منوعات

بقلم اماني السيد 1

شهد كانت واقفة على الباب بفستانها المبهدل، شعرها منكوش، وشها أصفر زي الميتين، وتحت عينيها تورم أزرق واضح كأن حد ضربها بقسوة. أختي كانت بتلهث وبتبكي بصوت مكتوم وهستيري، وأول ما شافت أمي اترمت في حضنها وانهارت على الأرض وهي بتصرخ: “الحقوني يا ماما.. الحقوني هيقتلني! الراجل ده مجنون.. ده مش بني آدم!”.

أمي صرخت وشالتها من على الأرض وهي بتترعش، وأبويا قفل الباب بسرعة وهو بيتلفت حواليه زي المجرمين. قعدوها على الكنبة في الصالة، وأنا خرجت من أوضتي على صوت الصريخ.. المنظر كان يصدم أي حد، بس جوايا كان فيه صوت بيصرخ وبيقول: “أنا حذرتكم!”.

مقالات ذات صلة

أمي مسكت وش شهد وهي بتعيط وتقول بلهفة: “فيه إيه يا بت؟ إيه اللي حصل؟ فين جوزك؟ وفين العربيات والحرس؟ إيه اللي عمل فيكي كده؟!”.

شهد كانت بتتكلم والدموع مغرقة وشها وصوتها بيقطع من كثر الشهقات: “الفلوس دي كلها جحيم يا ماما.. الشلل اللي عنده مش بس في رجله، ده شلل في قلبه وعقله! من أول ما دخلنا القصر وهو بيعاملني زي العبدة.. قفل عليا الأوضة ومنعني ألمس تليفون، وكان بيقعد على الكرسي قدامي ويقعد يصرخ فيا ويهينني ويشتمني بأبشع الألفاظ عشان يفرغ عقدة نقصه فيا! ولما حاولت أرد عليه أو أقوله حرام عليك.. قام من على الكرسي  بالخيزرانة بتاعته!”.

أبويا برق بصدمة وقال بصوت : “قام من على الكرسي؟! يعني هو مش مشلول؟!”.

شهد شهقت وعلت صوتها بالبكاء: “لأ يا بابا! هو بيتحرك ويمشي بس بصعوبة وبيتمارض قدام الناس عشان ياخد العطف والوجاهة، ولما يبقى لوحده في البيت بيتحول لوحش! ده مريض نفسي.. قال لي إنه اتجوزني بس عشان يكسر عين عفاف ويورّيها إنه يقدر يشتري أي حد بفلوسه، وقال لي إن كل العز ده بشرط واحد.. إني أكون الجارية بتاعته اللي بيفرغ فيها غله وقسوته!”.

أمي كتمت بقها بإيدها وجسمها كله بدأ يتلفت برعب، وقالت بصوت مكسور: “يا نصيبتي السودة.. يا فضيحتك يا عز الدين! طب وأنتِ هربتي إزاي؟!”.

شهد بصت لأمي بنظرة كلها ندم وحسرة وقالت: “استغليت إنه دخل ينام بعد ما تعب من الضرب، وفتحت باب القصر وهربت باللي عليا.. جيت في تاكسي ودفعت له غويشتي الدهب اللي كانت في إيدي.. أنا مش راجعة له تاني يا ماما، أنا تموتوني هنا ولا إني أرجع  ده!”.

في اللحظة دي، وقفت أنا في نص الصالة، بصيت لأمي وأبويا اللي كانوا زي الفراخ المبلولة، كبريائهم والجشع اللي كان عامي عينيهم اتبخر في لحظة، وساب مكانهم الخزي والندم. قربت من شهد وحطيت إيدي على كتفها، بصت لي شهد وانهارت أكتر وقالت وهي بتبوس إيدي: “سامحيني يا عفاف.. كان عندك حق، الفلوس طلعت رخيصة أوي قصاد الكرامة والصحة.. أنا بعت نفسي للقرشين وربنا عقابني في ساعتها!”.

قبل ما حد فينا ينطق كلمة زيادة، الشارع تحت البيت اتهز بصوت فرامل عربيات قوية أوي.. صوت آلات التنبيه كان بيصرخ في السكون، وأضواء العربيات الخضراء والقوية دخلت من شبابيك الصالة وعكست على الحيطان.

أبويا جرى على البلكونة وبص منها، ورجع وشها أبيض زي الملاية، وقال بصوت حشرجة: “يا ساتر يا رب.. العربيات تحت، والرجالة بتوعه نازلين وبيزعقوا في الشارع.. نازلين ياخدوا البنت!”.

الباب بره اتدك بدبات رجالة ثقيلة، وصوت العريس رن في الممر بصوت حاد ومرعب وهو بيصرخ: “افتح يا حاج! افتح بدل ما أهد البيت ده على دماغكم كلكم وأحبسكم بالقانون! مراتي هترجع معايا حالا ورجلها فوق رقبتها!”.

أمي مسكت شهد وحضنتها وهي بتعيط بقلة حيلة، وأبويا وقف ورا الباب مش قادر يمد إيده يفتحه.. الخوف كان شالل البيت كله. بصيت للباب، وبصيت لأختي اللي كانت بتموت من الرعب، وحسيت إن الغضب اللي جوايا أكل أي خوف.. قربت من الباب، ومشيت بخطوات ثقيلة ومصممة، ومسكت الأكرة وأنا باخد نفس عميق.. ورزعت الباب وفتحت في وشهم!

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى