
الجزء الثاني
وقفت ضحكة هدى على شفايفها لما لقتني مش حتى ببتسم، ولا حتى عيني اتطرفت.. بصيت لها بجمود ورفعت حاجبي، والهدوء اللي كان فيا خلى الشارع كله كأنه اتخرس.. حتى ابنها الصغير اللي كان بيكسر في كاوتش عربيتي سكت وبص لأمه بخوف.
-
بنت الملجا ج 2منذ 3 ساعات
-
بنت الملجا ج 1منذ 3 ساعات
-
حكايه فرح وزياد الجزء الرابعمنذ 3 ساعات
-
اختي صفاء كاملهمنذ 3 ساعات
سحبت مفاتيحي وبكل ثبات اتجهت للباب الحديد الكبير.. غرزت المفتاح في القفل اللي كان مصدي شوية، ولفيته.. صوت حركة اللسان جوه القفل كان زي الرصاصة التي أعلنت بداية المعركة.. فتحت الباب على آخره، ودخلت الجنينة، ورايا الريحة اللي بحبها.. ريحة شجر الجوافة والفل اللي أمي كانت بتسقيهم بإيديها كل يوم الصبح.
دخلوا ورايا يتجاروا زي الغربان، أقدامهم بتدوس على النجيل الأخضر بعنف وكأنهم بيستبيحوا المكان.. إبراهيم جوز هدى كان بيتكلم في التليفون وهو بيبص لسقف الدور الأول ويشاور بصوابعه:
– «أيوة يا معلم.. المساحة كويسة، والحديقة تنفع يتعمل فيها قعدة حلوة.. بس محتاجة وش نظافة وشوية تظبيط!»
كأنه بيصعّر، كأنه دخل بيت أبوه وقاعد بيثمن وفي طريقه للبيع أو التأجير!
أما طارق.. جوزي.. فكان ماشي جنب أمه الحاجة صفية، إيدها في دراعه وهي بتهمس له في ودنه بصوت مسموع:
– «البيت ده يا طارق يتفتح فوراً.. إنت عارف إن أختك شيماء جوزها سابها وقاعد أهو بيسحب من دمها، ومحتاجة سكن.. وإبراهيم أخوك عاوز يسبق ويرتاح من إيجار الشقة الشوم اللي قاعد فيها.. ما يصحش نسيب بيت زي ده مقفول والخير فيه كتير كده!»
وطارق.. جوزي اللي المفروض سندي وضهري، كان بيهز رأسه باستكانة ومبتسم ابتسامة باهتة، وقال بصوت حنين زيادة عن اللزوم:
– «عندك حق يا أمي.. البيت بيتكم طبعاً، وندى ملهاش غيرنا أصلاً!»
وقف طارق على عتبة الصالة الكبيرة، وبصلي وقال بنبرة فيها أمر ومستخفي تحت غطاء الحنية:
– «ندى حبيبتي.. هاتي المفاتيح بزيادة، وسيبي أختي شيماء تطلع تشوف أوض الدور التاني عشان تختار الأوضة الكبيرة بالبلكونة اللي على الشارع، وأمي تأخد أوضة النوم الرئيسية اللي تحت عشان ركبتها وتعبها.. يلا يا حبيبتي بلاش توقفي حالنا الشارع يتفرج علينا!»
بصيت لطارق.. الراجل اللي عشت معاه خمس سنين على المرة قبل الحلوة، الراجل اللي كنت بمرضه لما يأتيه المغص ويسهر معايا وأنا مجهدة من وردية المستشفى.. بصيت له وكأني بشوفه لأول مرة.. كأنه مجرد شخص غريب واقف في بيتي بيوزع ممتلكاتي بدون وجه حق.
مشيت بكل ثبات لحد ما وقفت في نص الصالة، وحطيت الملف البيج – اللي فيه عقود الملكية وإعلام الوراثة – على الترابيزة الخشب الكبيرة اللي في النص.. حطيت إيدي في وسطي، وبصيت لهم واحد واحد.. عيني جابت الحاجة صفية، وبعدها هدى، وبعدها إبراهيم، وفي الآخر استقرت على طارق.
قُلت بصوت جهوري هز أركان الصالة المقفولة من ست شهور:
– «أظن إني اتكلمت بره وقُلت كلمة واحدة ومظنش إنها محتاجة ترجمة.. المفاتيح دي ما تطلعش من إيدي.. والبيت ده مفيش رجل بشر هتخطوه من غير إذني.. وأنتوا دخلتوا هنا بدون إذني!»
الحاجة صفية اتغيرت ملامحها في ثانية.. الابتسامة الصفرا اختفت، والنظارة الشمس نزلتها على مناخيرها وبصتلي بعيون مليانة شر وغضب:
– «جرى إيه يا ندى؟ هي النعمة طفحت عليكي ولا إيه؟ بقيتي تقولي بيت بيتي وأنتوا دخلتوا بدون إذني؟ نسيتي إنتِ مين وبنت مين؟ نسيتي إن أمك الله يرحمها كانت ست بياعة فول وطعمية وكانت بتيجي لحد عندي عشان استلف منها ولا أقف جنبها؟»
الكلمة كانت زي الجلدة، بس ما وجعتنيش.. بالعكس، دي سقتني قوة فوق قوتي.. افتكرت وصية أمي فاطمة: “أول ما يعرفوا إن حيلتك قرشين هيجربوا يشوفوا هنسكتي لحد فين.. ولو سكتِ ياكلوا لقتك!”
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وقربت من حماتي خطوات ببطء، وقُلت:
– «أمي الله يرحمها كانت بياعة فول وطعمية بلقمتها الحلال يا خالتي.. كانت بتعرق وتشقى عشان تسيبلي ورث أعيش بيه بكرامتي.. ما طمعتش في حق حد، ولا دخلت بيت غيرها وحطت إيدها عليه وقسمت أوضه وكأنه تكية أبوها! أمي فاطمة سابتلي بيت بشرعه وعقوده.. ومسابتليش قلة أصل!»
هدى أخت جوزي صرخت بصوت عالي:
– «إنتِ بتغلطي في أمي يا ندى؟ إنتِ اتجننتِ خلاص؟ طارق! إنت واقف تتفرج على مراتك وهي بتقل بأمك وبتقولها قلة أصل؟ رد عليها يلا! ولا خلاص الكرسي المذهب زغلل عينك إنت ومراتك؟»
طارق وشه جاب ألوان.. وقعه بين أمه وأخته وبين مراته كان مكشوف، بس طارق اختيار أمه كان دايماً هو الأساسي.. اتعصب وقرب مني ورفع صباعه في وشي بصوت عالي:
– «ندى! اتكلمي بأسلوب أحسن من كده مع أمي وأختي! إيه اللي جرى لك؟ من يوم ما أمك ماتت وإنتِ اتغيرتي وبقيتي جافة وكأنك ما صدقتي ورثتي! إحنا أهلك، وإحنا اللي لينا الخير ده كله، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل!»
بصيت لطارق بعيون جامدة.. المسافة بيني وبينه كأنها بقت أميال.. قُلت له بهدوء يغلي تحت منه البركان:
– «الباب يفوت جمل فعلاً يا طارق.. وعشان كده، اتفضلوا كلكم بره بيتي فوراً!»
الكلمة وقعت عليهم زي الصاعقة.. إبراهيم جوز هدى ضحك بصوت عالي واستخفاف:
– «بره بيتك؟ إنتِ بتقولي لمين بره بيتك؟ ده بيت جوزك يا شاطرة، وما فيش ست بتقول لجوزها ولأهله اطلعوا بره.. البيت ده هنسكن فيه وهنقعد، ورجلك فوق رقبتك!»
إبراهيم وهو بيتكلم قدم خطوة ناحية السلم عشان يطلع الدور الثاني يسحب الشنط.. في اللحظة دي، أنا ما اترددتش.. سحبت تليفوني المحمول من شنطتي، وفتحت الشاشة، ودست على رقم بسرعة وكأنني مرتبة كل خطوة.
رفعت التليفون على ودني، وبصيت لإبراهيم ببرود، وقُلت بصوت عالي عشان الكل يسمع:
– «ألو.. شرطة النجدة؟ أنا ندى عبد الحميد.. الممرضة بمستشفى حكيم.. أنا حالياً في بيتي الكائن في المعادي، وفيه مجموعة من الأشخاص اقتحموا العقار بالقوة ويرفضون الخروج وبيستولوا على ملكيتي الخاصة بالبلطجة.. أرجو إرسال دورية فوراً لإثبات الحالة!»
في ثانية.. المكان اتقلب حلبة مصارعة!
الحاجة صفية طارت من مكانها وبقت بتزعق وتصوت:
– «يا لهوي! بتطلبيلنا الشرطة يا ندى؟ بتعملي في أهلك كده عشان حتة بيت مصدي؟ يا فايحة يا قليلة التربية!»
طارق جرى عليا وشد التليفون من إيدي بعنف، وشه كان اسود من الغضب وصوته رايح:
– «إنتِ اتجننتِ رسمياً؟ بتطلبي الشرطة لأمي وأختي؟ إنتِ فاكرة نفسك مين؟ إنتِ طالق لو الخط ده ما اتقفلش ولو ما اعتذرتيش لأمي حالاً!»
وقفت مكاني.. ما اتهزتش.. بصيت لطارق في عينيه بكل ثبات.. وعيني راحت للتليفون اللي في إيده.. الخط كان اصلاً لسه مشغول وما جمعش للنجدة، بس أنا كنت بلعب على خرقهم وقسوتهم وندالتهم اللي عارفة حدودها كويس.. بس الكلمة طلعت منه.. «إنتِ طالق».
هدوء قاتل نزل على الصالة.. الحاجة صفية سكتت فجأة وابتسمت ابتسامة النصر.. وهدى بصتلي بشماتة، وإبراهيم حط إيده في جيبه وكأنه بيقول خلاص القضية اتحسمت والبيت بقا بتاعنا.
قربت من طارق خطوة واحدة.. مسكت التليفون من إيده ببطء وسحبته.. وبصيت له وقُلت بصوت مفيش فيه نقطة خوف ولا ندم:
– «كلمة طالق دي.. كنت خايفة منها زمان لما كنت فاكراك راجل وسند.. لكن النهاردة؟ الكلمة دي هي أعظم شهادة ميلاد لكتبي وحريتي.. إنت طلقتني يا طارق؟ تمام.. يبقى مالكش أي صفة تخلّيك واقف جوه بيتي ثانية واحدة زيادة!»
لفيت وشي ناحية الباب الخارجي وناديت بأعلى صوتي:
– «يا عم سيد! يا عم سيد يا بواب!»
عم سيد البواب راجل كبير وراعي البيت من أيام أمي الله يرحمها.. دخل يجري وشكوشه مليان قلق وهو باصص في الأرض:
– «نعم يا ست ندى يا بنتي؟»
قُلت له بكل حزم:
– «عم سيد.. الأستاذ طارق وأهله ضيوف غير مرغوب فيهم في بيتي.. ولو ما خرجوش خلال دقيقتين بالظبط، ارفع السماعة واطلبلي أمين الشرطة هاني اللي على أول الشارع، وقوله الست ندى بتستنجد بيك من بلطجية جوه بيتها!»
عم سيد رفع عينه وانسحب خطوة لورا وقال بلهجة جادة:
– «حاضر يا ست ندى.. الست فاطمة الله يرحمها وصتني عليكي وعلى البيت ده برقبتي.. اتفضلوا يا جماعة من غير مشاكل الله يستركم الشارع مليان ناس.»
الحاجة صفية كان شكلها هيموت من الغيظ.. وشتائمها نازلة زي المطر:
– «ماشي يا ندى! والله ما هسيبك، وحق ابني وأخته هأخده منك تالت ومتالت.. هنشوف هتدافعي عن البيت ده إزاي لوحدك يا مقطوعة من شجرة!»
طارق كان واقف مصدوم.. مش مصدق إن الست اللي كانت بتسمع كلامه وتسكت، بقت بتبص له بالقسوة دي وتطرده من بيتها.. بصلي وقال بنبرة مليانة تهديد:
– «الموضوع ده مش هيعدي يا ندى.. وحق اللي عملتيه النهاردة هتدفعي تمنه غالي أوى.. مش طارق اللي يترمى بره بيت مراته!»
خرجوا واحد ورا التاني.. وباب الحديد اتقفل وراهم بصوت هز الشارع كله.. وقفت في نص الجنينة، وحيدة.. ضربات قلبي كانت عالية جداً، وإيدي بكي بكي كانت بترتعش من كتر الضغط.. بس حاسة بانتصار غريب.. حاسة إن أمي واقفة جنبي وبتطبطب على كتفي بتقولي: “عفارم عليكي يا ندى.. أكلتي لقتك وما سبتيهاش حد ياكلها”.
طلعت الدور الثاني، فتحت أوضتي القديمة اللي ريحتها كلها أمي.. قعدت على السرير وفتحت الملف البيج عشان أتأكد من ورقي.. بس وأنا بقلب في العقود، وقعت ورقة قديمة مطوية بأيد أمي فاطمة بخطها الضئيل..
فتحت الورقة بسرعة، وكانت المفاجأة اللي هزت كياني من الساس للرأس.. الورقة ما كانتش مجرد وصية عادية.. دي كانت خطاب موجه ليا بتاريخ قبل وفاة أمي بشهر واحد.. ومكتوب فيه جملة واحدة غيرت كل حسابتاني:
“يا ندى يا بنتي.. البيت ده مش مجرد ورث.. البيت ده تحته سر دفنه أبوكِ قبل ما يموت، وسر تاني خالص طارق وأمه بيموتوا عشان يوصلوا له من قبل ما يتجوزك.. أوعديني لو حصل لي حاجة، ما تفتحيش الخزنة اللي تحت بلاطة الفرن في المطعم القديم إلا وأنتِ معاكي…”
الكلمات وقفت عند الحتة دي.. والورقة كانت مقطوعة من التحت!
في اللحظة دي بالظبط.. سمعت صوت خبط شديد وعنيف على الباب الخارجي للجنينة.. صوت مش صوت طارق ولا أمه.. صوت حد بيحاول يكسر القفل الحديد بعنف من بره!
تفتكروا إيه السر اللي أم ندى دفنته تحت بلاطة الفرن؟ ومين اللي بيحاول يقتحم البيت دلوقتي وعارف السر ده؟





