
أمي سكتت ودموعها نزلت، وبصوت هادي وحنين طبطبت على كتفي وقالت:
“مسامحاك يا بني عشان أنت حتة مني.. بس الجرح اللي سيبته في قلب الغلبانة دي مش هيمحيه ندمك ده كله.”
لفيت وشي لمريم، ووقفت قدامها وأنا كلي أمل إني أصلح اللي انكسر.. مسكت إيدها وحاولت أترجاها:
“مريم.. أنا طلقت زهرة ومستعد أبدأ معاكي من الصفر، هعوضك عن كل دمعة نزلت من عينك، هكتبلك كل اللي أملكه، وهعيش خدام تحت رجلك أنتي وأمي.. اديني فرصة تانية وأنا هرجعك على ذمتي وأعملك أحسن فرح في الدنيا.”
لحظة الحقيقة وقرار مريم
مريم سحبت إيدها من إيدي بمنتهى الهدوء والثبات، وبصتلي بنظرة خلتني أحس إني أصغر بكتير مما أتخيل.. مكنش في عينيها أي كره، كان فيها بس استغناء تام وقوة عمرها ما كانت باينة عليها زمان.
قالتلي بصوت واطي بس رن في أركان الأوضة:
“أنت فاهم غلط يا ابن الأصول.. أنا مش ورقة تشتريها وقت ما تعوز وترميها وقت ما تحب، ولا أنا بديل ترجعله لما اللي جريت وراها تكسرك وتبيعك. أنا لما سامحتك، سامحتك عشان أطهر قلبي وميبقاش فيه غل، مش عشان أرجع للبير اللي رماني فيه غدرك. كرامتي اللي داست عليها رجليك زمان رجعتلي يوم ما خرجت من بيتك، ومفيش قوة على الأرض هترجعني ليك تاني.”
عوض ربنا الجميل
مرت شهور، وكنت باجي كل أسبوع أزور أمي وأطمن عليها من بعيد لبعيد، شايف مريم وهي بتكبر في شغلها في الحضانة ومحبوبة من كل الناس.. لحد ما جه اليوم اللي شفت فيه عوض ربنا ليها بعيني.
واحد من أولياء الأمور كان بيجيب ابن أخته الصغير الحضانة كل يوم بعد وفاة أمه.. كان اسمه طارق، مهندس محترم، راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. طارق لفت نظره حنية مريم وطيبتها وأخلاقها العالية، ومعاملتها للصغير كأنه ابنها.
* سأل عليها في الحضانة وعرف قصتها كلها بالكامل.
* جه لأمي في البيت، وقعد راجل لراجل يطلب إيد مريم من أمي بصفتها ولية أمرها وسندها.
* قال لأمي جملة عمري ما هنساها: “أنا مش بس جاي أطلب إيد مريم.. أنا جاي أطلب رضاكم وأشيلها هي وحضرتك فوق راسي طول العمر.”
وفي يوم كتب كتابها، وقفت من بعيد أراقب المشهد من ورا الشارع..
شفت مريم بفستان أبيض بسيط من غير أي بهرجة، وشها كان منور بفرحة حقيقية مفيهاش ذرة خوف ولا انكسار، وطارق ماسك إيدها بحب واحترام، بيبصلها كأنها أغلى كنز في الدنيا.
أمي كانت واقفة جنبهم بتزغرد والدموع مالية عينيها من الفرحة، ولأول مرة أشوف ابتسامة أمي الصافية اللي اتحرمت منها سنين.
ساعتها بس فهمت.. إن القلوب النقية مابتتكسرش للأبد، وإن ربنا لما بياخد من الطيبين بيعوضهم بأحسن بكتير، أما أنا.. فكان نصيبي إني أعيش باقي عمري شايل ذنب غبائي، وأتفرج على السعادة اللي ضيعتها بإيدي وهي بتبني بيت تاني مع راجل عرف قيمتها بجد.
أما زهرة.. فكانت فاكرة إن الدنيا هتفضل تضحكلها، وإن جمالها وشطارتها في التلاعب هيفتحولها كل الأبواب المقفولة.
بعد ما سابتني وطلبت الطلاق وأخدت كل اللي قدرت عليه، كانت حاطة عينها على مستوى أعلى.. مكنتش مقتنعة بحياتها معايا من الأول، وعيونها كانت دايمًا باصة لفوق، للي عنده فلوس أكتر وعربيات أفخم ومظاهر تتباهى بيها قدام صحابها على السوشيال ميديا.
بعد طلاقنا بفترة قصيرة، اتعرفت على راجل أعمال – أو على الأقل ده اللي كان مبينه للناس – كان بيغرقها هدايا ومظاهر كدابة، ووعدها إنه هيعيشها عيشة الأميرات في فيلا في التجمع وسفر بره مصر كل شهر. زهرة انبهرت بكل سهولة، ومفكرتش تسأل عن أصله ولا فصله ولا حتى مصدر الفلوس دي إيه.. كل اللي كان فارق معاها إنها لقت “الصيد الثمين” اللي يرضي غرورها.
اتجوزته في فرح أسطوري، ونزلت صور وفيديوهات عشان تغيظ كل الناس وتثبت إنها كسبت في الآخر.. بس الحفلة مكملتش.
سقوط القناع
بعد شهرين اتنين بس من الجواز، بدأت الحقيقة المرة تنكشف:
طلع نصاب ومطارد: الراجل طلع غرقان في ديون وشيكات بدون رصيد، والفيلا والعربيات كلها كانت إيجار ومظاهر كدابة لنصب أكبر.
الاستغلال والورطة: استغل طمعها وكتب باسمها عقود وشركات وهمية، وأقنعها تمضي على وصولات أمانة وشيكات بحجة إنه بيأمن مستقبلها وبيعملها بيزنس خاص بيها.
الهروب الكبير: فجأة وفي ليلة وضلتها، فص ملح وداب.. هرب بره البلد وساب وراه بلاوي متلتلة.
زهرة صحت في يوم على صوت خبط ورزع على باب الشقة.. كانت الشرطة ومعاهم أحكام وقضايا نصب وشيكات بالملايين موجهة ضدها هي بصفتها الشريكة والضامنة في كل الأوراق.
اتقبض عليها ونزلت بالكلابشات في إيديها قدام عمارة كاملة وعيون الناس بتاكل فيها.. كل الدهب واللبس والشبكة اللي حرقت دمي عشان أجيبهالها اتبعوا في مزادات عشان يسددوا جزء بسيط من الديون، وأهلها اتبروا منها ومن الفضايح اللي جابتهالهم.
وفي زيارة لمحامي كنت بخلصله ورق قديم، شفتها بالصدفة في المحكمة..
كانت قاعدة على دكة خشب، لابسة لبس الحبس الأبيض الباهت، وشها مطفي، مفيش نقطة مكياج، وعينيها غرقانة في رعب وذل لا يوصف، مستنية حكم بالسجن هيضيع من عمرها سنين وسنين.
بصيتلها من بعيد وافتكرت يوم ما دخلت بتبص لمريم باستعلاء وقرف وتقولها “أنتي كفاية عليكي تخدمي هنا”..
سبحان من يذل من يشاء ويعز من يشاء؛ مريم اللي اتقهرت وداست على كرامتها ربنا كرمها ببيت وعز وراجل شايلها فوق راسه، وزهرة اللي شافت نفسها على خلق الله وبنت سعادتها على خر
اب البيوت، رماها طمعها في قاع مظلم ورا القضبان، تدوق نفس مرارة الكسرة.. بس بأبشع طريقة ممكنة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



