
مرت أيام صعبة على البيت، الهدوء فيها كان زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. نور مكانتش بتخرج من ، الخوف مسيطر عليها، وسيف طالع داخل يدور على حل يحمي بيه البنت وأمه. أما جيهان، فكان فيه نار بتاكل في قلبها، مش بس من نجوى وسامح، لكن من شوكة قديمة في ضميرها من يجي عشرين سنة.
في ليلة، كانت جيهان قاعدة على طرف السرير، بتفتكر المرتين اللي تسحبت فيهم بالليل في الضلمة عشان ترضع نور وهي مرعوبة من حماتها حكمة. كانت بترضعها ثواني معدودة، أول ما البنت ، تقوم جيهان شايلاها بسرعة ومفزوعة قبل ما تحس بيها حماتها، يعني البنت عمرها ما شبعت من لبنها، وكانت مجرد ثواني معدودة وعاليها كملت بلبن صناعي.
-
بنت سلفتي1منذ 4 ساعات
-
بنت سلفتي 3منذ 4 ساعات
-
حماتي حكايات بسمهمنذ 13 ساعة
-
بقلم اماني السيد 2منذ 13 ساعة
الوسواس بدأ يأكل في عقل جيهان: “هل نور تعتبر بنتلي شرعاً؟ هل الرضاع الشديد ده اللي كان مجرد ثواني معدودة وثلاث مرات بس يخليها أخت سيف ومينفعش تتجوزه؟ ولا ينفع يتجوزوا والشرع يحلل ده؟”
صحي الصبح، وكانت جيهان حاسمة أمرها. لبست ملايتها وخرجت من غير ما حد يحس بيها، ونزلت اتجهت لمقر دار الإفتاء المصرية. كانت خطواتها تقيلة، وقلبها بيدق بدقات مسموعة، خايفة من الإجابة اللي ممكن تهدم كل اللي خططت ليه.
قعدت جيهان قدام الشيخ في دار الإفتاء، وعينيها مليانة دموع ورجاء. بدأت تحكي القصة من أولها: “يا فضيلة الشيخ.. سيلفتي ماتت وهي بتولد، وحماتي منعتني أرضع البنت عشان لبني يبقى لابني. بس أنا من خوفي على البنت تسحبت ورضعتها. رضعتها ثلاث مرات بس، وفي كل مرة كانت الرضعة مجرد ثواني معدودة.. البنت عمرها ما شبعت مني، كنت بشيلها فوراً من رعب حماتي، وبعدها مشيت على اللبن الصناعي. دلوقتي ابني نور كبروا، وابني عاوز يتجوزها عشان تحرم على الغريب ونحميها.. هل الرضاع ده يحرمها عليه؟ هل تعتبر أخته؟”
الشيخ بص لجيهان بهدوء ورحمة، وهز رأسه وقال بصوت وقور: “يا حاجّة، الشرع واضح وصريح في مسألة الرضاع المحرّم. جمهور الفقهاء والفتوى المعتمدة في دار الإفتاء المصرية تنص على أن الرضاع الذي يُحرّم ويجعل الطفلة إبنة لكِ وأختاً لأبنائك، يشترط فيه شرطين أساسيين: أولاً أن تكون خَمْسُ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، وثانياً أن تكون كل رضعة مشبعة يُستغنى بها الطفل وتُبتلَع فيها جُرعات متتالية وتصل للدفعة الكاملة. أما إن كانت الرضعات ثلاثاً فقط، وكانت كل رضعة مجرد ثوانٍ معدودة لم تُشبع الطفلة ولم تروِ جوعها، فهذا لا يُثبت التحريم شرعاً، ولا تعتبر الطفلة ابنةً لكِ بالرضاع، ولا أختًا لابنكِ سيف.”
جيهان كانت بتسمع الكلمات وكأن روحها بترجع لها من جديد. دموعها نزلت بس المرة دي دموع ارتياح، وسألت الشيخ بتأكيد: “يعني ينفع سيف يتجوزها يا فضيلة الشيخ؟ حلال؟”
رد الشيخ بثبات: “نعم، يجوز شرعاً وزواجهم حلال لا شائبة فيه، لأن الرضاع المفروض للتحريم لم يكتمل لا في العدد ولا في الشبع.”
خرجت جيهان من دار الإفتاء وكأنها شايلة جبل واتشال من على . مشيت في الشارع بسرعة، عاوزة توصل للبيت وتبشر سيف ونور، وتجهز خطة للوقوف في وش نجوى وسامح ومعاها الشرعي والقانوني المضبوط.
أول ما فتحت باب الشقة، لقيت المنظر جوه مرعب.
نجوى واقفة في نص الصالة، ومعاها اتنين رجالة أشكالهم تخوف، وسامح أبو نور واقف وراهم بضعف. وسيف واقف قدامهم بيحمى نور بضهره ومسك في إيده كرسى حشبه ومستعد يضرب.
نجوى صرخت أول ما شافت جيهان دخلت: “أهي جات الساحرة أهي! بقولك إيه يا جيهان، المرة دي مش جاية أتكلم، الرجالة دول جايين ياخدوا نور بالذوق أو بالعافية، وأبوها كتب التنازل وعقد العريس خلاص!”
جيهان ما اترددتش ثانية، مشيت بثبات ووقفت بين سيف وبين الرجالة، وبصت لنجوى بعيون مليانة ثقة وقوة مكانتش موجودة قبل كده، وقالت بصوت هز الصالة كلها: “بلي العقد ده واشربي ميته يا نجوى! أنا لسه جاية حالاً من دار الإفتاء.. ونور مش أخت سيف، زواجهم حلال شرعاً وقانوناً، وسيف هو اللي هيتبني عليها ويسترها، وأعلى ما في خيلك اركبيه!”
انقضت نجوى كالضبع المفترس، ووجهها يحمرّ بجنون من شدة الغيظ، وصرخت بصوت بحّ من العياط والغل: “إفتاء إيه وكلام فارغ إيه يا ساحرة يا مجنونة؟! أنتِ فاكرة حتة ورقة من الشيخ هتمنعني أخد البنت؟ سامح! اخلص ومسّك الرجالة البنت واطلعوا بيها على العربية تحت!”
تحرك أحد الرجلين المجرمين بخطوات واسعة نحو نور، يحاول سحبها من ذراعها، لكن سيف لم ينتظر ثانية واحدة؛ رفع الكرسي الخشبي وهوى به بكل قوته على ظهر الرجل، ليرتطم بالجدار ويتراجع صارخاً من ألمه. نزل سيف بكل جسده حائلاً بين المجرمين ونور، وصوته يخرج كأنه زئير أسد جريح: “اللي هيلمس خطوة كمان في البيت ده هيدفن تحت السلم! يا سامح يا عايب، جايب بلطجية في بيت أخوك المرحوم تتعدى على حريمنا ونساؤنا؟! والله العظيم لو ما أخذت الأشكال دي وغرتم من هنا لأكون طالب شرطة النجدة وقاضيكم بتهمة التهجم واقتحام منزل وهتك عرض!”
سامح ارتجفت ركبه من الخوف، ونظر للرجل المصاب المتألم، ثم التفت لنجوى وقال بضعف شديد وصوت مبحوح: “يلا يا نجوى، سيف مجنون وممكن يودينا كلنا في داهية ويثبت علينا قضايا.. يلا نمشي ونحلها بالقانون والشرطة بدل الفضايح دي!”
نجوى بصقت على الأرض بغل شديد، ونظرت لجيهان ونور بنظرة ملطخة بالشر والوعيد: “ماشي يا جيهان.. ماشي يا سيف! فاكرين إنكم كسبتم؟ البنت دي أمانة عندكم لحين ما أرفع قضية ضم وتزييف رضاع، وهتشوفوا القانون هيعمل إيه فيكم، وساعتها هاخدها ورجلكم فوق رقبتكم!”
خرجت نجوى وسحبت سامح والبلطجية وراءها، ورزعت الباب برزعة هزت حوائط الشقة كلها. ساد الصمت الثقيل في المكان، ولم يُسمع سوى صوت أنفاس سيف المتلاحقة ونشيج نور الهستيري وهي ترتمي في حضن جيهان وتنتحب بكل طاقتها.






