Uncategorized

بقالي شهر عند امي 4

الهواء البرّاني كان مختلفاً تماماً، وكأن الدنيا كلها بتتنفس معايا. خرجت من بوابة المحكمة وأنا رافعة رأسي لفوق، وماسكة إيد ولادي اللي عيونهم كانت بتلمع بالفخر والارتياح. أمي كانت ماشية جنبي، ملامحها مرتاحة لأول مرة من سنين، وكأن همّ كبير ارفع عن كتفها. ركبنا العربية راجعين على البيت. طول الطريق، كنت بفتكر كل دمعة نزلت مني، كل ليلة سهرتها وأنا بنظف وأخدم وأربي، وكل كلمة إهانة سمعتها وبلعتها عشان أقول “عشان الولاد والبيت”.

لقيت نفسي ببتسم بسخرية، وقولت لنفسي: “الطيب في زمن الغدر بياكل على قفاه، لكن اللي يعرف حقه صح، بياكله بسكر!”.دخلنا الشقة، والمكان كان بينبض بالحياة والهدوء. لأول مرة أحس إن الجدران دي بقت بتاعتي بجد، مش مجرد مكان مستلف بفضل ذل وتعب مستمر. قعدت على الصالون، وطلبت من أمي تقعد ترتاح، ودخلت أجهز للولاد أحلى عشا، وأنا بغني بصوت واطي ومبسوط. وفي وسط اللحظة الهادية دي، جرس الباب رن.

وقفت بثبات، وبصيت للباب باستغراب. مين تاني ممكن يجيلنا بعد الفضيحة الكبيرة دي في المحكمة؟فتحت الباب، ولقيت قدامي شخص ما كنتش أتوقع أبدًا أشوفه واقف قدام بيتي تاني بعد كل اللي عمله.. كان أخويا الكبير!كان واقف ومنزل راسه في الأرض، ووشه باهت ومليان كسرة وندم حقيقي. بص لي بصوت مرتعش وقال:ـ أ… أحدثتي العجب يا أختي.. أنا جاي أقولك ألف مبروك، وآسف.

. أسف على كل كلمة وجعتك، وعلى كل لحظة سكت فيها وسبت مراتي وأهل جوزك يدوسوا عليكِ. بصيت له بنظرة حادة وقلت بصوت هادئ:ـ دلوقتي جاي تقول آسف يا أخويا؟ لما كنت مطرودة في نص الليل ومعايا ولادي الصغيرين، كنت فين؟ لما مراتك كانت بتزغرد في السر عشان تقعد مكاني وتخلص مني، كنت أعمى؟

الجرح اللي سيبتوه في قلبي مش سهل يداويه كلمة “آسف”.نزل دمعة من عينه وقال:ـ أنا عارف إني استاهل أكتر من كده، ومراتي طردتها من بيتي النهاردة قبل ما أجيلك، لأنها كانت السبب في الخراب اللي حصل.. أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني بالساهل، أنا بس جاي أقولك إنك طلعتي أقوى وأجدع منا كلنا، وإني.

. إني خسرت أخت ما يتمنهاش راجل. بصيت له نظرة أخيرة، وقلت ببرود:ـ البيت ده مفتوح لكل مظلوم، بس مش مفتوح للناس اللي باعتنا رخيص.. اعدل في بيتك واعرف تبت، وأنا ربنا عوضني باللي يحميني ويصون كرامتي.. مع السلامة يا أخويا. قفلت الباب في وجهه بهدوء، ورجعت لولادي وأمي، وكأن صفحة الماضي اتقفلت للأبد واتحــ,,ـــــرق ورقها. تاني يوم، التليفون رن.

. وكان المحامي بتاعي. فتحت، فلقيت صوته مليان انتصار وحماس وهو بيشرّفني بآخر الأخبار:ـ أستاذة.. خلاص، الأحكام النهائية صدـ,,ـــرت، وكل المستحقات والتعويضات والفلوس اتحولت لحسابك البنكي، وشقة أحمد والممتلكات بقت تحت تصرفك الكامل، وأحمد والممرضة بيقضوا عقوبتهم في السجــ,,ـــــن، ومفيش حد يقدر يفتح بوقه بكلمة تاني!قفلت التليفون، وابتسمت من قلبي. بصيت لولادي ولقيتهم بيحــ,,ـــــضنوني وبيقولوا بصوت واحد:ـ إحنا بنحبك يا أمنا البطلة!

حــ,,ـــــضنتهم أوي، وعرفت إن الحكاية لسه فيها صفحات تانية جاية، بس كلها هتكون مننورة بالشموخ والعز والكبرياء. الهوا اللي كان داخل من الشباك المفتوح في الصباحية كان محمل بريحة الندى والحرية الحقيقية، شقيتي بقت تنبض بالضحك والحياة من تاني، والولاد بقوا يجروا ويلعبوا في الصالون بصوت عالي ومن غير أي خوف من صراخ أو تحكمات ظالمة.

أنا كنت قاعدة على كرسى السفره بشرب كوباية الشاي الهادية، وبلعب في التليفون اللي هدي تماماً من رسايل التهديد والتوتر. أمي كانت قاعدة جنبي بتجهز الفطار للعيال، وبصت لي بحب وقالت بصوت هادي:– سبحان الله يا بنتي، إزاي ربنا بيمهل ولا يهمل؟ اللي كان بيذلك وعامل راجل عليكي، أهو قاعد جوه الأسوار، واللي كانت بايعة ومش مهتمة أخدت جزاها.

. الإنسان ما يعلمش الخيرة فين أبدًا. بصيت لأمي وابتسمت ابتسامة صافية من قلب قلبي، وقلت لها:– صدقتِ يا أمي.. الظلــ,,ـــــم له جولة، لكن الحق له أسطورة، وأنا عشت تمان سنين فاكرة إن الصبر معناه السكوت على المذلة، لحد ما اتعلمت إن أقوى سلاح للمرأة هو كرامتها وحقها اللي ما تتنازلش عنه أبدًا. وقبل ما أمي ترد عليا، التليفون رن نغمة خفيفة.
بصيت على الشاشة.. كان رقم المحامي بتاعي. فتحت الخط بسرعة، ولقيت صوته مليان حماس وسرور وهو بيقول لي:– صباح الخير يا أستاذة.. عندي ليكي خبر هيخليكي تكسري الدنيا النهاردة!ضحكت وقلت له بمرح:– خير يا أستاذ، إيه تاني؟ هو لسه فيه أحسن من اللي حصل؟قال بضحكة عالية:– طبعاً! التنفيذ الجبري تم، وتم بيع جزء من ممتلكات أحمد، وتحويل مبلغ التعويض الضخم والنفقة الشاملة لحسابك البنكي رسميًا، ده غير إن فيه عرض من واحد من معارفه القدامى عشان يشتري الشقة التانية اللي اتمكنتي منها، والمبلغ اللي هيطلع منها يكفي تشروي بيه مشروع مستقل ليكي ولعيالك تامين مستقبلهم للأبد!

حسيت بدموع الفرحة بتلمع في عيني، وقلت له بصوت ممتن:– أشكرك يا أستاذ.. تعبتك معايا كتير، بس إنت كنت نعمة السند في الوقت اللي الكل تخلى عني فيه. رد بكل احترام:– ده مش تفتيش، ده حقك اللي رجع لأصحابه.. حضري نفسك النهاردة عشان هنروح البنك ونخلص كل الإجراءات النهائية لمستقبل عيالك. قفلت التليفون، وبصيت للعيال اللي جريوا عليا وقالوا بفرحة:– ماما.

. هو إحنا هنبقى أغنياء بجد ونشتري اللي نفسنا فيه؟شيلتهم الاتنين في حــ,,ـــــضني، وبستهم وقلت لهم:– إحنا أغنياء بكرامتنا وبعزتنا، وفلوس الدنيا كلها ما تساويش دمعة نزلت من عينكم.. يلا بينا نجهز، ورانا مشوار كبير هنبدأ فيه حياة جديدة بالكامل!جهزت نفسي بأشيك وأرقى لبس عندي، ولبست الولاد أحلى ما عندهم، وخرجنا من باب البيت وأنا رافعة راسي للسماء، وبقول لنفسي: “القصة دي لسه مكملة، وأجمل حكايات النجاح هي اللي بتطلع من رحم الوجع والظلــ,,ـــــم”.

الشمس كانت ساطعة ومالية الشوارع بنور دافي، وأنا ماشية مع ولادي وأمي وفي إيدي شنطة أوراق البنك اللي فيها كل حقوقنا ومستقبل عيالنا اللي اتأمن خلاص. وصلنا المكان اللي كنت بحلم بيه طول السنين اللي فاتت دي كلها.. محل صغير بس في موقع ممتاز، كتبنا عقده برأس المال اللي طلع من بيع الشقة والممتلكات، وسميته باسمي وباسم عيالي: “مملكة الحرية والكرامة”.

كنت واقفة جوه المحل، بتابع عمال الديكور وهما بيعلقوا اليافطة الكبيرة على الواجهة، والولاد بيجروا حواليا وهم بيضحكوا وبيعاونوني بفرحة مالية قلوبهم. حسيت إن كل دمعة نزلت مني، وكل وجع سهرت علية ليالي، وكل كلمة ذل سمعتها.. كان ده كله مجرد تمهيد للمكان ده، للوقفة دي، للشموخ ده كله. في الوقت ده، لقيت تليفوني بيزن برقم المحامي.. فتحت بسرعة، فلقيت صوته هادئ وواثق وهو بيقول لي:– أستاذة..

الف مبروك للمرة الأخيرة، الجلسة النهائية للتسويات تمت، وتم إغلاق كل القضايا، وأحمد والممرضة بيقضوا عقوبتهم، وأهله بعدوا عن الصورة نهائياً.. أنتِ اليوم قفلتي الصفحة دي للأبد وبدأتِ أسطورة جديدة. قلت له بصوت كله امتنان وقوة:– أشكرك يا أستاذ.. أنت كنت سند حقيقي، والنهاردة أنا مش بس أخدت حقي، أنا استرديت روحي. قفلت التليفون، ورفعت عيني للسماء وأخدت نفس عميق. بصيت لأولادي اللي جم وقفوا جنبي ومسكوا إيدي وقالوا:– يا ماما.

. إحنا فخورين بكي أوي، إنتِ أحسن أم في الدنيا!نزلت لمستواهم، وحــ,,ـــــضنتهم الاتنين جامد، وبست راسهم، وقولت بصوت نبرته كلها يقين وعزيمة:– وأنا فخورة بيكوا، وعرفت إن الست الحقيقية مش اللي بتستحمل المهانة وتسميها صبر، دي اللي بتقف في وش الدنيا كلها وتثبت إن كرامتها وكرامة ولادها فوق كل شيء.

. حكايتنا مخلصتش، دي لسه في أول صفحة من كتاب النجاح الكبير!وقفت قدام باب المحل، بصيت للشارع وللناس اللي رايحة وجايّة، حسيت إن العالم كله بينحني احتراماً للست اللي طلعت من رحم الظلــ,,ـــــم والطرد لتعمل من كرامتها إمبراطورية محدش يقدر يهزها تاني أبداً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى