
الظابط المسؤول سمحلنا ندخل أنا وطاهر بس لثواني معدودة. دخلنا الأوضة، صوت أجهزة النبض كان بيلطش في الروح. الحاجة أم نصر كانت نايمة على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمها من كل ناحية، وشها الشديد اللي كان بيفزّع القلوب بقى أصفر ومكمد، وشفايفها ميتة.
طاهر ارتمى على إيدها وباسها وهو بيبكي بالصوت: “أمي.. أنا طاهر يا أمي! سامحيني يا أمي، والله ما كنت عاوز الأمور توصل لكدة، بس أنتِ اللي قسيتي عليا وعلى مراتي!”
-
الرجل العجوزمنذ 9 ساعات
-
حور يوسف ج 2منذ 9 ساعات
-
سليم 4والاخيرمنذ 9 ساعات
-
دعوه حماتي ج 2منذ 14 ساعة
جهاز النبض بدأ يزمر بسرعة، والحاجة أم نصر فتحت عينها بالعافية. بصت لطاهر وبكت، دمعة تقيلة نزلت من عينها وبلت المخذة. وبعدين حركت حدقة عينها بالراحة وراحت باصّة لي أنا.
قربت منها بخطوات بطيئة، ومسكت إيدها التانية بالراحة. بصتلي بنظرة مفيهاش أي غل أو تحكم، كان فيها رجا وألم وتوسل كأنها بتطلب المغفرة من غير ما تقدر تنطق.
جمعت كل قوتها وضغطت على صوابع إيدي ضغطة ضعيفة جداً، وبشفايفها اللي بتترعش حاولت تطلع كلمة.. طلعت حشرجة مكتومة: “سـ… سامحيني.. يا.. يا رحمة..”
دموعي نزلت وغصبت عني حضنت إيدها: “مسامحاكي يا حاجة.. مسامحاكي والله، ربنا يقومك بالسلامة ويغفرلك.”
في اللحظة دي، شريط النبض على الشاشة بدأ يتحول لخط مستقيم، وصوت الصفارة المستمرة ملأ الأوضة!
الدكاترة والممرضين دخلوا يجروا وزقونا لبرا، وطاهر بيصرخ وبيعافر مش عاوز يسيب إيدها: “أمييييي! لا يا أمي متسبنيش وأنتِ زعلانة مني! يا دكتور اعمل أي حاجة!”
طلعنا بره الأوضة بالقوة، وبعد خمس دقايق خرج الدكتور، نكّس رأسه وبص لطاهر والحاج صابر وقال بأسى: “البقاء لله.. الجلطة كانت تمكنت من المخ، والقلب وقف.”
طاهر انهار على الأرض وبكى بكاء يقطع القلب، وأنا قعدت جنبه بحضنه وببكي معاه. ماتت الحاجة أم نصر، ومات معاها جزء كبير من القسوة، بس الجهل ساب وراه جرح مش هيندمل بسهولة.
بعد يومين من العزا القاسي اللي كان مليان نظرات عتاب وغل مستتر من بقية العيلة، رجعنا الشقة. الشقة كانت فاضية وساكتة، طاهر كان قاعد في الصالة ساكت ومش بيتكلم، الحزن كسره والوجع غير ملامحه.
قعدت جنبه وحطيت إيدي على كتفه: “طاهر.. لازم نقوم ونكمل، هي راحت للي أرحم مني ومنك، وإحنا لازم ننفذ الوعد اللي قطعناه على نفسنا.”
بصلي وعينيه مجهدة: “هنبتعد يا رحمة.. هنمشي من هنا بكرة الصبح، هنأجر شقة في القاهرة ونبدأ من جديد بعيد عن العيلة والذكريات المرة دي.”
فعلاً، لمينا هدومنا وحاجاتنا البسيطة، وقفلنا باب الشقة اللي شهد على ألعن أيام حياتنا، ومشينا.
عدت ست شهور..
كنا سكنا في حي هادي في القاهرة، طاهر فتح ورشة صغيرة لشغله وربنا فتحها عليه، وأنا رجعت لكليتي وكملت تعليمي، والحياة بدأت تبتسملنا وتهدى. ورزقنا ربنا ببركة جديدة.. كنت حامل في الشهر التالت، والفرحة كانت مش سيعانا، وحسينا إن ربنا بيعوضنا عن كل القهر اللي شوفناه.
وفي يوم بالليل، طاهر كان راجع من الورشة مبسوط وشايل العشا، وقاعدين في الصالة بنضحك وبنتفرج على التليفزيون، وبنتكلم عن النونو اللي جاي وهنسميه إيه.
وفجأة.. نور الشقة اتقطع!
الظلام حل على المكان، وصوت الريح بره كان عالي. طاهر قام جاب كشاف الموبايل وقال وهو بيضحك: “الظاهر الصيانة شغالة في الشارع، هقوم أشوف فيوزات الكهرباء بره.”
خرج طاهر لطرقة الشقة عشان يفتح باب الشقة ويشوف لوحة الكهرباء.. وأنا قعدت مستنياه جوة.
مرت خمس دقايق.. عشر دقايق.. وطاهر مفيش له أي صوت!
ناديت عليه بلقلق: “طاهر؟ عملت إيه يا حبيبي؟”
مفيش رد.
قمت وقفت ومسكت كشاف تليفوني، ومشينا بخطوات خايفة ناحية باب الشقة المفتوح نص فتحة. طلعت رأسي بالراحة وبصيت في السلم الضلمة…
لقيت كشاف موبايل طاهر مرمي على الأرض ومكسور، وبقع دم صريحة ومسحوبة على درجات السلم النازلة لتحت!
وفي لحظة، سمعت صوت حركة ورايا جوة الشقة الضلمة، وصوت نفس عالي وشرير بيهمس في ودني من الضهر: “فاكرة إنك هتهربي مننا وتعيشي مرتاحة يا رحمة؟ العيلة مابتنساش حقها!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






