
“أحمد” وقف عينيه متسعة على الجملة الأخيرة: “سر عن عيلتك أنت شخصياً”.
بص لـ “صباح” بذهول، وفتحت أيده الظرف البني بسرعة.. خرج منه ملف الأوراق التجارية، ووقع من وسطهم دفتر صغير قديم ولونه أسود، مكتوب على غلافه بخط ممسوح: “دفتر عائلة أبو الوفا – أسيوط 1995”.
-
رجعت البيت بدري 1منذ 5 ساعات
-
حماتي زقتنيمنذ 5 ساعات
-
جوزي كان فاكر إني مستحيل أفهم ألمانيمنذ 9 ساعات
-
جوزي بنت عمي ج 1منذ 23 ساعة
“صباح” شهقت أول ما شافت اسم العيلة مكتوب:
— أبو الوفا؟! ده نفس اسم العيلة اللي المعلم “بشندي” بيتباهى بيه في المنطقة هنا ويقول إنه كبيرهم!
“أحمد” فتح الدفتر القديم بذهول، وعينيه كانت بتقرأ الصفحات المأكولة من الأطراف، وفجأة وشها اتقلب وأصابعه اتقبضت على الدفتر بقوة تجنن:
— المعلم “بشندي”… مش مجرد منافس في السوق يا صباح… “بشندي” يبقى…
— “بشندي” يبقى أخويا في الرضاعة وعمي من أبايا!
الكلمة خرجت من بق “أحمد” زي الخنجر اللي غُرز في صدره. “صباح” لطمت على بخفة وشهقت، وسندت على وهي مش مصدقة اللي بتسمعه:
— عمك؟! المعلم “بشندي” اللي عاوزه يخرّب بيتك يبقى عمك وأخوك في الرضاعة يا أستاذ أحمد؟!
“أحمد” أيديه كانت بتبصم على أوراق الدفتر الأسود القديم، وعينيه بتقرأ الكلام المكتوب بخط والده القديم قبل ما يموت من 20 سنة. الحقيقة كانت أبشع من كل ظنونه.
— أيوة يا صباح… أبا الله يرحمه كان كاتب كل حاجة هنا. “بشندي” ابن عمي، بس أمه وهو لسة مولود، وأمي هي اللي أرضعته مع أختي الكبيرة. لما أبا كبر في السن وكتب لي الورشة والمحلات باسمي عشان كنت أنا اللي كبرت الشغل وحافظت عليه، “بشندي” اعتبر إن حق أمه وأبوه اتسرق منه. أبا كتب في الدفتر ده إنه أداه حقه وزيادة فلوس وأراضي في أسيوط، بس هو طمع، وحلف ينقم من عيلتنا كلها ويطفي ناري ونار ولادي!
“أحمد” مسح عرق بارد ينزل من جبينه، وكمل ونبرة صوته مليانة غل ووجع:
— “أمنية” الله يرحمها لما سألت وفتشت، عرفت إن الميكروباص اللي ماتت فيها مكنتش مجرد قضاء وقدر محتوم… سواق الميكروباص اللي خبطهم كان شغال عند المعلم “بشندي” في المخازن القديمة!
“صباح” رجليها مشيلتهاش، وقعدت على طرف وهي بترتعش:
— يعني… يعني أستاذة “أمنية” ؟! ممتش عادية؟!
“أحمد” طبق قبضته على الدفتر لحد ما الورق أتحسس وصوته بقى حاد زي الموس:
“أمنية” عرفت اللعبة كلها، وكانت رايحة بالدفتر والأوراق للنيابة يوميها.. بس هو سبقها، وحاول يخلص منها ومن السر اللي معاها! والـ 14 شهر اللي فاتوا، كان مستني يعرف الأوراق دي فين، وكان حاطط عينيه على الشقة عشان يجيبها، عشان يضمن إن السِر ده يتدفن معاها للأبد وما يوصلش للنيابة!
في اللحظة دي بالظبط، وصوت السكون يخيم على الشقة، سمعوا صوت “دكّة” خفيفة جاية من باب الشقة البراني.. صوت طقطقة كالون بيتحاول يتفتح بمفتاح معوج أو آلة حادة!
“صباح” قامت وقفت مفزوعة ومسكت في إيد “أحمد”:
— يا مري! في حد بيفتح باب الشقة من برة!
“أحمد” عينيه تحولت لجمر، وشال الظرف والدفتر وسرّبهم في جيبه الجواني بسرعة. بص لـ “صباح” وقال بصوت واطي جداً ونبرة حاسمة:
— أدخلي الأوضة عند العيال وقفلي الباب عليكم بالمفتاح من جوة.. وماتفتحيش مهما سمعتي صريخ أو خبط، غير لما أقولك أنا بنفسي!
“صباح” جرت على الصالة، شالت “سليم” وذقت “مالك” بشويش وجرت بيهم على أوضة الأطفال، وقفلت الباب بالمفتاح من جوة.
“أحمد” مشى بخطوات ثابتة وساكتة لحد المطبخ، مسك شومة حديد ثقيلة من بتوع تصليح الورش كان شايلها ورا الباب، ووقف في الضلمة جنب الممر المؤدي للباب الرئيسي.
صوت الكالون اتفتح بشويش… الباب اتزق وخرج منه خيالين بطوال. الأولاني كان المعلم “بشندي” بجسمه الضخم وجلبابه البلدي، ووراه بلطجي من رجاله ماسك في إيده مطواة قرن غزال بتلمع في ضوء شمس المغربيتين الضعيف.
“بشندي” بص حوليه في الصالة الهادية، وقال بصوت واطي ومبحوح لرجاله:
— أدخل يا زفت فتش أوضة النوم بسرعة.. الجدع زمانه سهران في الورشة ومش هيجي قبل الساعة 12 بالليل.. هات الظرف النحاسي والدفتر واخرج، مش عاوز واحدة تتساب هنا!
في أسرع من اللحظة، “أحمد” خرج من الضلمة زي الأسد الجريح، بالشومة الحديد بكل قوته على إيد البلطجي اللي ماسك المطواة. المطواة وقعت تعمل رنة ثقيلة على البلاط، صرخ من الوجع قبل ما “أحمد” يديله ضربة تانية في بطنه تخليه يقع متكوم على الأرض.
“بشندي” اتنطاط لورا مصدوم، وعينيه اتسعت أول ما شاف “أحمد” واقف قدامه، والشرار بيطلع من عينيه والشومة في إيده:



