عام

بقالي شهر عند امي 1

بقلم شيمو

“بقالي شهر عند أمي بعد ما جوزي طردني، والنهارده كنت هكلمه وأقوله حقك عليا وتعالى خدني، حتى لو هرجع خدامة تحت رجليك… بس قبل ما أرفع السماعة، سمعت مكالمة خلتني أتجمد مكاني، واكتشفت إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد عشرين جنيه شيبسي!”أنا متجوزة بقالي تمان سنين، وعندي ولدين توأم عندهم سبع سنين، ومن أول يوم دخلت فيه بيت جوزي وأنا عايشة مع حماتي في نفس الشقة.

عمري ما اعتبرت خدمتها حمل عليا، بالعكس، كنت بقول لنفسي دي زي أمي، ولو أنا مكانها كنت هتمنى ألاقي حد يرعاني ويقف جنبي. لكن اللي حصل معايا خلاني أسأل نفسي سؤال عمري ما تخيلت إني أسأله: هو الطيبة ملهاش تمن غير إن الناس تدوس على صاحبها؟حماتي بقالها تلات سنين تعبانة، وفي أول مرضها كانت طريحة الفراش، لا بتتحرك ولا بتقدر تخدم نفسها في أي حاجة.

كنت بصحى قبل الكل، أجهز الفطار للعيال، وأدخل أغيرلها وأديها علاجها، وأغسل هدومها وأنضف مكانها، وبعد كده أرجع أطبخ وأغسل وأذاكر للولاد. ولما كانت تتعب بالليل، كنت أقوم من نومي وأجري عليها، حتى لو كنت نايمة ساعتين على بعض. أما بنتيها، فكانوا بييجوا يزوروها كل كام يوم، يقعدوا شوية ويقولوا:ـ ربنا يشفيكي يا ماما، معلش إحنا وراينا بيوت وعيال. وواحدة منهم كانت تقول لي وهي ماشية:ـ خلي بالك منها يا حبيبتي، إنتِ أدرى بطلباتها.

وأنا أبتسم وأقول:ـ متقلقيش، دي أمي التانية. كنت بقولها من قلبي، لكن للأسف، محدش فيهم فكر يسألني أنا كمان محتاجة إيه. ولما حالة حماتي اتحسنت وبقت تقعد على كرسي متحرك، افتكرت إن الدنيا هتخف عليا شوية، لكن الحقيقة إن المسؤوليات زادت؛ لأنها بقت محتاجة حد يساعدها في كل حركة تقريبًا، وأنا في نفس الوقت عندي ولدين في سن الحركة والشقاوة والمذاكرة.

وجوزي كان شغله بيخليه يسافر ويرجع، ولما كنت أشتكيله من التعب، كان يرد عليا بنفس الجملة:ـ إنتِ بتعملي إيه يعني؟ قاعدة في البيت، لا بتروحي شغل ولا بتتعبي زيي!كنت بسكت، وأقول لنفسي معلش، هو تعبان من الشغل والغربة، ويمكن لما الظروف تتحسن يحس بيا. لحد ما جه اليوم اللي طلبت منه فيه حاجة بسيطة جدًا.

كان راجع من السفر، وأنا كنت واقفة في المطبخ من الصبح، وبعد ما خلصت الغدا ونضفت الحمام وساعدت حماتي، لقيته قاعد بيتفرج على التلفزيون. دخلت عليه وقلت له:ـ معلش يا حبيبي، وإنت نازل هاتلي كيس شيبسي. بص لي باستغراب وقال:ـ شيبسي إيه؟قلت له وأنا بضحك:ـ شيبسي يا سيدي، نفسي فيه من الصبح.

قال بضيق:ـ هو إنتِ عيلة صغيرة؟ مش شايفة إحنا في إيه؟ كل شوية طلبات وفلوس!اتسمرت مكاني. مش علشان العشرين جنيه، لكن علشان حسيت إني بطلب صدقة، مش حاجة من حقي أطلبها من جوزي. قلت له بهدوء:ـ طب بص يا أحمد، أنا مش هطلب منك حاجة تاني، بس عايزة مصروف بسيط لنفسي، حتى لو ميتين جنيه في الشهر، أعرف أجيب بيهم حاجة من غير ما أفضل أستأذنك في كل جنيه.

قام من مكانه وقال بعصبية:ـ ميتين جنيه إيه؟ هو إحنا ناقصين أعباء؟ إنتِ مش مقدرة إني شايل بيت وأم وعيال؟ساعتها حسيت إن قلبي اتعصر، وقلت له:ـ وإنت مقدر أنا شايلة إيه؟ بقالي تمان سنين بخدم في البيت وبربي ولادك، وبقالي تلات سنين شايلة أمك في مرضها، وعمري ما قلت لك هات أختك تساعدني، ولا قلت لك أنا مالي بيها. وفي الآخر مش قادرة أطلب منك عشرين جنيه من غير ما تحسسني إني حمل عليك!
زعق في وشي وقال:ـ إنتِ هتعايريني بخدمة أمي؟ ما هي عايشة معانا، وده واجبك!قلت له والدموع في عيني:ـ واجبي إني أراعيها وأحترمها، لكن مش واجبي إني أبقى مش بني آدمة، معنديش حتى مصروف في إيدي!رد عليا بكلمة كسرتني:ـ طالما مش عاجبك العيشة هنا، الباب يفوّت جمل. غوري من البيت وشوفي مين هيرضى بيكي!

بصيت له وقلت:ـ إنت بتطردني يا أحمد؟ إنت عارف إن أبويا متوفي، وإن أمي ظروفها على قدها، وبرضه بتطردني؟قال بمنتهى البرود:ـ أيوه، واحدة تمشي ييجي مكانها عشرة!في اللحظة دي حسيت إن السنين اللي عشتها معاه كلها اتمسحت من قدامي. بصيت على ولادي اللي كانوا واقفين عند باب الأوضة، واحد فيهم بيعيط والتاني ماسك إيدي، وقلت له:ـ خلاص يا أحمد، أنا همشي.

بس افتكر إنك إنت اللي اخترت ده، وأنا مش هنسى الكلمة دي طول عمري. لميت شوية هدوم، وخدت ولادي معايا، وخرجت من الشقة وأنا مستنية، ولو للحظة واحدة، إنه يناديني ويقول لي استني. لكن الباب اتقفل ورايا، ومسمعتش غير صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون. حتى حماتي اللي كنت بسهر جنبها بالليل، واللي كنت بأكلها بإيدي لما كانت مش قادرة تمسك المعلقة، فضلت ساكتة.

وصلت بيت أمي وأنا حاسة إني مش شايلة شنطتي بس، أنا شايلة عمري كله فوق كتافي. أمي فتحت الباب، وأول ما شافتني بالعيال والشنط، قالت بخضة:ـ مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟مكنتش قادرة أتكلم. رميت نفسي في حــ,,ـــــضنها وعيطت زي الطفلة. ولما عرفت الحكاية، قالت لي:ـ يا بنتي، البيت بيتك، بس أنا ظروفي على قدي، وهحاول أعمل لك اللي أقدر عليه. إنما إوعي تفتكري إنك قليلة علشان راجل طردك.

كنت بحاول أتماسك علشان ولادي، لكن الأيام اللي بعدها كانت صعبة جدًا. مراتات إخواتي كانوا بيتعاملوا معايا كإني جاية أعيش على حسابهم، وكل شوية أسمع كلام يوجعني. واحدة منهم قالت لي مرة وأنا في المطبخ:ـ هو إنتِ ناوية تقعدي هنا كتير؟ ما كل واحدة عندها بيتها ومسؤولياتها. رديت عليها وأنا بحاول أبلع غصتي:ـ أنا مش قاعدة عندك، أنا في بيت أمي، ولو مضايقاكي وجودي أنا مش هفرض نفسي على حد.

قالت لي:ـ أنا مقولتش كده، بس إحنا كلنا عندنا ظروف. دخلت أوضتي وعيطت، مش علشان كلامها بس، لكن علشان إخواتي الرجالة كانوا سامعين، ومحدش فيهم قال لها كلمة. وبقيت كل يوم أبص على ولادي وهما بيسألوني:ـ يا ماما، هو بابا مش هييجي ياخدنا؟أرد عليهم:ـ إن شاء الله يا حبايبي. وأول ما يناموا، أعيط لوحدي.

عدى أسبوع، وبعده أسبوعين، وبعد شهر كامل، أحمد لا اتصل بيا ولا سألني محتاجة إيه، ولا حتى حاول يعرف ولاده عاملين إيه. لكن اللي وجعني أكتر إني عرفت إنه جاب ممرضة تخدم أمه، وبقى بيدفع لها مرتب، والممرضة كمان بتساعد في شوية حاجات تخص الولاد. ساعتها قلت لنفسي: يعني الفلوس موجودة، لكن أنا اللي مكنتش أستاهل حتى مصروف بسيط!

وبدأت أضعف. كنت كل ليلة أمسك الموبايل وأفتح رقمه، وأفضل باصة عليه بالساعات. أقول هكلمه وأقول له حقك عليا، حتى لو أنا مش غلطانة، المهم أرجع بيتي وأشوف ولادي في حــ,, أبوهم. وبعدين أرجع أفتكر صوته وهو بيقول لي: واحدة تمشي ييجي مكانها عشرة. وأقفل الموبايل. لحد ليلة من الليالي، كنت قاعدة في الصالة، وأمي في أوضتها، ومرات أخويا بتتكلم في التليفون في البلكونة.

سمعتها بتقول:ـ أيوه، هي لسه عندنا، والله مش عارفة هترجع له إمتى. بس أنا بقول لك، لو هو رجعها من غير ما تتنازل عن كل حاجة، هتبقى فتحت على نفسها باب مش هيتقفل. وقفت مكاني، وكنت هخش أقول لها إنتِ مالك بيا، لكن فجأة سمعتها تقول اسم جوزي!قالت:ـ ما هو أحمد نفسه قال إن أول ما تهدى هترجع له، وإنه مش هيديها مصروف ولا جنيه، علشان متفتكرش إنها لما تسيب البيت تقدر تضغط عليه.
حسيت إن رجلي مش شايلاني. يعني هو كان مستني إني أرجع أترجاه؟ وكان شايف إن طردي من بيتي وسيلة يعلمني بيها درس؟كنت لسه واقفة مصدومة، لما سمعتها تكمل:ـ بس أنا مش فاهمة هو ليه مصمم على الموضوع ده، ما دام يقدر يدفع للممرضة ومرتاح معاها!هنا قلبي دق بسرعة. إيه علاقة الممرضة بكل ده؟ وليه مرات أخويا بتتكلم كأنها عارفة حاجة أنا معرفهاش؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى