روايات وقصص

جوز بنتي استولي علي معاشي

وبعدين، بهدوء غريب، خلع الساعة اللي في إيده وحطها على ترابيزة العدد القديمة.

أنا استغربت.

وكريم ضحك وقال:

—إيه؟ هتخوفني يعني؟

محمود رفع عينه وبصله وقال جملة خلت المكان كله يسكت.

واللي كريم رد بيه بعدها…

كان أسوأ بكتير.

لأن كريم ماكانش يعرف إن كل كلمة هيقولها من اللحظة دي كانت بتتسجل.

وماكانش يعرف إن محمود ماجاش عشان يتخانق…

هو جه وهو مجهز نفسه لحاجة أكبر بكتير.

وأنا شخصيًا ماكنتش مصدق اللي كان هيحصل قدام عيني…

الجزء الثاني

​—«لو حاسس إنك راجل أوي يا كريم، كرّر اللي قلته تاني بصوت أعلى… عشان البث المباشر اللي شغال في إيدي ده يسمعك كويس.»

​الجملة نزلت على كريم زي الصاعقة. محمود ماكنش بيقلع ساعته عشان يتخانق ويضرب، الساعة دي كانت مجرد غطاء، لأن محمود كان ماسك الموبايل بإيده الثانية ومثبت الكاميرا من غير ما كريم يلاحظ، ومجرّد ما قلع الساعة، أظهر الموبايل وهو شغال بث مباشر على صفحته الشخصية، وفي نفس الوقت بيسجّل فيديو عالي الدقة.

​كريم اتوتر للحظة، بس غروره وعنجهيته غلبوه، وعيونه زاغت من الغضب. بدل ما يسكت، قرب من محمود بوقاحة وقال وهو بيمد إيده يحاول يزق الموبايل:

—«بث مباشر إيه وتصوير إيه يا روح أمك؟! أنت فاكر نفسك هتهددني في بيتي؟ أبوك ده خرف ومضالي بكامل إرادته، والفلوس دي حقي مقابل إننا متحملينه ومأكلينه! يلا اطلع بره بدل ما أطلبلك الشرطة وأعملك محضر عدم تعرض!»

​كريم ماكانش عارف إن كل كلمة بيقولها بأسلوبه ده، وبكل الاعترافات الضمنية بالسرقة والاعتداء، كانت بتتوثق ثانية بثانية، والتعليقات على البث بدأت تتفجر في أقل من دقيقة.

​سارة، بنتي، نزلت على صوت كريم العالي. أول ما شافت أخوها محمود واقف وفي إيده الموبايل، وشافت نظرة عين محمود ليها، وشها أصفرّ وجمعت إيديها بخوف.

محمود بص لإخته بنفس الهدوء المرعب وقال لها:

—«أنتِ ساكتة ليه يا سارة؟ قولي للناس اللي بتتفرج كيف سيبتي جوزك يرمي أباكي في الجراج على الأسمنت، وياخد معاشه اللي طفح الدم فيه أربعين سنة في المطافي! قولي لهم إنك شايفه الكدمة اللي في وشه وساكتة عشان شوية مصاريف وفرفشة!»

​سارة بدأت تعيط بانهيار وتحاول تتكلم:

—«والله يا محمود أنا… كريم قال لي هو هيرضى بأي حاجة، وأنا ماكنتش أقدر أفتس…»

بس كريم صرخ فيها بغضب:

—«اسكتي أنتِ! ما تتكلميش معاه!»

وبعدين لف لمحمود وقال بتهديد:

—«ورقتك دي واعلى ما في خيلك اركبه! التوكيل معايا ومعايا إثبات إن الراجل ده بيخرف، وأعلى ما في خيلك اركبه يا محمود!»

​في اللحظة دي، محمود ابتسم ابتسامة باردة جداً، وحط الموبايل في جيبه بعد ما قفل البث وسيف الفيديو. وبمنتهى الثبات طلع من جيبه التاني محفظة جلد صغيرة وطلع منها كارت، وبص لكريم وقال:

—«أنا أختي للأسف طلعت جبانة وسابتاك تتفرد على راجل كبير ومريض. بس أنت نسيت حاجة واحدة يا كريم… نسيت إن أنا مهندس برمجة ومستشار نظم معلومات، وقبل ما أجي هنا بساعة، كنت عملت استعلام قانوني وحظر للتوكيل من خلال بوابة مصر الرقمية بعد ما بابا بلغني بالتليفون الأسبوع اللي فات بسريّة!»

​كريم وشه اتخطف:

—«يعني إيه؟!»

​محمود قرب منه خطوة واحدة، وصوته كان أطول وأعمق من كل الهيصة دي:

—«يعني التوكيل اللي في إيدك ده ملغي رسمياً من أربعة أيام! وكل قرش سحبته من حساب بابا بعد تاريخ الإلغاء ده يندرج تحت بند “الاستيلاء وسرقة أموال بطرق احتيالية”. ده غير الفيديو اللي اتصور حايس في كل جروبات المنطقة ودلوقتي بيتوجه لصفحة وزارة الداخلية، وفيه اعترافك بالاعتداء الجسدي والاحتجاز بدون وجه حق لراجل مسن كان بيخدم البلد في المطافي!»

​كريم كأنه اتضرب على دماغه بآلة حادة. ركبه خبطت في بعضها، وعينيه بدأت تترجى:

—«محمود… يا محمود استهدى بالله، إحنا أهل، ودا بيت حمايا وأنا كنت بظبط الفلوس بس عشان…»

​قبل ما كريم يكمل جملته، صوت سرينة عربيات الشرطة ضرب في الشارع وبره الجراج.

محمود ماجاش لوحده… محمود لما شاف الكدمة في وشي وهو داخل، كان بعت اللوكيشن لضابط زميله في القسم التابع لمنطقتنا، ومرفق معاه فيديو البث المباشر كبلاغ عاجل باحتجاز وتعدي.

​دخل الضابط مع اتنين أفراد شرطة الجراج. منظر الجراج والطباق الفاضية والمرتبة اللي على الأسمنت، مع الكدمة اللي تحت عيني، كان إثبات لا يدع مجالاً للشك.

​الضابط بص لكريم بقرف وقال للظباط:

—«اتكلبش يا روح أمك… المعاملة دي هتشوف زيها وأكتر في التخشيبة لحد ما تتعرض على النيابة بتهمة السرقة بالتحايل، والتعدي، واحتجاز مسن.»

​كريم كان بيصرخ وبيعيط وهو بيتسحب للبوكس، وبيترجى سارة تتكلم، بس سارة كانت وافقة على الأرض بتعيط وبتبصلي برجاء وخزي، مش قادرة ترفع عينها في عيني.

​محمود قرب مني، ومسك إيدي، ووطى باسها ودموعه نازلة:

—«حقك عليّا يا بابا… حقك على رأسي. البيت ده بيتك، والكلاب دول مش هيدخلوا الشارع ده تاني.»

​بصيت لسارة وهي بتبكي، ومحمود ماسك إيدي وبيساعدني أقوم من على المرتبة. في اللحظة دي عرفت إن كرامتي اللي اتداست تحت رجلي في بيتي رجعتلي، وإن ربنا ما بيمهلش ظالم، وأقرب الناس ليك لو خذلوك… ربنا بيبعتلك اللي  يردلك اعتبارك في أشد الأوقات.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى