روايات وقصص

بنت الملجا ج 2

بقلم اماني سيد

الدنيا لفت بيا، ونزلت السلم وأنا مش حاسس برجليا تحت مني.. ركبت العربية وضربت بإيدي على الدركسيون وأنا بصرخ من القهرة.

رجعت على شقتي الجديدة.. أول ما فتحت الباب، لقيت زهرة قاعدة حاطة رجل على رجل، بتعمل ضوافرها، وأول ما شافتني داخل وشي أصفر زعقت ببرود:

“كنت فين ده كله؟! الأكل مجاش يعني؟ وبعدين مالك قالب وشك وداخلي زي الهم كده ليه؟”

بصيت لزهرة.. بصيت للوش اللي كنت فاكره حب عمري وكنت مستعد أخسر الدنيا عشانه.. حسيت بغثيان وبقرف من نفسي ومنها. مكنتش شايف فيها غير الأنانية والجشع والخواء.

سكت خالص ومردتش عليها، دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح.. قعدت على الأرض في الضلمة، وافتكرت كل لحظة دعتلي فيها مريم وهي بتناولني كوباية الشاي، وافتكرت نظرة الرضا اللي في عيون أمي لما كانت مريم بتسندها..

أنا كسبت الشقة الفخمة، وكسبت البنت اللي حاربت عشانها، بس في المقابل؟

خسرت أمي، وخسرت رضاها، وخسرت إنسانة نقية كانت ممكن تشيلني في عينيها العمر كله.. وعرفت ساعتها إن دعوة المظلوم مبتضيعش، وإن ذنب مريم هيفضل كابوس يطاردني ويخنقني في كل لقمة وكل خطوة جاية في حياتي.

الأيام بقت عبارة عن سجن كبير.. زهرة مكنتش بتههد ولا ترحم. الشقة اللي فرشتها بدم قلبي وبأغلى الأشياء تحولت لجحيم، خناقات كل يوم على أقل تفاصيل، وفلوس الشغل اللي كنت بطلع روحي عشان أجيبها كانت بتطير في الشوارع واللبس والخروج والمظاهرات الفارغة.

وفي مرة، وفي نص خناقة كبيرة بيني وبين زهرة، لما قلتلها إنتي طماعة ومبيهمكيش غير نفسك، صرخت في وشي بكل قسوة:

* “أومال إنت فاكر إيه يا روح أمك؟! أنا مش خدامة عندك، ولا قاعدة عشان أطبطب عليك.. أنا اتجوزتك عشان أعيش عيشة الهوانم، ولما لقيتك ولا حاجة وإن كل همك هم أمك والست اللي كانت قاعدة في بيتك، فوق لنفسك أنا مليش دعوة بده كله!”

كلماتها كانت القلم التاني اللي فاقني بس متأخر أوي. بصيتلها وسكتّ.. مكنش فيا حيل أرد، حسيت إن ربنا بيعاقبني جزاء وفاقار على كل اللي عملته.

عدت شهور، والشغل بتاعي بدأ يتأثر بسبب حالتي النفسية اللي بقت تحت الصفر، لحد ما في يوم دخلت الشركة لقيت قرار فصلي أو خصم كبير بسبب الإهمال، والدنيا اتقفلت في وشي من كل ناحية.

زهرة أول ما عرفت إن الفلوس قلت وإن الحال اتغير، مأخدتش وقت.. صحتني في يوم على صوت شنطتها وهي بتلم هدومها، وقالت ببرود وهي خارجة من الباب:

* “أنا مش هعيش في الإفلاس ده.. سلام يا حبيبى، دور على حد تاني ينكد عليك!”

خرجت وسابتني لوحدي في الشقة الواسعة الفخمة اللي بقت كأنها مقبرة.. مكنش فيه لا زهرة، ولا أم، ولا مريم.

قعدت على الأرض أعيط زي العيال الصغيرة، لأول مرة أنزل دمعة حقيقية من قلبي.. افتكرت كل اللي عملته، وندمت ندماً عميقاً ملهوش آخر.

نزلت زي المجنون أدور على أمي في كل مكان ممكن تخطر على بالها.. سألت الجيران القدامى، دورت في المستشفيات، فضلت ماشي في الشوارع زي التائه، لحد ما في يوم، وبعد سنة كاملة من العذاب، وأنا ماشي صدفة جنب حضانة أطفال في منطقة شعبية، سمعت صوت ضحكة طفل بيفكرني بريحة البيت القديم.

رفعت عيني.. لقيت يافطة الحضانة، ولقيت على الباب مريم..

مريم كانت بتبتسم وهي بتسلم طفل لأمه.. كانت أبسط بكتير، بس وشها منور، فيه سك/ينة وسلام داخلي مكنش موجود نهائي وهي في بيتنا.

قلبي دق بجنون، وقفت مش بعيد وعيني دمعت.. لقيتها بصت وشافتني.

ابتسامتها اختفت لثواني، ونظرة الخذلان رجعت في عيونها، بس المرة دي كان فيها إشاعة تسامح أو يمكن شفقة على الحالة الصعبة اللي وصلت لها.. وقفت مكانها من غير ما تقرب، وأنا قربت بخطوات بتترعش، نزلت على ركبي قدامها، وبصيت في الأرض وقلت بصوت مكسور:

* “سامحيني.. أنا جيت أدفع ثمن غبائي وغدري.. أمي.. أمي عاملة إيه؟ والنبي طمنيني عليها.. مش عايز أخدها منك، بس عايز أشوفها وأبوس إيدها قبل ما أموت من الندم.”

مريم بصتلي طويلًا، وفي عيونها لمعت دمعة نزلت على خدها بهدوء، وقالت بصوت دافي هز روحي:

* “أمك.. أمك يا سيدي دعت عليك كتير، بس في كل صلاة كانت بتدعي ربنا يهديك وينور بصيرتك.. أمك عايشة معايا، وفي حضني، وبخير الحمد لله.. بس عشان تقابلك، هى اللي تقرر.. تعالى معايا.”

مشيت وراها وأنا حاسس إني برجع للحياة من جديد، بدموع وندم عمره ما هيتنسي، وعرفت ساعتها إن العوض بيبدأ من ساعة الصدق، وإن حقوق الناس والقلوب الطيبة مابتضيعش عند ربنا أبداً.

مشيت ورا مريم وخطواتي بتجر بعضها بالعافية، لحد ما وصلنا لبيت هادي في منطقة بسيطة.. أول ما الباب اتفتح، شفت أمي قاعدة على كرسي مريح، وشها كان أهدى بكتير من آخر مرة، بس العجز والسن بانوا عليها أكتر.

أول ما عيني جت في عينها، رميت نفسي تحت رجليها وفضلت أعيط وأبوس إيدها وراسها:

“سامحيني يا أمي..، أنا ادمرت وخسرت كل حاجة.. زهرة سابتني أول ما الفلوس راحت والشغل ضاع، وعرفت إن ذنبكم هو اللي عمل فيا كده!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى