
أحمد؟! أنت… أنت صاحي وموجود هنا في الوقت ده؟!
“أحمد” أخد خطوة ناحيته، وصوته كان زي الرعد يهز جدران الشقة:
-
رجعت البيت بدري 1منذ 7 ساعات
-
حماتي زقتنيمنذ 7 ساعات
-
جوزي كان فاكر إني مستحيل أفهم ألمانيمنذ 12 ساعة
-
جوزي بنت عمي ج 1منذ يوم واحد
— كنت مستنيك يا عمي… كنت مستنيك من 14 شهر عشان أرد لك دين “أمنية”!
“بشندي” رجع خطوة لورا، ووشه اتخطف واصفرّ كأنه شاف ملك الموت قدامه. حاول يمد إيده في جيب جلابيته ليطلع سلاح، بس “أحمد” كان أسرع منه؛ ضربه بالشومة الحديد على دراعه، فصرخ المعلم ونزل على ركبه والوجع بيأكل جسمه.
“أحمد” نزل لمستواه، ومسكه من ياقة جلابيته بكل الغل والحزن اللي اتحبسوا في قلبه سنة وأربع شهور، وصوته كان بيترعش من القهر:
— قتلها ليه يا بشندي؟! “أمنية” كانت ذنبها إيه؟! عيالي اللي اتحرموا من أمهم وكانوا هيموتوا من الخوف كل ليلة ذنبهم إيه؟! الفلوس والورش والورث يعموك للدرجادي؟!
“بشندي” كان بيلهث والعرق ينزل من وشه زي المية، وبص لـ “أحمد” بنظرة كره وغل وقال وهو بيحاول يتنفس:
— أباك ظلمني يا أحمد!.. أدالك كل حاجة ورمالي الفكة! “أمنية” عرفت أكتر من اللازم، وكانت هتوديني السجن، وكان لازم تتخرس للأبد! والنهارده اللعبة انتهت.. أنت مش هتقدر تعملي حاجة!
“أحمد” ابتسم ابتسامة مكسورة وفيها مرار، وهو بيهز رأسه:
— اللعبة فعلاً انتهت يا بشندي… بس مش بالطريقة اللي في دماغك.
في اللحظة دي، صوت صفارات أجهزة الشرطة في الشارع تحت العمارة، وأصوات خطوات جزمة ثقيلة طالعة على السلم بسرعة تجنن. “بشندي” عينيه اتسعت من الرعب، وبص للباب وهو مش مصدق.
“أحمد” وقف ورماه على الأرض بنظرة :
— أنت فاكرني عيل صغير هتغفلني في بيتي؟ من ساعة ما “صباح” قالتلي إنك بتسأل عن المفاتيح، وأنا كلمت رئيس المباحث وصاحبي في القسم. الأوراق والدفتر اللي “أمنية” سابتهم مش بس يبوّزوا مناقصتك، دول يودوك أنت وسواق اللي اعترف عليك أول ما عليه من ساعة زمن!
الباب اتكسر ودخل البوليس مع الضابط، ومسكوا “بشندي” اللي كان مرمي على الأرض، وكلبشوهم وسط صراخ المعلم وهو بيتحسر على نهاية إمبراطوريته اللي بناها بالشر والدم.
الضابط بص لـ “أحمد” وطبطب على كتفه:
— حقك وحق أستاذة “أمنية” جه يا أحمد.. القضية مقفولة بكرة بالدلايل اللي سلمتهالنا.
بعد ما النيابة والشرطة مشيوا والهدوء رجع للشقة، “أحمد” وقف في نص الصالة، حاسس إن في جبل ثقيل انشال من فوق صدره. الباب بتاع أوضة الأطفال اتفتح بشويش، وخرجت “صباح” وهي مسكة إيد “مالك” و”سليم”.
العيال جريوا على “أحمد”، وهو نزل على ركبتيه وأخدهم في حضنه جامد، ودموعه بتنزل بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. “مالك” بص في عين أبوه وقال بصوت طفولي نقي:
— بابا… هو الأشرار مشيوا خلاص؟ ومش هيرجعوا تاني؟
“أحمد” باس رأس “مالك” ورأس “سليم” وقال بنبرة مليانة يقين:
— مش هيرجعوا أبداً يا حبيبي.. البيت ده بقى أمان، وأمكم زمانها مرتاحة وفرحانة بينكم.
بص “أحمد” لـ “صباح” اللي كانت واقفة على جنب ودموع الفرحة في عينيها، وقالها بصوت دافي:
— الشقة دي هتنضف وترجع تتفتح كلها يا صباح.. “أمنية” هتفضل مفتوحة بالخير والريحة الطيبة، مش بالسر والضلمة. أنتِ قذتي عيلتي ورجعتيلي ولادي، ومن النهاردة أنتِ فرد من العيلة دي، وأمانك من أماننا.
“صباح” ابتسمت ابتسامة هادية وردت:
— الحمد لله اللي أظهر الحق يا أستاذ أحمد.. ربنا يجعل بيتك عامر بالخير دايماً.
وفي الليلة دي، ولأول مرة من 14 شهر، البيت في المنطقة الشعبية نام في هدوء تام. مفيش صريخ، مفيش كوابيس، ومفيش أب بيستخبى من وجعه. “أحمد” قعد جنب عياله وهم نايمين في حضن بعض، وغطاهم بشويش زي ما “أمنية” كانت بتعمل بالظبط، وهو عارف إن العدل تحقق، وإن الشمس وأخيراً طلعت على بيته من جديد.


