
“آسف يا حامد بيه.. شادية هانم بلغتني إن العربية مش هتتحرك، واستلمت مني المفتاح الاحتياطي.”
كانت تلك أول صفعة من الواقع. خرجت إلى الشارع مشياً على الأقدام، الهواء البارد يلفح وجهي، والليل يبتلعني. لم يكن في جيبي سوى بضعة آلاف من الجنيهات، وهي كل ما أملكه في هذه الدنيا بعد سنتين من الثراء المزيف.
-
بنت عمي ج 1منذ 7 دقائق
-
بنت عمي ج 2منذ 8 دقائق
-
حكايات 2منذ ساعة واحدة
-
اتجوزت واحده مطلقة ج 2منذ 3 ساعات
ت وجهت فوراً إلى المقاهي القريبة، جلست هناك أفكار في رأسي تتصادم كالعاصفة. كيف تحولت شادية من الحمل الوديع الشديد الحنان إلى هذه الصخرة الصماء؟ هل كانت تنتظر هذه اللحظة؟ أم أن جرح كبريائها كان أعمق مما تخيلت؟
مع بزوغ الفجر، لم يكن أمامي سوى ملاذ واحد.. “سلمى”.
اتصلت بها بصوت يرتجف، وقلت لها إنني بحاجة لرؤيتها فوراً لأمر جلل. التقينا في إحدى الحديقات العامة القريبة من منطقتها. كانت ترتدي ملابس رقيقة، وابتسامتها المشرقة تملأ وجهها الصغير.
قالت بلهفة:
“خير يا حامد؟ كلمت مدام شادية؟ وافقت؟”
أطرقت رأسي في الأرض، وحكيت لها ما حدث بالتفصيل، محاولاً تجميل موقفي وإظهار شادية بمظهر المَرأة الانتقامية الجشعة التي جردتني من كل شيء لمجرد أنني أردت ممارسة حقي الشرعي.
انتظرت أن أرى في عيني سلمى نظرة التعاطف، أو أن تمسك بيدي وتقول لي: “أنا بحبك أنت مش فلوسك، وهنبدأ من الصفر سوا”.
لكن ملامح سلمى بدأت تتغير تدريجياً مع كل كلمة أقولها. اختفت الابتسامة، وحلت محلها نظرة استغراب وجفاء.
عندما انتهيت من حديثي، سادت لحظة صمت ثقيلة، ثم قالت سلمى بصوت بارد لم أعهده فيها:
“يعني أنت دلوقتي.. حاف؟ مفيش شقة؟ مفيش شغل؟ مفيش عربية؟”
قلت لها بلهفة ورجاء:
“سلمى.. أنا عندي خبرة دلوقتي، أنا أقدر أشتغل في أي مكان وأقف على رجلي تاني! المهم إننا مع بعض، أنتِ مش كنتِ بتحبيني؟”
ضحت سلمى ضحكة قصيرة فيها الكثير من السخرية، وقامت من مجلسها وهي تعدل حقيبتها وقالت:
“أحبك؟ طبعاً كنت بحبك لما كنت حامد بيه، صاحب الفرن واللي راكب عربية أحدث موديل وعايش في شقة فخمة! لكن أرجع أتجوز واحد مش حيلته لقمة يومه وعايش في الشارع؟ أنت عندك 29 سنة دلوقتي، هتبدأ من الصفر إزاي؟ وعلى ما تعمل نفسك هكون أنا كبرت!”
سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة، قلت بصدمة:
“سلمى! أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ كنتِ بتقوليلي إنك معجبة بيا لشخصي!”
ردت بصلابة وقسوة لم أتوقعها من تلك الفتاة الرقيقة:
“شخصك؟ هو أنت شخصك إيه من غير الفلوس والجاه اللي الست دي عملتهولك؟ أنت حتى مكنش عندك الجرأة تصون النعمة اللي كانت في إيدك! ست كتبتك كل حاجة وشالتك من الفقر، بعتها عشان واحدة شافت حركة عينها في الفرن؟ إذا كنت أنت أكلت العيش وكسرت الترابيزة مع اللي خلتك بني آدم.. هتحافظ عليا أنا إزاي لما الدنيا تضيق بيك؟”
تركتني سلمى وسارت بخطوات سريعة دون أن تتلفت وراءها، تتوارى بين المارة، بينما بقيت أنا مسماراً في مكاني، أتحسس النصف الآخر من الحقيقة القاسية التي رفضت أن أراها.
في ظرف 12 ساعة فقط، خسرت كل شيء. خسرت شادية التي أعطتني الأمان والجاه والمال، وخسرت سلمى التي طاردت سراب شبابها ورقتها. اكتشفت أنني لم أكن سوى وهم كبير، رجل بنيت قصراً من الرمال على شاطئ كبرياء امرأة أخرى، وحين قررت أن أتمرد، جرف الموج قصري ولم يبقَ مني سوى الخواء.
مرت الأيام كأنها الكوابيس. استأجرت غرفة صغيرة وهشة في منطقة نائية، تشبه تماماً الغرفة التي بدأت منها قبل سنتين. بدأت الفلوس القليلة التي كانت في جيبي تنفد بسرعة. حاولت البحث عن عمل في المحلات والمخابز الأخرى، لكن الخبر ينتقل في السوق أسرع من البرق.
كان الجميع يعلم أن “حامد” حاول الغدر بـ “شادية”، ومعظم أصحاب الأعمال في المنطقة كانوا يعرفون شادية ويكنون لها احتراماً كبيراً، فكانت الأبواب تغلق في وجهي بمجرد أن أذكر اسمي. أصبحت منبوذاً، لا أملك شغلاً، ولا مالاً، ولا حتى كرامة.
وفي يوم من أيام الصيف الخانقة، وبعد مرور شهرين على ذلك الخراب، كنت أسير في الشارع المحاذي لفرن شادية من بعيد. لم أجرؤ على الاقتراب، لكن الشوق للجاه والأمان، بل وحتى لنداء شادية الحنون لي، كان يمزق صدري.
وقفت خلف إحدى الأشجار أرقب المشهد.
كان الفرن يعمل بكامل طاقته، العمال يتحركون بنشاط، وصوت الضحكات والموسيقى الصادرة من الراديو تملأ المكان. وفي الصالة المعتادة، كانت شادية تجلس على كرسيها، تتابع العمل بكبرياء وهيبة، وتبتسم للزبائن.
وفجأة، رأيت شاباً صغيراً في العشرينيات من عمره، يرتدي ملابس بسيطة، يتقدم نحو الفرن بتردد، يسحب بابه بذات الطريقة التي كنت أسحبه بها قبل سنتين. رأيت شادية تنظر إليه، تبتسم ذات الابتسامة الطيبة، وتومئ للشغالين ليجهزوا له العيش.
سقطت دمعة حارة من عيني على خدي. علمت حينها أنني لم أكن مميزاً، ولم أكن الاستثناء في حياة شادية. كنت مجرد محاولة منها لصناعة رجل أمين، تجربة أخفقت هي في اختيار بطلها، ونجحت في إنقاذ نفسها منه قبل أن يدمرها.
وقفت هناك في الظل، أراقب النعمة التي كانت بين يدي وأضعتها بيداي. أدركت أن الانتقام الحقيقي لشادية لم يكن في تجريدي من الشقة والعربية والشغل، بل كان في إعادتي إلى نقطة الصفر، لأشاهد الحياة وهي تستمر وتزدهر من دوني، بينما أقبع أنا في هامش القاع، بلا حاضر ولا مستقبل.




