس شيبسي، وتجيب واحدة تاكل تعبي وجدّي من ورا ضهري بالاتفاق مع أختك ومرت أخويا؟! عهد الذل ده خلص يا أحمد.. النهاردة جاي تستعطفني؟ فين رجولتك اللي ظهرت عليا وعلى عيالي؟أخته دخلت في النص وهي بتزعق وتصرخ:– إنتي قليلة الأصل!
جاية تفضحي جوزك عشان هانم وعايزة تخربي بيته؟ مش كفاية إنه كان مستحملك؟بصيت لها وضحكت بتهكم وقلت:– استملني؟ أنا اللي كنت شايلة أمها اللي إنتوا الاتنين كنتوا بتعدوا عليها باليومين تسيبوها لي وتقولوا وراينا بيوت! أنا اللي كنت بمسح جوخ وأخدم ليل نهار لحد ما ظهري انحنى، وفي الآخر تتفقوا عليا عشان تجيبوا دي وتقعدوها على جاهز؟ اصبروا بقى، ما هو الطباخ مراته بتتسجن معاه!
وكيل النيابة كان قاعد بيتابع المشهد بكل جدية، وخبط على المكتب بصوت عالي وقال:– كفاية صوت عالي وهري لحد هنا! الكل يسكت.. الأستاذة مقدمة مستندات ومحاضر رسمية، وتحريات المباحث أثبتت صحة كل كلمة: زواج عرفي غير مرخص في شقة مسجلة باسم والدة المتهم، وطرد تعسفي للأم والعيال، وتواطؤ وإهانة. الأوراق كلها رايحة لمحكمة الأسرة والجنح، والمتهم والمدام اللي جنبه محبوسين على ذمة التحقيقات!
أول ما النيابة نطقت بالحكم ده، أحمد وقع على الكرسي ودموعه نزلت زي الأطفال، وبدأ يترجاني:– عشات ولادنا يا أم العيال.. تنازلي، والنبي ما تفضحينا، أنا أسف، ارجعي البيت وكل اللي تحبيه هيتملك تحت رجليكي!بصيت له نظرة أخيره وقولت:– تحت رجليتي؟ التراب اللي كنت بتمسحه هو اللي غالي عليا، أما إنت.. فخلاص، خلصت بالنسبة لي.
خرجت من القسم وأنا ماسكة إيد ولادي، وحاسه إن الهوا اللي بشمه نقي لأول مرة من تمان سنين. ركبت العربية مع المحامي بتاعي، وقالي وهو بيبتسم بفخر:– مبروك يا مدام.. النهاردة كسبنا أول جولة، والشقة اتمكنتي منها رسمي، ونفقة الولاد والتعويض المؤقت صدروا، وبكرة كل حقوقك هتكون في إيدك.
رجعنا على الشقة القديمة، ومعانا قوة تنفيذية ومعاهم المفاتيح الجديدة. فتحت الباب، ودخلت وأنا شايلة ولادي، وبصيت حواليا في كل ركن.. المكان اللي كنت فيه خدامة، رجعت له الملكة اللي هتدير كل حاجة بقانونها وكرامتها، ومفيش كائناً من كان هيجرؤ يكسرني بعد اليوم.


