روايات وقصصمنوعات

اتجوزت واحده مطلقة ج 2

زهرة الربيع

مرت الساعات والأيام وأنا أتردد على ذلك الشارع كالمجدوب، أرقب المخبز من بعيد، أكتفي بمشاهدة الحركة التي كنت يوماً ما المحرك الأساسي لها. أصبحت أدرك معنى أن يكون المرء حياً  في آن واحد؛ النبض يعمل، لكن الروح دُفنت تحت أنقاض الغرور.

الجوع والعدم بدآ ينهكان جسدي. المبلغ المتبقي معي تلاشى تماماً في إيجار تلك  التي تسلل إليها الفقر من كل جانب. اضطررت للعمل في أعمال شاقة ومؤقتة؛ حمل أكياس الإسمنت، تنظيف المخازن، والعمل في مواقف السيارات.. كل ذلك فقط من أجل الحصول على ثمن وجبة واحدة تحميني من غائلة الجوع. كانت يداي اللتان اعتادتا نعم الملمس والراحة تشققان، وظهري الذي اعتاد الاسترخاء في الترف ينحني تحت أثقال الحجارة.

مقالات ذات صلة

في أحد الأيام، وأنا أعمل في تفريغ بضاعة أمام أحد المتاجر الكبيرة، مرت سيارة شادية من أمامي ببطء شديد بسبب ازدحام الشارع. كانت تجلس في المقعد الخلفي، تبدو بكامل أناقتها وهيبتها، تتحدث في هاتفها وعلامات الهدوء والراحة ترتسم على وجهها. أردت أن أتواري خلف الصناديق خشية أن تراني بهذه الحالة المزرية، لكن عينيها التقت بعيني لدقيقة واحدة. لم ألقَ في نظرتها شتيمة ولا تشفياً، بل وجدت تلك النظرة ذاتها: نظرة الغريب الذي لا يعني لها شيئاً على الإطلاق، وكأنني مجرد هيكل عظمي يمر في الطريق.

تلك اللحظة كانت القشة التي قطعت ظهر كبريائي المتبقي. انهرت بالبكاء خلف المتجر بعد أن غادرت السيارة، وشعرت بأن الانتقام الأكبر ليس في العقاب المادي، بل في أن تصبح صفيراً على شمال حياة شخص كان يرينك الدنيا بأسرها.

في الليلة ذاتها، قررت أن أذهب إليها. لم أعد أطمع في ، ولا في إدارة الأعمال، ولا في العربية، ولا حتى في عودة الحياة الزوجية. كنت فقط أريد أن أتحلل من الذنب الذي يطاردني كالكابوس، أردت أن أسمع منها كلمة مسامحة واحدة تريح هذا الصدر الذي يغلي بالندم.

تسللت إلى العمارة القديمة في ساعة متأخرة من الليل. الحارس الذي كان يحييني بـ “حامد بيه” وينحني لي احتراماً، وقف في وجهي عند الباب ومنعني من الدخول بصلابة وقال:

“يا حامد.. مدام شادية نبهت عليا، لو رجلك لمست العمارة هطلب لك النجدة. ارجع من مطرح ما جيت، أنت نسيت نفسك ولا إيه؟”

ترجيته بكل ما أوتيت من ذل:

“يا عم إبراهيم.. عشان خاطر ربنا، قولها بس حامد عايز يقولك كلمتين ويمشي.. مش عايز منها حاجة، والله العظيم ما عايز حاجة غير إنه يتأسف!”

رق قلب الرجل قليلاً لحالي المزرية وملابسي المتسخة، فصعد إليها. وقفت في ساحة العمارة أرتجف من البرد والخوف. بعد دقائق معدودة، نزل وهو يحمل في يده ظرفاً ورقياً كبيراً، ومد يده به إليّ وقال:

“مدام شادية قالتلي أديك الظرف ده، وقالتلك: ‘ده حقك القانوني والشرعي عشان متقولش أكلت عليك حاجة.. وده آخر كلام بيننا’.”

فتحت الظرف بيدين ترتعشان. كان يحتوي على وثيقة طلاق رسمية، ومبلغ مالي محترم يمثل مؤخر الصداق والمتعة المعينة قانوناً. لم تظلمني في القوة والمال حتى وهي تتخلى عني، أعطتني حقي بالقانون كي لا يبقى لها في رقبتي شيء، وكي لا تبقى لي في ذمتها علقة.

سقطت وثيقة الطلاق من يدي على الأرض. شعرت أن كل خيوط الأمل قد تقطعت نهائياً. أخذت المبلغ وخرجت أجر قدمي في شوارع المدينة المظلمة. الفلوس التي كنت أبحث عنها وأبيع من أجلها أمانتي باتت الآن بين يدي، لكنها لم تجلب لي سوى الشعور الخزي والعار.

مرت شهران آخران، وقررت أن أستغل ذلك المبلغ في إنشاء مشروع صغير بعيداً عن المنطقة؛ كشك صغير لبيع المستلزمات اليومية في حي شعبي أخر. بدأت أعمل فيه من الفجر حتى منتصف الليل، أحاول أن أعتاد على حياتي الجديدة، وأن أدفن ماضيّ تحت ركام العمل المتواصل.

لكن الأقدار أبت إلا أن تضعني في اختبار جديد.

في أواخر شهر ديسمبر، وبينما كنت أقف داخل كشكي الصغير أبيع للزبائن، لمحني والد سلمى! ذلك الرجل البسيط الذي كان يتردد على الفرن سابقاً. أقبل عليّ بعينين مليئتين بالدهشة والتأسف، وقال بصوت منخفض:

“حامد؟ أنت شغال هنا؟”

رددت بحرج وأنا أحاول تصنع اللامبالاة:

“الحمد لله يا حاج.. أهو أكل عيش. خير؟”

تنهد الرجل بأسى وقال:

“والله يا بني أنا زعلت على اللي حصل بينك وبين شادية هانم.. وزعلت أكتر لما عرفت اللي سلمى بنتي عملته معاك.”

سألته ببرود مستعار:

“سلمى؟ هي عاملة إيه؟ اتجوزت ولا لسه؟”

نظر إليّ الرجل بنظرة تحمل الكثير من المهانة والحزن، وقال:

“سلمى افتكرت إن شطارتها هتوصلها للسماء.. بعد ما سابتك، أتعرفت على شاب يوهمها إنه غني وعنده أملاك، وضغطت عليا عشان أوافق عليه. اتجوزته من شهرين بس يا حامد.. ويكتشف بعد الجواز إنه نصاب، وعليه ديون، وأخد ذهبها وفلوسها وهرب، وسابها محبوسة في شقة إيجار مش مدفوع إيجارها من شهور،  منه الأسبوع اللي فات ومكسورة ومش قادرة ترفع عينها في حد.”

سكت الرجل لحظة، ثم نظر في عيني بتوسل غير مباشر وقال:

“هي كل يوم بتقعد تعيط وتقول إنها اتعاقبت عشان ظلمتك وجت عليك وأنت في أزمتك.. لو تقدر يا حامد تسامحها..”

وقفت مذهولاً أستمع لكلمات الرجل. شريط الأحداث مر أمام عيني كالشريط السريع: شادية التي جردتني من كل شيء لتلقنني درساً في الرجولة والأمانة، سلمى التي تخنتني وتخلت عني في لحظة ضعفي للبحث عن المادة، والآن الأقدار تدور لتعيد سلمى  الخاطر، وتضعني أنا في موقف الاختيار مرة أخرى!

هل أسامح سلمى وأعود إليها بعد أن ذاقت من نفس الكأس التي سقتني منها؟ أم أن الندم الذي يعتصرني على خسارة شادية يمنعني من قبول أي شيء بني على خيانة العهد الأول؟

بقيت واقفاً خلف طاولة الكشك الخشبية، ينقبض قلبي مع كل كلمة ينطق بها والد سلمى. كان الرجل ينظر إليّ برجاء كأنه يرى فيّ طوق نجاة لابنته الكسيرة، بينما كانت أفكاري تتصارع في رأسي كأمواج تلاطم صخراً عتيداً.

سلمى التي تركني في أوج أزمتي، الفتاة التي قايست الحب بالمال والجاه، تقف الآن في الموقف ذاته، مكسورة ومجردة من كل أوهامها. أردت أن أصرخ في وجه والدها، أن أقول له إن العدالة إلهية وإن ما حدث لها هو الذنب نفسه الذي اقترفته في حقي وحق شادية. لكن النظر في وجه هذا الشيخ المسن المفجوع في ابنته أطفأ في صدري جمرة الشماتة.

قلت له بنبرة متزنة خالية من أي مشاعر:

“ربنا يعوضها خير يا حاج.. بس أنا ما بقاش عندي حاجة أديها لحد. أنا بقيت عايش اليوم ببيومه، واللي انكسر فيا ما أظنش إن فيه حد يقدر يصلحه. قول لسلمى إن حامد مسامحها، بس مسامحها عشان يريح قلبه هو، مش عشان يرجع يبدأ صفحة جديدة مع كتاب اتقفل وطارت أوراقه.”

انصرف الرجل يجر أذيال الخيبة، وبقيت أنا أصارع طيف السعادة الزائفة التي  يوماً. أدركت في تلك اللحظة أنني لم أعد ذلك الشاب الاستغلالي ولا ذاك الهائم خلف المظاهر. الفقر القديم لم يعد يخيفني، لكن  والندم كانا يعصران روحي كل ليلة.

مرت الأيام وساءت أحوالي الصحية. الإجهاد البدني والنفسي بدأ يلقي بثقله على جسدي؛ آلام حادة في المعدة وصداع لا يهدأ، وأرق يمنعني من النوم لأيام متواصلة. أصبحت أتنقل بين الكشك وغرفتي الضيقة كالمحكوم عليه بالأعمال الشاقة.

وفي ليلة من ليالي الشتاء شديدة البرودة، وبينما كنت أغلق أبواب الكشك استعداداً للعودة،  صحية حادة سقطت على إثرها أرضاً على الرصيف المبتل. تجمع بعض المارة والزبائن حولي، ونقلوني على وجه السرعة إلى المستشفى الحكومي القريب.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى